أخرج الترمذي عن ابن عمر " أن النبي ﷺ قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام " وأخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس ﵃.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس " أن النبي ﷺ قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة " وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان.
وأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ
[ ١٠٩ ]
فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش فقرأ " إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون " الآيات فوقع في قلبي الإسلام كل موقع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال كان أول إسلام عمر أن عمر قال ضرب أختي المخاض (^١) ليلا فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة فجاء النبي ﷺ فدخل الحجر وعليه بتان (^٢) وصلى لله ما شاء الله ثم انصرف فسمعت شيئًا لم أسمع مثله فخرج فاتبعته فقال من هذا فقلت عمر فقال يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارًا فخشيت أن يدعو علي فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: يا عمر أسرة قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.
وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس ﵁ قال: خرج عمر متقلدًا سيفه فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدًا قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ فقال: ما أراك إلا قد صبأت قال أفلا أدلك على العجب إن ختنك (^٣) وأختك قد صبئا وتركا دينك فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع بحس عمر توارى في البيت فدخل فقال ما هذه الهيمنة (^٤) وكانوا يقرءون طه قالا ما عدا حديثًا تحدثناه بينا قال فلعلكما قد صبأتما فقال له ختنه يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عليه عمر فوطئه وطأ شديدًا فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها فقالت وهي غضبى: وإن كان الحق في غير دينك إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم
_________________
(١) المخاض: ألم الولادة.
(٢) البت: كساء من صوف غليظ.
(٣) ختنه: زوج أخته.
(٤) الهينمة: الصوت الخفى.
[ ١١٠ ]
فأقرأه وكان عمر يقرأ الكتاب فقالت أخته: إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " " فقال عمر دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام " وكان رسول الله ﷺ في أصل الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيرًا يسلم وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينًا قال والنبي ﷺ داخل يوحى إليه فخرج حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله.
وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال عجبًا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك وقد دخل عليك الأمر في بيتك قلت وما ذاك قال أختك قد أسلمت فوجعت مغضبًا حتى قرعت الباب قيل من هذا قلت عمر فتبادروا فاختفوا مني وقد كانوا يقرؤن صحيفة بين أيديهم تركوها ونسوها فقامت أختي تفتح الباب فقلت يا عدوة نفسها أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها فسال الدم وبكت فقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد صبأت قال: ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة فقلت: ما هذا؟ ناولينيها قالت لست من أهلها
[ ١١١ ]
إنك لا تطهر من الجنابة وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون فما زلت بها حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فهيا: بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه فألقيت الصحيفة ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها " سبح لله ما في السموات والأرض " فذعرت فقرأت إلى " آمنوا بالله ورسوله " فقلت أشهد أن لا إله إلا الله فخرجوا إلي مبادرين وكبروا وقالوا: أبشر فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال " اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك إما أبو جهل بن هشام وإما عمر " ودلوني على النبي ﷺ في بيت بأسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا من قلت ابن الخطاب وقد علموا شدتي على رسول الله ﷺ فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال ﷺ: افتحوا له ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي ﷺ فقال: خلوا عنه ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده فتشهدت فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء فجئت إلى خالي أبي جهل بن هشام وكان شريفًا فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت ابن الخطاب وقد صبأت فقال: لا تفعل ثم دخل وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته فخرج إلى فقلت له مثل مقالتي لخالي وقلل لي مثل ما قال خالي فدخل وأخاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب فقال لي رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم قال: فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانًا لرجل لم يكن يكتم السر فقل له فيما بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه إني قد صبأت قال أو قد فعلت؟ قلت: نعم فنادى بأعلى صوته إن
[ ١١٢ ]
ابن الخطاب قد صبأ (^١) فبادروا إلي فما زلت أضر بهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل عمر قد صبأ فقام علي الحجر فأشار بكمه إلا أني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني فكنت لا أشاء أن أرى أحدًا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فأتيت خالي فقلت جوارك رد عليك فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: سألت عمر ﵁: لأي شيء سميت الفاروق فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام فخرجت إلى المسجد فأسرع أبو جهل إلى النبي ﷺ يسبه فأخبر حمزة فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل فنظر إليه فعرف أبو جهل الشر في وجهه فقال: مالك يا أبا عمارة فرفع القوس فضرب بها أخدعه فقطعه فسالت الدماء فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر قال: ورسول الله ﷺ مختف في دار الأرقم المخزومي فانطلق حمزة فأسلم فخرجت بعده بثلاثة أيام فإذا فلان ابن فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ فقال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقًا مني قلت ومن هو قال أختك وختنك فانطلقت فوجدت الباب مغلقًا وسمعت همهمة ففتح لي الباب فدخلت فقلت: ما هذا الذي أسمع عندكم قالوا ما سمعت شيئًا فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته ضربة فأدميته فقامت إلى أختي فأخذت برأسي وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك فاستحييت حين رأيت الدماء
_________________
(١) صبأ فلان: خرج من دين إلى دين.
[ ١١٣ ]
فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب فقالت: أختي إنه لا يمسه إلا المطهرون فإن كنت صادقا فقم واغتسل فقمت فاغتسلت وجئت فجلست فأخرجوا إلى صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم فقلت أسماء طيبة طاهرة " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " إلى قوله " له الأسماء الحسنى " قال: فتعظمت في صدري وقلت: من هذا فرت قريش فأسلمت وقلت أين رسول الله ﷺ؟ قالت: فإنه في دار الأرقم فأتيت الدار فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة مالكم قالوا عمر قال: وإن كان عمر افتحوا له الباب فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج فتشهد عمر فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة قلت يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى قلت: ففيم الإخفاء؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذ لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل.
وأخرج ابن سعد عن ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي ﷺ.
وأخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: لما أسلم عمر نزل جبري فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄ قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا وأنزل الله " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ".
وأخرج البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
[ ١١٤ ]
وأخرج ابن سعد والطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: كان إسلام عمر فتحًا وكانت هجرته نصرًا وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا.
وأخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة قال: لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربًا فلما قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدًا.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب إسناده صحيح حسن.
وأخرج ابن سعد عن صهيب قال: لما أسلم عمر ﵁ أظهر الإسلام ودعا إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقًا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
وأخرج ابن سعد عن أسلم مولى عمر قال: أسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة.