سليمان بن عبد الملك أبو أيوب كان من خيار ملوك بني أمية.
ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين روى قليلا عن أبيه وعبد الرحمن بن هبيرة روى عنه ابن عبد الواحد والزهري وكان فصيحًا مفوهًا مؤثرًا للعدل محبًا للغزو ومولده سنة ستين.
ومن محاسنه أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير فكان يمتثل
_________________
(١) فى المطبوعتين «عاش الجهاد فى أيامه» وعبارة الذهبي (٤/ ٦٧): «وكان الوليد جبارا ظالما، لكنه أقام الجهاد فى أيامه، وفتحت فى خلافته فتوحات عظيمة كما ذكرنا».
[ ٢٢٥ ]
أوامره في الخير فعزل عمال الحجاج وأخرج من كان في سجن العراق وأحيا الصلاة لأول مواقيتها وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير.
قال ابن سيرين: يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.
وكان سليمان ينهى عن الغناء وكان من الأكلة المذكورين أكل في مجلس سبعين رمانة وخروفًا وست دجاجات ومكوك زبيب طائفي.
قال يحيى الغساني: نظر سليمان في المرآة فأعجبه شبابه وجماله فقال كان محمد ﷺ نبيًا وكان أبو بكر صديقًا وكان عمر فاروقًا وكان عثمان حييًا وكان معاوية حليمًا وكان يزيد صبورًا وكان عبد الملك سائسًا وكان الوليد جبارًا وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات.
وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين وفتح في أيامه حرجان وحصن الحديد وسردانية وشقى (^١) وطبرستان ومدينة السقالبة.
مات في أيامه من الأعلام قيس بن أبي حازم ومحمود بن لبيد والحسن بن الحسين ابن علي وكريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن الأسود النخعي وآخرون.
قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازيًا بدابق فلما مرض قال لرجاء بن حيوة من لهذا الأمر بعدي استخلف ابني قال ابنك غائب قال فابني الآخر قال صغير قال فمن ترى قال أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز قال أتخوف أخوتي لا يرضون قال تولى عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك وتكتب كتابًا وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختومًا قال لقد رأيت فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد ودفعه إلى
_________________
(١) فى المطبوعتين «وشردا وشقا» وفى تاريخ الإسلام للذهبي «غزا مسلمة ابن عبد الملك حسن ابن عوف، وافتتح حصن الحديد، وسردانية، وشتى بيلاد الروم» وشقى: بلد بارمينية، وايس بين يدي نص على أنها فتحت فى عهد سليمان وكلمة الذهبي بمعنى أنه قضى فصل الشتاء يبلاد الروم
[ ٢٢٦ ]
رجاء وقال أخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختومًا فخرج فقال إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب قالوا ومن فيه قال هو مختوم لا تخبروا بمن فيه حتى يموت قالوا لا نبايع فرجع إليه فأخبره فقال انطلق إلى صاحب الشرط والحرس فأجمع الناس ومرهم بالبيعة فمن أبى فاضرب عنقه فبايعوا.
قال رجاء فبينما أنا راجع إذا هشام فقال لي يا رجاء قد علمت موقعك منا وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئًا ما أدري ما هو وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني فإن يكن قد عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر فقلت سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمرًا أطلعك عليه؟ لا يكون ذلك أبدا ثم لقيت عمر بن عبد العزيز فقال لي يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل أتخوف أن يكون قد جعلها إلي ولست أقوم بهذا الشأن فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حيًا قلت: سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمرًا أطلعك عليه ثم مات سليمان وفتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز فتغيرت وجوه بني عبد الملك فلما سمعوا وبعده يزيد بن عبد الملك تراجعوا فأتوا عمر فسلموا عليه بالخلافة فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه فجلس طويلا لا يتكلم فقال لهم رجاء ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه فبايعوه ومد يده إليهم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أني لست بفارض (^١) ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم وإن هم أبوا فلست لكم بوال ثم نزل فأتاه صاحب المراكب فقال ما هذا قال مركب الخليفة قال لا حاجة لي فيه
_________________
(١) فى المطبوعتين «لست بقاض» تحريف ما أثبتناه وانظر ص ٢٣١.
[ ٢٢٧ ]
ائتوني بدابتي فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار.
قال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى.
يروى أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام فقال له يا سليمان يا ابن اللخناء ففتح مروان فاه ليجيبه فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه وقال أنشدك الله إمامك وأخوك وله السن فسكت وقال قتلتني والله لقد زدت في جوفي أحر من النار فما أمسى حتى مات.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن زياد بن عثمان أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.