بقلم الدكتور: أحمد محمد فارس
عميد كلية الشريعة الإسلامية في لبنان
وأستاذ اللغة والأدب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية
الفرع الأول - الجامعة اللبنانية
التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ أنه يوقف على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم (^١).
وقد اهتم العرب بالتاريخ، لا بتأريخهم فحسب، بل بتاريخ الأمم أيضًا، من ذلك أنهم كانوا يقرأون أخبار الفرس.
وبعد مجيء الإسلام شجع ما في القرآن الكريم من قصص على تتبع ما فيه من قصص الأنبياء، كما أن القرآن روى أحاديث كثيرة تاريخية كقصة الفرس والروم، فاشتاقت النفوس إلى التوسع في فهم الآيات، واتجهوا في التاريخ إلى جمع الأخبار، فحققوا الأماكن والأحوال التي كُتبت بها الآيات، أو قيلت فيها الأحاديث (^٢).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٧.
(٢) ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢/ ٢٠١.
[ ١ ]
كما أن الاشتغال بالحديث قد أسهم كثيرا في الاشتغال بالتاريخ، لأن المحدثين كانوا يجمعون أحاديث من كل نوع، بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسيرة النبي ﷺ والصحابة، فأسلم ذلك أولًا إلى جمع سيرة النبي، ثم أسهمهم شيئًا فشيئًا إلى كتابة التاريخ وأولع العرب بتدوين تاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين إليها، وافتنوا في ذلك افتتانا يدعو إلى العجب، من ذلك ما ألفوه في تاريخهم السياسي من الكتب والأسفار الطوال، مرتبًا على السنين، أو مقسمًا بحسب الدول والإمارات، وضمنوه أخبار ملوكهم وخلفائهم وأمرائهم وحروبهم وأيامهم، ومظاهر مدينتهم وحضارتهم وصنوف علومهم ومعارفهم، وألوان ثقافتهم مع ذكر مجتمعاتهم وأسواقهم، ولم يخل ذلك من الاستطراد إلى رواية الأشعار والآداب، والاسترواح بالحديث عن بعض المحاورات والأفاكيه، كما في ما كتبه الواقدي واليعقوبي، والطبري والبلاذري، والمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن كثير، وابن خلدون والمقريزي وغيرهم.
ومنه ما وضعوه في تراجم الرواة ورواة الحديث على الخصوص أو ما صنفوه في تاريخ البلدان، وتراجم من نشأ فيها، أو رحل إليها من العلماء وخاصة البلاد التي زخرت بالمدارس والمعاهد، وعمرت مجالسها بصنوف المعارف والآداب كبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وبلاد اليمن، والري ومرو وأربل وبلخ وقزوين والقاهرة وقوص والقيروان وبلاد الأندلس، كانت هذه الكتب مراجع أصيلة في تاريخ الآداب والفنون.
كما ألفوا في طبقات شتى من الناس كالفقهاء والحكماء والأطباء والأعيان والأدباء واللغويين والنحاة.
وبذلك سارت الكتابة التاريخية في اتجاهين: عام وخاص، أما العام فقد انصرف إليه قسم من المؤرخين جريئًا على أسلوب محمد بن جرير الطبري إذ كانوا يؤرخون الأخبار بحسب توالي السنين، وممن نهج هذا المنهج: ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) وابن العبري في كتابه (تاريخ مختصر الدول) وابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان) والملك المنصور صاحب حماة في مؤلفه (المضمار في
[ ٢ ]
التاريخ) والملك المؤيد أبو الفداء في كتابه (المختصر في أخبار البشر).
وأما الخاص فقد انصرف بعض المؤرخين إلى التحدث عن تاريخ دولة عاصرها أو أدرك بعض أيامها، أو تحدث عن تاريخ مدينة معينة، ومن هؤلاء المؤرخين ابن الأزرق الفارقي في كتابه (الفارقي) وهو يضم تاريخ مدينتي آمد وميافارقين، وابن العديم في كتابه (تاريخ حلب)، والعماد الكاتب في كتابه (الفتح القسي في الفتح القدسي) وأبو شامة المقدسي في كتابه (الروضتين في أخبار الدولتين).
ولا تخلو كتب التاريخ من تملق للخلفاء المعاصرين، ففي الدولة العباسية تملّق المؤرخون للعباسيين، وبالغوا في عظمة عبد اللّه بن عباس، وإذا كان المؤرخ ذا مذهب ديني معروف ظهر ذلك في تاريخه من تأييد لمن هم على مذهبه وتحامل على من خالفهم، اللهم إلا القليل النادر الذي يحكمه الدين والضمير كالطبري والبلاذري.
كما أن كثيرا من المؤرخين يؤخذ عليهم عدم تحرجهم من ذكر الألفاظ البذيئة، والأقوال الجارحة إلا القليل منهم كابن خلكان.
روى أبو إسحق الصابي: «أن عضد الدولة ابن بويه أمره أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة الديلمية، فألّف له تاريخا سماه (التاجي) فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق له، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها» (^١).
وجلال الدين السيوطي (١٤٤٥ - ١٥٠٥ م) مؤلف كتاب (تاريخ الخلفاء) أغنى الباحثين عن تاريخه وذكر شيوخه ومؤلفاته، فقد كتب لنفسه ترجمة عند الكلام على من كان بمصر من الأئمة المجتهدين في كتابه (حسن المحاضرة) قال: (… وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي فقلّ أن ألّف أحد منهم تاريخا إلا ذكر ترجمته فيه، وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر
_________________
(١) ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢٠٢/ ٢.
[ ٣ ]
الفارسي في (تاريخ نيسابور)، وياقوت الحموي في (معجم البلدان)، ولسان الدين الخطيب في (تاريخ غرناطة) … فأقول: أما جدّي الأعلى همّام الدين، فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطرق … وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من الأولياء بجوار المشهد النفيسي، … ونشأت يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه والأصول وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو من جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة … شهاب الدين الشارمساجي.
وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألّفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألّفته شرح الاستعاذة والبسملة، … وبلغت مؤلفاتي إلى الآن (سنة ست وستين) ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه، … ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء).
تنقّل في المدن المصرية والشام والحجاز واليمن والهند والمغرب طلبا للعلم.
ظل السيوطي طوال حياته مشغوفا بالدرس، مشتغلا بالعلم، يتلقاه من شيوخه، أو يبذله لتلاميذه، أو يذيعه فتيا، أو يحرره في الكتب والأسفار، ولما بلغ الأربعين خلا بنفسه في منزله بروضة القياس، واعتزل الناس، وتجرد للعبادة والتأليف، وألّف كتابه: (التنفيس في الاعتذار عن الفتيا والتدريس).
وكان في حياته الخاصة على أحسن ما يكون من العلماء ورجال الفضل والدين، عفيفا، كريما، غني النفس، متباعدا عن ذوي الجاه والسلطان، لا يقف بباب أمير أو وزير، قانعا برزقه، من خانقاه شيخو، لا يطمع فيما سواه.
أما كتبه، قد أحصى السيوطي منها في كتابه نحوا من ثلاثمائة، وذكر تلميذه الداودي المالكي أنها أنافت على خمسمائة مؤلف، وقال ابن أياس في تاريخه (حوادث سنة ٩١١) أنها بلغت ستمائة مؤلف بين كبير في أجزاء، وصغير في أوراق.
[ ٤ ]
وكان في كثير منها يعتمد على الكتب القديمة يغيّر منها يسيرا، ويقدم ويؤخر، ويلخص ويشرح وينظم.
وقد ثار عليه فريق من أقرانه ومعاصريه من العلماء، وكان من أشد الناس خصومة عليه، وأكثرهم تجريحا المؤرخ شمس الدين السخاوي، صاحب كتاب (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) فقد ترجم له في الكتاب، ونال من علمه وخلقه.
وانتصر السيوطي لنفسه في مقامة أسماها: (الكاوي على تاريخ السخاوي).
كما انتصر له فريق من تلاميذه، وفريق من العلماء، منهم الشوكاني، صاحب (البدر الطالع) (^١)!.
وتقوم أهمية كتب السيوطي على ما تعطي من معلومات مستمدة من كتب لم تصل إلينا، وله في كل علم كتاب أو أكثر تعتبر عمد ذلك العلم، مثل: (المزهر في اللغة) و(الاتقان في علوم القرآن)، و(الإقتراح في أصول النحو)، و(بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة)، و(حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة)، و(طبقات المفسرين) وغيرها.
وله مشاركة في الأدب: شعر ومقامات، ويعد السيوطي بين الشعب وخاصة في أسيوط من الأولياء الصالحين، ذوي الكرامات.
وكتاب (تاريخ الخلفاء) تناول فترة زمنية طويلة امتدت تسعمائة سنة تقريبا، وجمع فيها من أخبار الخلفاء بدءا من خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وانتهاء بعهد الملك الأشرف قايتباي.
وهو في تناوله لكل واحد منهم يذكر اسم الخليفة، ولقبه، وصفته، وخلافته، ثم الأحداث التي عرضت إبان خلافته، والصحابة الأعلام الذين توفوا خلال هذه الفترة إلى أن يصل إلى نهاية خلافة كل واحد منهم ويبدأ بالآخر
_________________
(١) البدر الطالع للشوكاني ٣٣٢/ ١.
[ ٥ ]
جريا على عادته في ذكر الأحداث والأئمة.
وأثناء عرضه للوقائع التاريخية كان يستطرد أحيانا إلى ذكر حكمة أو مثل أو قصيدة يلوّن فيها السرد التاريخي، ويخفف من وطأته، ويروّح عن القارئ بحيث يبعد عنه الملال، ويشدّه إلى متابعة القراءة.
ومن أهم ما ورد في هذا الكتاب التأريخ لعصر الخلفاء الراشدين الذي له في نفوس المسلمين تقدير خاص لا يتمتع به عصر آخر في تاريخ الإسلام إلا عصر النبوة الصافي.
بيد أن أحداث هذا العصر لم تصل محررة من الزيف والافتراء بل والتناقض الذي يبدو واضحا في الروايات والمدونات التي تكاد لا تحصى.
ذلك أن الحادثة المعينة ترويها الأخبار بعدة أوضاع وأساليب ينبو كثير منها عن مشارب العرب وآداب الإسلام.
ومهما اعترى كتب التاريخ من بعض التلفيق والتمويه، وطمس الحقائق أو تشويهها، فإن الفطن، وذا العقل الصائب يستطيع أن يميز ما بين الخطأ والصواب، والحق والباطل، والحقيقة والإدّعاء، بالإضافة إلى أن الوقائع الحقيقية بحد ذاتها تدل على نفسها وتشد إليها القارئ، وكأن فيها شعاعا يبعث بومضات تنبئ عنها، وتشير إليها من بين الشوائب …
ومن الضروري إعادة طبع بعض الكتب التاريخية التي احتوت وقائع هامة كان لها الأثر الكبير في حياة الأمة وحضارتها ومسارها، لأخذ العظة والإعتبار، وتجنب الزلل والاختبار، وخاصة أن المجتمعات الإسلامية في العصر الحاضر تمر في فترة حالكة من الإنقسامات نتيجة الفتن التي أعدها بإحكام أعداء الإسلام والمسلمين، وبالرغم من ذلك فهناك محاولات جادة من المخلصين الذين يدركون جسامة الخطر الداهم، وذلك بالدعوة للملمة الصف وتوحيد الكلمة، شأنهم في ذلك شأن المجتمعات الإسلامية في العصور المنصرمة.
سائلين المولى تعالى أن يوفّق دعاة الخير والإصلاح من أبناء هذه الأمة وأن يحقق ما يصبون إليه من توحيد الطاقات الإسلامية، وتصحيح المسار، بحيث
[ ٦ ]
يتوجه الجميع إلى ما فيه الخير للإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء.
بيروت في ٢٣ شوال ١٤١٢ هـ/ ٢٥ نيسان ١٩٩٢ م.
[ ٧ ]