الوليد بن يزيد (^١) بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الخليفة الفاسق، أبو العباس.
ولد سنة تسعين، فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي، فعقد لأخيه هشام، وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام، فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وكان فاسقا، شريبا للخمر، منتهكا حرمات اللّه، أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة، فمقته الناس لفسقه، وخرجوا عليه، فقتل في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين [ومائة].
_________________
(١) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبو العباس: من ملوك الدولة الأموية المروانية بالشام. كان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم. يعاب بالانهماك في اللهو وسماع الغناء، ولد في دمشق عام ٨٨ هـ، وولي الخلافة سنة ١٢٥ هـ بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك، فمكث سنة وثلاثة أشهر، ونقم عليه الناس حبّه اللهو، فبايعوا سرّا ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، فنادى بخلع الوليد - وكان غائبا في الأغدف من نواحي عمّان بشرقي الأردن - فجاءه النبأ، فانصرف إلى البخراء، فقصده جمع من أصحاب يزيد فقتلوه في قصر النعمان بن بشير، وكان الذي باشر قتله عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وحمل رأسه إلى دمشق فنصب في الجامع، ولم يزل أثر دمه على الجدار إلى أن قدم المأمون دمشق عام ٢١٥ هـ فأمر بحكه. وكانت وفاة الوليد عام ١٢٦ هـ. راجع في ترجمته: الكامل في التاريخ ج ٥ ص ١٠٣ وتاريخ الطبري ج ٨ ص ٦٥ و٢٨٨ وج ٩ ص ٢ وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٧١ وخزانة الأدب للبغدادي ج ١ ص ٣٢٨ وتاريخ الإسلام للذهبي ج ٥ ص ١٧٣ والوزراء والكتّاب ص ٦٨ وأمالي المرتضى تحقيق أبي الفضل ج ١ ص ١٢٨ وتاريخ الخميس ج ٢ ص ٣٢٠ ووصفه بالزنديق المتهتك، وإنه «كان من أجمل الناس وأقرئهم وأجودهم شعرا» وعنوان المعارف ص ١٨ والمسعودي طبعة مصر ج ٢ ص ١٤٥ وبلغة الظرفاء ص ٢٧.
[ ٢٦٤ ]
وعنه أنه لما حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا، لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم اللّه، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر اللّه.
ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد، فقال: بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر، ماجنا، فاسقا، ولقد راودني على نفسي.
وقال المعافى الجريري: جمعت شيئا من أخبار الوليد، ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته، وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر باللّه.
وقال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك.
وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل: كان زنديقا، فقال المهدي: مه، خلافة اللّه عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.
وقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل الناس، وأشدهم وأشعرهم.
وقال أبو الزناد: كان الزهري يقدح أبدا عند هشام في الوليد ويعيبه، ويقول: ما يحل لك إلا خلعه، فما يستطيع هشام، ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به.
وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده، فقال الوليد:
كفرت يدا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن بالفضل والمن (^١)
رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة … فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
_________________
(١) في الكامل في التاريخ لابن الأثير «ذو الفضل والمن». وانظر ديوانه ص ٦٨، وقد ورد فيه البيت الرابع أولا.
[ ٢٦٥ ]
كأني بهم يوما وأكثر قيلهم … ألا ليت أنا حين يا ليت لا تغني
وقال حماد الراوية: كنت يوما عند الوليد، فدخل عليه منجمان فقالا:
نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين، قال حماد: فأردت أن أخدعه، فقلت: كذبا ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم، وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة، فأطرق ثم قال: لا ما قالا يكسرني، ولا ما قلت يغرني، واللّه لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد.
وقد ورد في مسند أحمد حديث: «ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه».
وقال ابن فضل اللّه في المسالك: الوليد بن يزيد، الجبار العنيد، لقبا ما عداه، ولقما سلكه فما هداه، فرعون ذلك العصر الذاهب، والدهر المملوء بالمعائب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، وبئس الورد المورود، والمورد المردي في ذلك الموقف المشهود، رشق المصحف بالسهام، وفسق ولم يخف الآثام.
وأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميّادة (^١) الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه:
فضلتم قريشا، غير آل محمد … وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد، فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك، وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضا من قصيدة طويلة:
هممت بقول صادق أن أقوله … وإني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله
_________________
(١) الرمّاح بن أبرد بن ثوبان الذبياني الغطفاني المضري، أبو شرحبيل، ويقال أبو حرملة المعروف بابن ميّادة: شاعر رقيق هجاء من مخضرمي الأموية والعباسية. مدح الوليد بن يزيد، وكان مقامه في نجد. اشتهر بنسبته إلى أمه ميّادة. توفي نحو ١٤٩ هـ.
[ ٢٦٦ ]