أخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال: لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي فراودها عن نفسها فقالت: لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي فشغف بها فأرسل إلى أبي يوسف فسأله أعندك في هذا شيء فقال يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئًا ينبغي أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك: لم أدر ممن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها قال اهتك حرمة أبيك وقض شهوتك وصيره في رقبتي.
واخرج أيضًا عن عبد الله بن يوسف قال: قال الرشيد لأبي يوسف: إني اشتريت جارية وأريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة قال نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها.
وأخرج عن إسحاق بن راهوية قال: دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه بأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها
[ ٢٩١ ]
قبل الصبح فقال: عجلوها فقال بعض من عنده إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة فقال أبو يوسف: فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت.
وأسند الصولي: عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيرًا وكان رأى النبي ﵌ في النوم فقال له: إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.
واسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال: أول شعر قاله الرشيد انه حج سنة ولي الخلافة فدخل دارًا فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط:
ألا يا أمير المؤمنين أما ترى … فديتك هجران الحبيب كبيرا
فدعا بدواة وكتب تحته بخطه:
بلى والهدايا المشعرات وما مشى … بمكة مرفوع الأظل حسيرا
واخرج عن سعيد بن مسلم قال: كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العماني في صفة فرس:
كأن أذنيه إذا تشوفا … قادمة أو قلمًا محرفا
فقال الرشيد: دع كأن وقل تخال إذنيه حتى يستوي الشعر.
وأخرج عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: حلف الرشيد أن لا يدخل إلى جارية له أيامًا وكان يحبها فمضت الأيام ولم تسترضيه فقال:
صد عني إذ رآني مفتتن … وأطال الصبر لما أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكي … إن هذا من أعاجيب الزمن
[ ٢٩٢ ]
ثم أحضر أبا العتاهية فقال أجزهما فقال:
عزة الحب أرته ذلتي … في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكًا له … ولهذا شاع ما بي وعلن
واخرج ابن عساكر عن ابن علية قال: اخذ هارون الرشيد زنديقًا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله ﵌ كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفًا حرفًا.؟
وأخرج الصولي عن إسحاق الهاشمي قال كنا عند الرشيد فقال: بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب ووالله ما أحب أحدًا حبي له ولكن هؤلاء أشد الناس بغضًا لنا وطعنًا علينا وسعيًا في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل والسابقون إلى الفضل ولقد حدثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه عن ابن عباس أنه سمع النبي ﵌ يقول في الحسن والحسين " من احبهما فقد احبني ومن أبغضهما فقد ابغضني " وسمعه يقول " فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران وآسية بنة مزاحم ".
روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يومًا فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها قال: بجميع ملكي قال إن ملكًا قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدًا.
[ ٢٩٣ ]
وقال ابن الجوزي: قال الرشيد لشيبان: غطني قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال: من يقول لك: أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم ﷺ فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
وفي كتاب الأوراق للصولي بسنده لما ولي الرشيد الخلافة استوزر يحيى ابن خالد قال إبراهيم الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة … فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جمالا بملكه … فهارون واليها ويحيى وزيرها
فأعطاه مائة ألف درهم وأعطاه يحيى خمسين ألفًا.
ولداود بن رزين الواسطي فيه:
بهارون لاح النور في كل بلدة … وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات الله أصبح شغله … فأكثر ما يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الخلق عن نور وجهه … إذا ما بدا للناس منظره البلج
تفسحت الآمال في جود كفه … فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو
وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن الملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رجل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك ﵀ قال وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر ابن عوف ولا أعلم لهما ثالثًا.
ولمنصور النمري فيه:
جعل القرآن إمامه ودليله … لما تخيره القرآن ذماما
وله فيه قصيدة:
إن المكارم والمعروف أودية … أحلك الله منها حيث تجتمع
[ ٢٩٤ ]
ويقال: إنه أجازه عليها بمائة ألف.
وقال الحسين بن فهم: كان الرشيد يقول: من أحب ما مدحت به إلي:
أبو أمين ومأمون ومؤتمن … أكرم به والدًا برًا وما ولدا
وقال إسحاق الموصلي دخلت على الرشيد فأنشدته:
وآمره بالبخل قلت لها اقصري … فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى … بخيلا له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله … فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته … إذا نال شيئًا أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرمًا … ومالي كما تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى … ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال: لا كيف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم لله در أبيات يأتينا بها ما أجود أصولها وأحسن فصولها فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى.
وفي الطيوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال: قال أبو العتاهية لأبى النواس البيت الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه:
قد كنت خفتك ثم أمنني … من أن أخافك خوفك الله
وقال محمد بن على الخرساني: الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس.
وقال الصولي هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات.
ومن شعر الرشيد يرثى جاريته هيلانة أورده الصولي:
قاسيت أوجاعًا وأحزانا … لما استخص الموت هيلانا
فارقت عيشي حين فارقتها … فما أبالي كيف ما كانا
كانت هي الدنيا فلما ثوت … في قبرها فارقت دنيانا
[ ٢٩٥ ]
قد كثر الناس ولكنني … لست أرى بعدك إنسانا
والله لا أنساك ما حركت … ريح بأعلى نجد أغصانا
وله أيضًا أنشده الصولي:
يا ربة المنزل بالفرك … وربة السلطان والملك
ترفقي بالله في قتلنا … لسنا من الدليم والترك
مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه صالح.
قال الصولي: خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
وقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم أن يفصل أعضاءه فقال أنظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية فمات ذلك اليوم وقيل إن الرشيد رأى منامًا أنه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لي قبرًا فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قومًا فنزلوا فختموا فيه ختمة وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لولده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم وسار على البريد في اثني عشر يومًا من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين ولأبي الشيص يرثي الرشيد:
غربت في الشرق شمس … فلها عيني تدمع
ما رأينا قط شمسًا … غربت من حيث تطلع
وقال أبو النواس جامع بين العزاء والهناء:
جرت جوار بالسعد والنحس … فنحن في مأتم وفي عرس
[ ٢٩٦ ]
القلب يبكي والعين ضاحكة … فنحن في وحشة وفي أنس
يضحكنا القائم الأمين … ويبكينا وفاة الإمام بالأمس
بدران بدر أضحى ببغداد في الخلد … وبدر بطوس في الرمس
ومما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي: حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ " اتقوا الله ولو بشق تمرة " حدثني محمد بن علي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال قال النبي ﷺ " نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن ".