الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ أبو محمد سبط رسول الله صلى الله
_________________
(١) يشير إلى قوله ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه».
[ ١٨٧ ]
عليه وسلم وريحانته وآخر الخلفاء بنصه.
أخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان قال الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة ما سمت العرب بهما في الجاهلية.
ولد الحسن ﵁ في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة وروى له عن النبي ﷺ أحاديث وروت عنه عائشة ﵂ وخلائق من التابعين: منهم ابنه الحسن وأبو الحوراء ربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين.
وكان شبيهًا بالنبي ﷺ سماه النبي ﷺ الحسن وعق عنه يوم سابعه وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة وهو خامس أهل الكساء.
قال أبو أحمد العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية.
وقال المفضل: إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى بهما النبي ﷺ ابنيه الحسن والحسين.
وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي.
وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ والحسن ابن علي على عاتقه وهو يقول: " اللهم إني أحبه فأحبه ".
وأخرج البخاري عن أبي بكرة قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة يقول " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ".
وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ هما ريحانتاي من الدنيا يعني الحسن والحسين.
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله
[ ١٨٨ ]
ﷺ: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ".
وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال: رأيت النبي ﷺ والحسن والحسين علي وركيه فقال: " هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ".
وأخرج عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ: أي أهل بيتك أحب إليك قال الحسن والحسين.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي ﷺ وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام فقال رسول الله ﷺ " ونعم الراكب هو ".
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال: أشبه أهل النبي ﷺ به وأحبهم إليه الحسن بن علي رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله ﷺ يدلع لسانه للحسن بن علي فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه (^١).
وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب فقام رجل من أزد شنوأة فقال: أشهد لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته وهو يقول " من أحبني فليحبه وليبلغ الشاهد الغائب " ولولا كرامة رسول الله ﷺ ما حدثت به أحدًا. كان الحسن رضي عنه له مناقب كثيرة سيدًا حليمًا ذا سكينة ووقار وحشمة جوادًا مدوحًا يكره الفتن والسيف تزوج كثيرًا وكان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف.
_________________
(١) يدلع لسانه: يخرجه، ويهش: يسر وتنبسط أساريره.
[ ١٨٩ ]
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن خمسًا وعشرين حجة ماشيًا وإن النجائب لتقاد معه.
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال ما تكلم عندي أحد كان أحب إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة فإنه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في أرض فعرض الحسن أمرًا لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه قال فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه.
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميرًا علينا فكان يسب عليًا كل جمعة على المنبر وحسن يسمع فلا يرد شيئًا ثم أرسل إليه رجلا يقول له بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها من أبوك؟ فتقول أمي الفرس فقال له الحسن: أرجع إليه فقل له إني والله لا أمحو عنك شيئًا مما قلت بأن أسبك ولكن موعدي وموعدك الله فإن كنت صادقًا جزاك الله بصدقك وإن كنت كاذبًا فالله أشد نقمة.
وأخرج ابن سعد عن زريق بن سوار قال: كان بين الحسن وبين مروان كلام فأقبل عليه مروان فجعل يغلظ له والحسن ساكت فامتخط مروان بيمينه فقال له الحسن ويحك أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج أف لك فسكت مروان.
وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل قال جلس رجل إلى الحسن فقال إنك جلست إلينا على حين قيام منا أفتأذن؟.
وأخرج ابن سعد على علي بن زيد بن جدعان قال: أخرج الحسن من ماله لله مرتين وقاسم الله ماله ثلاث مرات حتى إنه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفًا ويمسك خفًا.
[ ١٩٠ ]
وأخرج ابن سعد عن علي بن الحسين: قال كان الحسن مطلاقًا للنساء وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وأحصن تسعين امرأة.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال علي يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق فقال رجل من همدان والله لنزوجنه فما رضي أمسك وما كره طلق.
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن حسن قال: كان حسن رجلا كثير نكاح النساء وكن قلمًا يحظين عنده وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وصبت إليه (^١).
وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن بكى مروان في جنازته فقال له الحسين أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه فقال إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا وأشار بيده إلى الجبل.
وأخرج ابن عساكر عن المبرد قال: قيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة فقال رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل عل حسن اختيار الله لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.
ولي الحسن ﵁ الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة فأقام فيها ستة أشهر وأيامًا ثم سار إليه معاوية والأمر إلى الله فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة من بعده وعلى أن لا يطالب أحدًا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وعلى أن يقضي
_________________
(١) صبت إليه: مالت
[ ١٩١ ]
عنه ديونه فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك فظهرت المعجزة النبوية في قوله ﷺ " يصلح الله به بين فئتين من المسلمين " ونزل له عن الخلافة وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة التي هي أعظم المناصب على جواز النزول عن الوظائف وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين في شهر ربيع الأول وقيل الآخر وقيل في جمادى الأولى فكان أصحابه يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار وقال له رجل السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك.
ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها.
وأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد ﷺ ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز (^١).
توفي الحسن ﵁ بالمدينة مسمومًا سمته زوجته جعدة بنت الأشعث ابن قيس دس إليه يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها ففعلت فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها فقال: إنا لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا وكانت وفاته سنة تسع وأربعين وقيل في خامس ربيع الأول سنة خمسين وقيل: سنة إحدى وخمسين وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه فلم يخبره وقال الله أشد نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله بريء.
وأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال: رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوبًا " قل هو الله أحد " فاستبشر به أهل بيته فقصوها على سعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياه فقل ما بقي من أجله فما بقي إلا أيام حتى مات.
_________________
(١) فى الأصول «ثم ابتزها باتئاس أهل الحجاز» ولا معنى له.
[ ١٩٢ ]
وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه قال: أضاق (^١) الحسن بن علي وكان عطاؤه في كل سنة مائة ألف فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين فأضاق إضاقة شديدة قال فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي ثم أمسكت فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال كيف أنت يا حسن؟ فقلت بخير يا أبت وشكوت إليه تأخر المال عني فقال أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك؟ فقلت نعم يا رسول الله فكيف أصنع فقال قل اللهم اقذف في قلبي رجاءك وأقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدًا غيرك اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر عنه عملي ولم تنته إلهي رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدًا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين قال فوالله ما ألححت به أسبوعًا حتى بعث إلى معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف فقلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال يا حسن كيف أنت؟ فقلت بخير يا رسول الله وحدثته بحديثي فقال يا بني هكذا من رجا الخالق ولم يرج المخلوق.
وفي الطيوريات عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال لما حضرت الحسن الوفاة جزع فقال له الحسين يا أخي ما هذا الجزع إنك ترد على رسول الله ﷺ وعلى علي وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن أي أخي إني داخل في أمر من أمر الله تعالى لم أدخل في مثله وأرى خلقًا من خلق الله لم أر مثله قط.
قال ابن عبد البر وروينا من وجوه أنه لما احتضر قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر ثم استشرف لها
_________________
(١) أضاق: نزلت به ضائقة مالية = أعسر، وأملق.
[ ١٩٣ ]