تقدمت الإشارة إلى ذلك. قال ابن كثير: اتفقوا على أن اسمه عبد اللّه ابن عثمان، إلا ما روى ابن سعد عن ابن سيرين أن اسمه عتيق (^٣)، والصحيح أنه لقبه. ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه، فقيل: لعتاقة وجهه - أي لجماله - قاله الليث بن مسعد، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. وقال أبو نعيم
_________________
(١) في التهذيب: شرح اللّه صدره.
(٢) في التهذيب: وكم للصديق من مواقف وأثر.
(٣) العتيق في اللغة (١) القديم من كل شيء، قال ابن سيده: والبيت العتيق مكة، لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس: وقيل: لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان. وقيل: سمي عتيقا لأنه لم يملكه أحد. والأول أولى. وروى الواحدي في الوسيط بإسناده عن عبد اللّه بن الزبير أن رسول اللّه ﷺ قال: إنما سمى اللّه تعالى البيت العتيق لأن اللّه تعالى أعتقه من الجبابرة فلم يظهر جبار قط، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال صاحب «مطالع الأنوار»: العرب تقول لكل مثناة في الجودة عتيق، ومنه سميت الكعبة البيت العتيق - (٢) العبد المعتق، المحرر من الرق، وقال ابن سيده: وعتيق اسم الصديق ﵁، قيل سمي بذلك لأن اللّه تعالى أعتقه من النار. (٣) الكريم، الجميل، قال ابن سيده: وفرس عتيق، رائع كريم، وامرأة عتيقة: جميلة كريمة، وقال الجوهري: العتق الكرم، يقال ما أبين العتق في وجه فلان، يعني الكرم. وعن أبي عبيد: العتيق، الكريم من كل شيء، والخيار من كل شيء. وقال ابن الأعرابي: كل شيء بلغ النهاية في جودة أو رداءة أو حسن أو قبح فهو عتيق، وبكرة عتيقة إذا كانت نجيبة كريمة. (٤) والعتيق كما في المحكم: فحل من النخل معروف، لا تنفض نخلته. (٥) وعتيق الطير: البازي.
[ ٤١ ]
الفضل بن دكين: لقدمه في الخير، وقيل: لعتاقة نسبه - أي: طهارته، إذ لم يكن في نسبه شيء يعاب به - وقيل: سمي به أولا، ثم سمي بعبد اللّه.
وروى الطبراني عن القاسم بن محمد أنه سأل عائشة ﵂! - عن اسم أبي بكر، فقالت: عبد اللّه، فقال: إن الناس يقولون عتيق، قالت: إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سماهم: عتيقا، ومعتقا، ومعيتقا. وأخرج ابن منده (^١)، وابن عساكر (^٢) عن موسى بن طلحة، قال: قلت لأبي طلحة: لم سمي أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، ثم قالت: اللهم إن هذا عتيق من الموت فهبه لي. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: إنما سمي عتيقا لحسن وجهه. وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد اللّه، ولكن غلب عليه اسم عتيق، وفي لفظ: ولكن النبي ﷺ سماه عتيقا. وأخرج أبو يعلى (^٣) في مسنده، وابن سعد والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂ قالت:
واللّه إني لفي بيتي ذات يوم ورسول اللّه ﷺ وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر، فقال النبي ﷺ: «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر»، وان اسمه الذي سماه أهله عبد اللّه، فغلب عليه اسم عتيق. وأخرج الترمذي والحاكم، عن عائشة ﵂ أن أبا بكر دخل على رسول اللّه ﷺ، فقال: يا أبا بكر، أنت عتيق اللّه من النار، فمن يومئذ سمي عتيقا. وأخرج البزار، والطبراني بسند جيد عن عبد اللّه بن الزبير، قال: كان اسم أبي بكر عبد اللّه، فقال رسول اللّه ﷺ: «أنت عتيق اللّه من النار» فسمي عتيقا.
وأما الصديق فقيل: كان يلقب به في الجاهلية، لما عرف منه من الصدق ذكره ابن مسدي. وقيل لمبادرته إلى تصديق رسول اللّه ﷺ فيما كان يخبر به. قال
_________________
(١) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى، أبو عبد اللّه، ابن منده، من كبار حفاظ الحديث. له تصانيف منها «فتح الباب في الكنى والألقاب» توفي سنة ٣٩٥ هـ.
(٢) هو علي بن الحسن بن هبة اللّه، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، مؤرخ، حافظ، رحالة، من كتبه «تاريخ دمشق الكبير» ويعرف بتاريخ ابن عساكر، و«معجم الصحابة» وغيرهما. توفى سنة ٥٧١ هـ.
(٣) هو أحمد بن علي بن المثنى التميمي أبو يعلى، حافظ من علماء الحديث، نعته الذهبي بمحدث الموصل. له «المعجم» في الحديث، و«مسندان» كبير وصغير. توفي سنة ٣٠٧ هـ بالموصل.
[ ٤٢ ]
ابن إسحاق عن الحسن البصري وقتادة: وأول ما اشتهر به صبيحة الإسراء.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة ﵂، قالت: جاء المشركون إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: لقد صدق، إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة؛ فلذلك سمي الصديق، إسناده جيد، وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة، أسندهما ابن عساكر، وأمّ هانئ (^١)، أخرجه الطبراني.
قال سعيد بن منصور (^٢) في سننه: حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، قال: لما رجع رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به، فكان بذي طوى، قال: يا جبريل إن قومي لا يصدقوني، قال: يصدقك أبو بكر، وهو الصديق، وأخرجه الطبراني في الأوسط موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة قال: قلنا لعلي: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن أبي بكر، قال: ذاك امرؤ سماه اللّه الصديق على لسان جبريل، وعلى لسان محمد، كان خليفة رسول اللّه ﷺ على الصلاة، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا، إسناده جيد.
وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي يحيى، قال: لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر: إن اللّه سمى أبا بكر على لسان نبيه صديقا.
وأخرجه الطبراني بسند جيد صحيح عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليا يقول ويحلف لأنزل اللّه اسم أبي بكر من السماء الصديق، وفي حديث أحد «اسكن فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان».
_________________
(١) هي فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية القرشية، المشهورة بأم هانئ. أخت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وبنت عم النبي ﷺ. اختلف المؤرخون في اسمها: فاختة، أو عاتكة، أو فاطمة، والأشهر الأول، أسلمت عام الفتح بمكة، وهرب زوجها إلى نجران ففرق الإسلام بينهما. ماتت بعد أخيها الإمام علي. وروت عن النبي ٤٦ حديثا. «الأعلام» ج ٥ ص ٣٢٢.
(٢) هو سعيد بن منصور بن شعبة النسائي، أبو عثمان الحافظ الخراساني، ولد بجوزجان ونشأ ببلخ وجاور بمكة وبها مات سنة ٢٢٧ هـ. له «السنن» وتعرف باسمه.
[ ٤٣ ]
وأم أبي بكر بنت عم أبيه اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، وتكنى أم الخير، قاله الزهري، أخرجه ابن عساكر.