طبقات أهل الخط المنسوب، وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية. وهذه تجمع غالب أعيان الأمة، واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القرّاء بطبقات الذهبي، وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم، ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم، فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين.
ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين (^١) لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور:
منها: أنهم غير قرشيين، وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلاّ فجدهم مجوسي، قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، وكان أبوه يهوديا حدادا نشابة. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القدّاح جد عبيد اللّه الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيا، ودخل عبيد اللّه المغرب، وادعى
_________________
(١) نسبة إلى عبيد اللّه بن محمد الحبيب بن جعفر المصدّق بن محمد المكتوم، الفاطمي العلوي، الشهير بالمهدي، مؤسس الدولة العبيدية بالمغرب وجد العبيديين الفاطميين أصحاب مصر. في نسبه جدل وخلاف طويل. ولد بسلمية (بسورية) وقيل بالكوفة (بالعراق) سنة ٢٥٩ هـ. وكان أبوه قد أرسل الدعاة وأعظمهم ابو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد، المعروف بالشيعي، فمهد له بيعة المغرب بعد أن دعا قبائل كتامة إلى بيعته وبشرهم بأنهم سيكونون أنصاره الأخيار، وإن اسمهم مشتق من الكتمان، فناصروه. ثم رحل إلى جبل إيكجان ونزل بمدينة ناصرون وقاتل من لم يتبعه فأطاعوه جميعا. وبلغ خبره عامل إفريقية بمدينة القيروان (إبراهيم بن أحمد بن الأغلب) فبعث ابنه الأحول في ٢٠ ألف مقاتل فهزم كتامة، وامتنع أبو عبد اللّه بجبل إيكجان وبنى به مدينة سماها دار الهجرة. ومنها زحف على القيروان وامتلكها. ثم علم بموت الإمام محمد الحبيب فأرسل إلى ابنه عبيد اللّه يخبره بما بلغت إليه الدعوة، فبلغ خبره المكتفي باللّه العباسي، فطلبه، ففر إلى المغرب، وحدثت حروب قام فيها عبيد اللّه بالعظائم، وانتهت بمبايعته بيعة عامة سنة ٢٩٧ هـ والقضاء على دولة الأغالبة بالقيروان. ثم بعث بالولاة إلى جزيرة صقلية وطرابلس الغرب وبرقه واستولى على مدينة تاهرت بالمغرب الأوسط. وفي سنة ٣٠٣ هـ اختط مدينة المهدية واتخذها قاعدة لملكه، ومات سنة ٣٢٢ هـ بعد أن حكم ٢٤ سنة. وقد فرق عدد كبير من المؤرخين بين العبيديين والفاطميين - وإن كانت الدولة واحدة - فأطلقوا الاسم الأول على أمراء هذا البيت بإفريقية (٢٩٧ - ٣٦٢ هـ) وعددهم أربعة أمراء، هم: عبيد اللّه المهدي، والقائم بأمر اللّه، وإسماعيل المنصور، والمعز لدين اللّه. وخصصوا التعريف الثاني بمن تولى منهم الخلافة في مصر (٣٦٢ - ٥٦٧ هـ) وعددهم أحد عشر تجد أسماءهم في الفصل الذي خصّه المؤلف بالدولة العبيدية في نهاية هذا الكتاب.
[ ١٤ ]
أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وسماهم جهلة الناس الفاطميين.
وقال ابن خلكان: أكثر أهل العلم لا يصحّحون نسب المهدي عبيد اللّه جد خلفاء مصر، حتى إن العزيز باللّه ابن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات:
إنا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقا … فاذكر أبا بعد الأب السابع
وإن ترد تحقيق ما قلته … فانسب لنا نفسك كالطائع
أولا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع
فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع
وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتابا سبه فيه وهجاه، فكتب إليه الأموي «أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك» فاشتد ذلك على العزيز فأفحمه عن الجواب - يعني أنه دعيّ لا تعرف قبيلته - قال الذهبي:
المحققون متفقون على أن عبيد اللّه المهدي ليس بعلوي، وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة - وقد سأله ابن طباطبا العلوي عن نسبهم - فجذب نصف سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي - ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب وقال:
هذا حسبي.
ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سبّ الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له، والخيّر منهم رافضي خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة ﵃، ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصح لهم إمامة.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد اللّه باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض.
وقال الذهبي: كان القائم بن المهدي شرا من أبيه زنديقا ملعونا سبّ الأنبياء، وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شرا من التّتر.
[ ١٥ ]
وقال أبو الحسن القابسي (^١): إن الذين قتلهم عبيد اللّه وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فيا حبذا لو كان رافضيا فقط، ولكنه زنديق.
وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني (^٢) من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد (^٣) على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار، فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم.
وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة، لما أظهروا من خلاف الشريعة.
وقال ابن خلكان: وقد كانوا يدّعون علم المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد يوما المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب:
بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقه
إن كنت أعطيت علم غيب … بيّن لنا كاتب البطاقه
وكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا، والنصارى بابن نسطور، وأذل المسلمين بك، إلا نظرت في أمري، وكان ميشا اليهودي عاملا بالشام، وابن نسطور النصراني بمصر.
ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسيّ قائم موجود سابق البيعة فلا نصح، إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد، والصحيح المتقدم.
_________________
(١) هو علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني، أبو الحسن القابسي، عالم المالكية بإفريقية في عصره من أهل القيروان. ولد سنة ٣٢٤ وتوفي سنة ٤٠٣ هـ.
(٢) هو عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، من أعيان القيروان. كان إمام المالكية في عصره. قال القاضي عياض: ملأ البلاد من تواليفه. ولد سنة ٣١٠ وتوفي سنة ٣٨٦ هـ.
(٣) يعني الخلفاء الفاطميين بمصر.
[ ١٦ ]
ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدي، فعلم أن من تسمّى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ.
فلهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج، وإنما ذكرت الخليفة المتفق في صحة إمامته وعقد بيعته، وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة، وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي والعهدة في أمره عليه، واللّه المستعان.
[ ١٧ ]