الرشيد هارون (^١) أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة.
قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد اللّه المأمون، ولم يكن في سائر
_________________
(١) هارون (الرشيد) بن محمد (المهدي) بن المنصور العباسي، أبو جعفر: خامس خلفاء بني العباس في العراق وأشهرهم. ولد بالريّ في عام ١٤٩ هـ لما كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان. نشأ في دار الخلافة ببغداد وولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية، فصالحته الملكة إيرين IRE؟ NE وافتدت منه مملكتها بسبعين ألف دينار ترسل كل عام إلى خزينة الخليفة. بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي عام ١٧٠ هـ، فقام بأعباء الخلافة وازدهرت الدولة في أيامه. وكان الرشيد عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه، فصيحا، له شعر. وهو صاحب وقعة البرامكة وهم من أصل فارسي، وكانوا قد استولوا على شؤون الدولة، فقلق من تحكمهم وأوقع بهم في ليلة واحدة. وكانت ولايته ٢٣ سنة وشهرين وأياما. توفي في سناباذ من قرى طوس عام ١٩٣ هـ، وبها قبره. راجع في ترجمته: تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١٣٩ والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٢١٣ والذهب المسبوك ص ٤٧ والكامل في التاريخ ج ٦ ص ٦٩ ومختصر تاريخ العرب لسيد أمير علي ص ٢٠٤ وتاريخ بغداد ج ١٤ ص ٥ وتراجم إسلامية ص ١١ والخليفة هارون الرشيد لبالمر Palmer بالإنكليزية، وتاريخ الطبري ج ١٠ ص ٤٧ و١١٠ وثمار القلوب ص ٨٨ والمسعودي ج ٢ ص ٢٠٧ والنبراس ص ٣٦ والديارات ص ١٤٤ وفيه: مولده أول سنة ١٤٨ هـ. وبلغة الظرفاء ص ٤٩ وفيه: «ساء تدبيره بعد قبضه على البرامكة» وهارون الرشيد لفلبي، ترجمة السرنجاوي، وتاريخ الخميس ج ٢ ص ٣٣١ والمرزباني ص ٤٨٤ وابن كثير ج ١٠ ص ٢٠٣ وكتب التاريخ والسير المختلفة ودائرة المعارف الإسلامية باللغة الإنكليزية.
[ ٣٠٢ ]
الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة، وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر، حدث عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة، وروى عنه ابنه المأمون وغيره، وكان من أميز الخلفاء وأجلّ ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحج، كما قال فيه أبو المعالي الكلابي:
فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدوّ على طمرّ … وفي أرض التّرفّه فوق كور
مولده بالرّي - حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان - في سنة ثمان وأربعين ومائة.
وأمه أم ولد، تسمى الخيزران، وهي أم الهادي؛ وفيها يقول مروان بن أبي حفصة:
يا خيزران هناك ثم هناك … أمسى يسوس العالمين ابناك
وكان أبيض، طويلا، جميلا، مليحا، فصيحا، له نظر في العلم والأدب.
وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص.
وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربنّ عنقه (^١).
وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيما إذا وعظ. وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة، وله شعر.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ، فبالغ في احترامه، فقال له ابن
_________________
(١) قد ظهر أمر بشر هذا واستشرى شره في عهد المأمون بن الرشيد، وظاهره المأمون ولم يضرب عنقه.
[ ٣٠٣ ]
السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك؛ ثم وعظه فأبكاه.
وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.
قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمرّ هارون، فقال فضيل:
الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما.
قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي ﵌ بين يدي الرشيد إلا قال: صلّى اللّه على سيدي، وحدثته بحديثه ﵌ «وودت أني أقاتل في سبيل اللّه فأقتل، ثم أحيى فأقتل» فبكى حتى انتحب.
وحدّثته يوما حديث «احتج آدم وموسى» وعنده رجل من وجوه قريش؛ فقال القرشي: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النطع والسيف، زنديق يطعن في حديث النبي ﵌.
قال أبو معاوية: فما زلت أسكنه، وأقول: يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة، حتى سكن.
وعن أبي معاوية أيضا قال: أكلت مع الرشيد يوما، ثم صبّ على يدي رجل لا أعرفه؛ ثم قال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا؛ قال: أنا إجلالا للعلم.
وقال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة:
الفضيل بن عياض، والرشيد، وآخر.
وقال عبيد اللّه القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه، أنت المسؤول عن هذه الأمة؛ حدثنا ليث عن مجاهد (وتقطّعت بهم الأسباب) (^١): قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا، فجعل هارون يبكي ويشهق.
ومن محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.
_________________
(١) الأسباب، جمع سبب، وأصله الحبل.
[ ٣٠٤ ]
قال نفطويه: كان الرشيد يقتفي (^١) آثار جده أبي جعفر، إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه: أعطى مرّة سفيان بن عيينة مائة ألف، وأجاز إسحاق الموصلي مرّة بمائتي ألف، وأجاز مروان بن أبي حفصة مرّة على قصيدة خمسة آلاف دينار، وخلعة، وفرسا من مراكبه، وعشرة من رقيق الروم.
وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا! قلت: واللّه يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك، فسكت، فلما تفرق الناس قال: ما لاقتني؟ قلت:
كفاك كف ما تليق درهما … جودا وأخرى تعطي بالسيف الدما
فقال: أحسنت، وهكذا فكن، وقّرنا في الملا، وعلمنا في الخلا، وأمر لي بخمسة آلاف دينار.
وفي مروج المسعودي قال: رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما؛ فقال له يحيى بن خالد البركي: كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام، وتدخل مراكبهم إلى الحجاز، فتركه.
وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف ﵀، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عمّ أبيه؛ وحاجبه الفضل بن الربيع، أنبه الناس وأعظمهم، ومغنيه، إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة.
وقال غيره: كانت أيام الرشيد كلها خيرا كأنها من حسنها أعراس.
وقال الذهبي: أخبار الرشيد يطول شرحها، ومحاسنه جمة؛ وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء، سامحه اللّه!
مات في أيامه من الأعلام: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والقاسم بن معن، ومسلم بن خالد الزنجي، ونوح الجامع، والحافظ أبو عوانة اليشكري، وإبراهيم بن سعد الزهري، وأبو إسحاق
_________________
(١) يقتفي: يتبع.
[ ٣٠٥ ]
الفزاري، وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي، وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة، وإسماعيل بن عياش، وبشر بن المفضل، وجرير بن عبد الحميد، وزياد البكّائي، وسليم المقرئ صاحب حمزة، وسيبويه إمام العربية، وضيغم الزاهد، وعبد اللّه العمري الزاهد، وعبد اللّه بن المبارك، وعبد اللّه بن إدريس الكوفي، وعبد العزيز بن أبي حازم، والدراوردي، والكسائي شيخ القرّاء والنحاة، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة؛ كلاهما في يوم، وعليّ بن مسهر، وغنجار، وعيسى بن يونس السبيعي، والفضيل بن عياض، وابن السماك الواعظ، ومروان بن أبي حفصة الشاعر، والمعافي بن عمران الموصلي، ومعتمر بن سليمان، والمفضل بن فضالة قاضي مصر، وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، ويزيد بن زريع، ويونس بن حبيب النحوي، ويعقوب بن عبد الرحمن؛ قارئ المدينة، وصعصعة بن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك، وعبد الرحمن بن القاسم أكبر أصحاب مالك، والعباس بن الأحنف الشاعر المشهور، وأبو بكر بن عياش المقرئ، ويوسف بن الماجشون، وخلائق آخرون كبار.
ومن الحوادث في أيامه: في سنة خمس وسبعين افترى عبد اللّه بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد اللّه بن حسن العلوي أنه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد، فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده؛ وقال: قل: اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي وقوّتي واسحتني بعذاب من عندك، آمين رب العالمين، فتلجلج الزبيري وقالها، ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما، فمات الزبيري ليومه.
وفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة (^١) على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي.
وفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرشيد في رمضان، ودام على إحرامه إلى أن حجّ، ومشى من مكة إلى عرفات.
_________________
(١) الذي في تاريخ الطبري (٦١/ ١٠) «وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بن عبد الملك فافتتح حصنا» وفيه (٩٨/ ١٠) «وفي سنة ١٩٠ افتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسة» وفي ابن الأثير (٧٠/ ٦) دلسة.
[ ٣٠٦ ]
وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى، سقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة، وهو الفاتح له.
وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية، فأوقعوا بأهل الإسلام، وسفكوا، وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة، وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله.
وفي سنة سبع وثمانين أتاه كتاب من ملك الروم «نقفور» بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة «ريني» ملكة الروم.
وصورة الكتاب: من «نقفور» ملك الروم، إلى «هارون» ملك العرب:
أما بعد؛ فإن الملكة التي كانت قبلي كانت أقامتك مقام الرخّ وأقامت نفسها مقام البيذق، فحملت إليك من أموالها أحمالا، وذلك لضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه من الخوف، واستعجم الرأي (^١) على الوزير، فدعا الرشيد بدواة، وكتب على ظهر كتابه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه، لا ما تسمعه». ثم سار ليومه، فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل، وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا، فطلب نقفور الموادعة، والتزم بخراج يحمله كل سنة، فأجيب. فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كرّة الرشيد في البرد، فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرشيد نقضه، بل قال عبد اللّه بن يوسف التيمي (^٢):
نقض الذي أعطيته نقفور … فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه … غنم أتاك به الإله كبير
وقال أبو العتاهية أبياتا، وعرضت على الرشيد، فقال: أوقد فعلها؟ فكرّ
_________________
(١) استعجم الرأي: استبهم ولم يتبين وجهه.
(٢) في ابن الأثير (١٨٤/ ٦): «فاحتيل بشاعر من أهل جنده، وهو أبو محمد عبد اللّه بن يوسف، وقيل: هو الحجاج بن يوسف التيمي، فقال أبياتا منها - وذكر البيتين وثالثا» ومثله في الطبري (٩٢/ ١٠) وهو الأصل.
[ ٣٠٧ ]
راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى بلغ مراده، وحاز جهاده.
وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخراب … من الملك الموفق للصواب
غدا هارون يرعد بالمنايا … ويبرق بالمذكرة القضاب
ورايات يحل النصر فيها … تمر كأنها قطع السحاب
وفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم.
وفي سنة تسعين فتح هرقلة، وبثّ جيوشه بأرض الروم، فافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة، وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية (^١)؛ وسار حميد بن معيوف إلى قبرس، فهدم وحرق، وسبى من أهلها ستة عشر ألفا.
وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان، فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها؛ فقلت: بل يردك اللّه سالما؛ ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد، فقلت: لا واللّه، فقال: تعال حتى أريك، وانحرف عن الطريق، وأومأ إلى الخواص فتنحوا، ثم قال: أمانة اللّه يا صباح أن تكتم عليّ، وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالى بطنه، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولديّ عليّ رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، ونسيت الثالث، ما منهم أحد إلا ويحصي أنفاسي ويعدّ أيامي ويستطيل دهري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون، فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي، ثم دعا ببرذون فجاؤوا به كما وصف، فنظر إليّ ثم ركبه وودعني وسار إلى جرجان، ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس، فلم يزل بها إلى أن مات.
وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين، ولقبه الأمين، وله يومئذ خمس سنين؛ لحرص أمه زبيدة على ذلك، قال الذهبي: فكان
_________________
(١) كذا في الطبري (٩٨/ ١٠) وفي ابن الأثير (١٩٦/ ٦) مقلونية، ولعلها مقدونية، وكل هذا تحريف.
[ ٣٠٨ ]
هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة؛ ثم بايع لابنه عبد اللّه من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين، ولقبه المأمون، وولاه ممالك خراسان بأسرها؛ ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين، ولقبه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي، فلما قسّم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء:
لقد ألقى بأسهم بينهم، وغائلة ذلك تضر بالرعية، وقالت الشعراء في البيعة المدائح، ثم إنه علّق نسخة البيعة في البيت العتيق، وفي ذلك يقول إبراهيم الموصلي (^١):
خير الأمور مغبة … وأحق أمر بالتمام
أمر قضى أحكامه ال … رحمن في البيت الحرام
وقال عبد الملك بن صالح (^٢) في ذلك:
حب الخليفة حب لا يدين له … عاصي الإله وشار يلقح الفتنا
اللّه قلّد هارونا سياسته … لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا
وقلد الأرض هارون لرأفته … بنا أمينا ومأمونا ومؤتمنا
قال بعضهم: وقد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أميا، فساقها اللّه إليه، وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته، ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة، وقال سلم الخاسر في العهد للأمين:
_________________
(١) إبراهيم بن ماهان (أو ميمون) بن بهمن الموصلي التميمي بالولاء، أبو إسحاق النديم: أوحد زمانه في الغناء واختراع الألحان، شاعر من ندماء الخلفاء، فارسي الأصل، ولد عام ١٢٥ هـ، عندما انتقل والده إلى الكوفة. ومات والده فكفله بنو تميم وربوه فنسب إليهم. رحل إلى الموصل فأقام سنة يتعلم الضرب بالعود فنسب إليها أيضا. وأجاد الغناء بالعربية والفارسية، وكانت له عند الخلفاء منزلة وأول من سمعه منهم المهدي، ثم حبسه لشربه النبيذ، ولما ولي موسى أنعم عليه وكذلك الرشيد واستصحبه معه إلى الشام، ثم مرض ومات في بغداد عام ١٨٨ هـ. كان ينظم الأبيات ويلحنها ويغنيها.
(٢) عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس: أمير من بني العباس. ولاه الهادي إمرة الموصل عام ١٦٩ هـ. وعزله الرشيد عام ١٧١ هـ. ثم ولاه المدينة والصوائف، وولاه مصر مدة قصيرة فلم يذهب إليها. وبلغه أنه يطلب الخلافة فحبسه ببغداد عام ١٨٧ هـ. ولما مات الرشيد أطلقه الأمين وولاه الشام والجزيرة عام ١٩٣ هـ فأقام بالرقة أميرا إلى أن مات عام ١٩٦ هـ. كان من أفصح الناس وأخطبهم.
[ ٣٠٩ ]
قل للمنازل بالكثيب الأعفر … أسقيت غادية السحاب الممطر
قد بايع الثقلان مهديّ الهدى … لمحمد بن زبيدة ابنه جعفر
قد وفق اللّه الخليفة إذ بنى … بيت الخلافة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده … شهدا عليه بمنظر وبمخبر
فحشت زبيدة فاه جوهرا باعه بعشرين ألف دينار.