أخرج الترمذي وابن حبان (^٢) في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (^٣) قال:
قال أبو بكر: ألست أحق الناس بها؟ أي الخلافة، ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟
وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي ﵁، قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر.
وأخرج ابن خيثمة (^٤) بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق.
وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدّوسي الصحابي ﵁، قال:
أول من أسلم أبو بكر الصديق.
وأخرج الطبراني في الكبير، وعبد اللّه بن أحمد (^٥) في زوائد الزهد عن
_________________
(١) الكتم: نبت يخضب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة.
(٢) هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، أبو حامد البستي، ويقال له ابن حبان، محدث، مؤرخ، جغرافي، قال ياقوت: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، وكانت الرحلة في خراسان إلى مصنفاته، من كتبه «المسند الصحيح» في الحديث، يقال: إنه أصح من سنن ابن ماجه. توفي في بست سنة ٣٥٤ هـ.
(٣) هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، صحابي جليل، لازم النبي ﷺ وروى عنه أحاديث كثيرة. له في «الصحيحين» ١١٧٠ حديثا. توفي سنة ٧٤ هـ.
(٤) أحمد بن زهير (أبي خيثمة) بن حرب بن شداد النسائي، ثم البغدادي، مؤرخ، من حفاظ الحديث، نسب إلى القول بالقدر. له «التاريخ الكبير». قال الدارقطني: «لا أعرف أغزر فوائد من تاريخه». توفي سنة ٢٧٩ هـ.
(٥) هو أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي، من حفاظ الحديث، له «الزوائد» على كتاب الزهد لأبيه الإمام أحمد، إمام المذهب الحنبلي وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، توفي عبد اللّه سنة ٢٩٠ هـ.
[ ٤٦ ]
الشعبي (^١) قال: سألت ابن عباس: أيّ الناس كان أوّل إسلاما؟ قال: أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان (^٢):
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها … إلا النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده … وأوّل الناس منهم صدق الرّسلا
وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون بن مهران، قلت: عليّ أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده، ثم قال: ما كنت أظنّ أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، للّه درهما! كانا رأس الإسلام، قلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم عليّ؟ قال: واللّه لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب (^٣) حين مرّ به، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد عليّ، وقد قال: إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم، بل ادعى بعضهم الإجماع عليه. وقيل: أول من
_________________
(١) هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي، راوية، من التابعين، من رجال الحديث الثقات. توفي بالكوفة سنة ١٠٣ هـ وقيل ١٠٤ وقيل ١٠٥ هـ. انظر تاريخ بغداد ج ١٢ ص ٢٢٧.
(٢) روى القرشي صاحب جمهرة أشعار العرب بسنده إلى عبد اللّه بن مسعود، ﵁، قال: بلغ النبي ﷺ، أن قوما نالوا أبا بكر بألسنتهم، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، ليس أحد منكم أمنّ عليّ في ذات يده ونفسه من أبي بكر، كلكم قال لي: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، فلو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ثم التفت إلى حسان فقال: هات ما قلت فيّ وفي أبي بكر، فقال حسان: قلت يا رسول اللّه: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا التالي الثاني المحمود شيمته … وأول الناس طرّا صدّق الرسلا والثاني اثنين في الغار المنيف وقد … طاف العدو به إذ صعّد الجبلا وكان حبّ رسول اللّه، قد علموا … من البرية لم يعدل بها رجلا خير البرية أتقاها وأرأفها … بعد النبي، وأوفاها، بما حملا فقال ﷺ: صدقت يا حسان، دعوا لي صاحبي. قالها ثلاثا انظر «جمهرة أشعار العرب» ص ٣١ و«ديوان حسان» شرح البرقوقي ص ٣٥٦.
(٣) بحيرا: راهب من رهبان النصارى، قيل إنه كان على مذهب النساطرة، ابتنى له صومعة على طريق القوافل بين الشام وجزيرة العرب، رأى النبي ﷺ حين خرج مع عمه في تجارة أهل مكة إلى الشام فبشر بنبوته.
[ ٤٧ ]
أسلم عليّ، وقيل: خديجة. وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعليّ أول من أسلم من الصبيان، وخديجة أول من أسلمت من النساء، وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة ﵀، أخرجه عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة (^١) وابن عساكر، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما؟ قال: لا، قلت: فبم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما [من] حين أسلم حتى لحق بربه.
وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصديق أوّلكم إسلاما؟ قال: لا، ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة، ولكنه كان خيرنا إسلاما.
قال ابن كثير: والظاهر أن أهل بيته ﷺ آمنوا قبل كلّ أحد: زوجته خديجة، ومولاه زيد، وزوجة زيد أم أيمن، وعليّ، وورقة، انتهى.
وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد قال: قال أبو بكر الصديق: كنت جالسا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا، فمر به أمية (^٢) بن أبي الصّلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:
كلّ دين يوم القيامة إلا … ما قضى اللّه في الحقيقة بور (^٣).
أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبيّ ينتظر ويبعث، قال: فخرجت إلى ورقة بن نوفل، وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصدر، فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم
_________________
(١) هو الإمام الحافظ عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي العبسي المتوفى سنة ٢٣٥ هـ صاحب كتاب «المصنف في الأحاديث والآثار».
(٢) هو أمية بن أبي الصلت عبد اللّه بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي حكيم، وأول من جعل في أول الكتب «باسمك اللهم» فكتبته قريش. كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث. أدرك الإسلام ولم يسلم. رحل إلى البحرين والشام ثم عاد إلى الطائف فأقام بها إلى أن مات سنة ٥ هـ.
(٣) في الديوان: كل دين يوم القيامة عند اللّه إلا دين الحنيفة زور.
[ ٤٨ ]
يا ابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، إلا أن هذا النبيّ الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا - ولي علم بالنسب - وقومك أوسط العرب نسبا. قلت: يا عم وما يقول النبيّ؟ قال: يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم، ولا يظلم ولا يظالم، فلما بعث رسول اللّه ﷺ آمنت به وصدقته.
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحصين التميمي أن رسول اللّه ﷺ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته، وما تردد فيه» عتم، أي لبث.
قال البيهقي (^١): وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول اللّه ﷺ، ويسمع آثاره قبل دعوته، فحين دعاه كان قد سبق له فيه تفكر ونظر، فأسلم في الحال؛ ثم أخرج عن أبي ميسرة أن رسول اللّه ﷺ كان إذا برز سمع من يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت ولى هاربا، فأسرّ ذلك إلى أبي بكر، وكان صديقا له في الجاهلية.
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ:
«ما كلمت في الإسلام أحدا إلا أبى عليّ وراجعني الكلام، إلا ابن أبي قحافة، فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه».
وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه ﷺ «هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلت: أيها الناس، إني رسول اللّه إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت».