أخرج الترمذي وحسّنه والحاكم وصححه عن حذيفة ﵁ قال:
قال رسول اللّه ﷺ: «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر».
وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء، والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁.
وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد اللّه بن عمر ﵁
[ ٧٢ ]
قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر لا يلبث إلا قليلا» صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من طرق عدة، وقد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب، وفي الصحيحين في الحديث السابق أنه ﷺ لما خطب قرب وفاته وقال: «إن عبدا خيره اللّه» الحديث وفي آخره: «ولا يبقين باب إلاّ سد، إلاّ باب أبي بكر» وفي لفظ لهما «لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» قال العلماء: هذا إشارة إلى الخلافة: لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين، وقد ورد هذا اللفظ من حديث أنس ﵁ ولفظه «سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر» أخرجه ابن عدي، ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه الترمذي وغيره، ومن حديث ابن عباس في زوائد المسند، ومن حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني، ومن حديث أنس أخرجه البزار.
وأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم ﵁، عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول: الموت - قال: ﷺ «إن لم تجديني فأتي أبا بكر».
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس ﵁ قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول اللّه ﷺ أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك، فأتيته فسألته فقال: «إلى أبي بكر».
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله شيئا؟ فقال لها: تعودين، فقالت: يا رسول اللّه إن عدت فلم أجدك، تعرض بالموت، فقال: «إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي».
وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ في مرضه: «ادعي لي [أبا بكر] أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمنّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى اللّه والمؤمنون إلا أبا بكر».
وأخرجه أحمد وغيره من طرق، عنها، وفي بعضها: «قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ في مرضه الذي فيه مات: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب
[ ٧٣ ]
لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد بعدي، ثم قال: دعيه، معاذ اللّه أن يختلف المؤمنون في أبي بكر».
وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها سئلت: من كان رسول اللّه ﷺ مستخلفا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، قيل لها: من بعد أبي بكر؟ قالت:
عمر، قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح.
وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، قالت عائشة: يا رسول اللّه إنه رجل رقيق القلب، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فقال: مري أبا بكر فليصلّ بالناس، فعادت، فقال: مري أبا بكر فليصلّ بالناس، فإنكن صواحب يوسف، فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول اللّه ﵌. هذا الحديث متواتر، ورد أيضا من حديث عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وعبد اللّه بن زمعة، وأبي سعيد، وعلي بن أبي طالب، وحفصة ﵂، وقد سقت طرقهم في الأحاديث المتواترة، وفي بعضها عن عائشة ﵂: لقد راجعت رسول اللّه ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحبّ الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل لذلك رسول اللّه ﷺ عن أبي بكر.
وفي حديث ابن زمعة ﵁ «أن رسول اللّه ﷺ أمرهم بالصلاة، وكان أبو بكر غائبا، فتقدم عمر فصلى، فقال رسول اللّه ﷺ: لا لا لا يأبى اللّه والمسلمون إلا أبا بكر، يصلي بالناس أبو بكر».
وفي حديث ابن عمر «كبر عمر فسمع رسول اللّه ﷺ تكبيره فأطلع رأسه مغضبا فقال: أين ابن أبي قحافة»؟
قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة، قال الأشعري: قد علم بالضرورة أن رسول اللّه ﷺ أمر الصديق أن يصلي بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللّه» فدل على أنه كان أقرأهم: أي
[ ٧٤ ]
أعلمهم بالقرآن، انتهى.
وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة، منهم عمر، وسيأتي قوله في فصل المبايعة، ومنهم علي.
وأخرج ابن عساكر عنه قال: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس وإني أشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي ﷺ لديننا.
قال العلماء: وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي ﷺ.
وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ النبي ﷺ، فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم وقال: يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى.
وأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن حفصة ﵂ أنها قالت لرسول اللّه ﷺ: إذا أنت مرضت قدمت أبا بكر؟ قال: «لست أنا أقدمه ولكن اللّه يقدمه».
وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر عن علي ﵁ قال: قال لي رسول اللّه ﷺ: «سألت اللّه أن يقدمك ثلاثا فأبى عليّ إلا تقديم أبي بكر».
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال أبو بكر: «يا رسول اللّه، ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس؟ قال: لتكونن من الناس بسبيل، قال: ورأيت في صدري كالرقمتين، قال: سنتين».
وأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: «أتيت عمر - وبين يديه قوم يأكلون - فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل فقال: ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب؟ قال: خليفة النبي ﷺ صدّيقه».
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال: «أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء، فجئته فقلت له: اشفني فيما اختلف الناس
[ ٧٥ ]
فيه هل كان رسول اللّه ﷺ استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعدا وقال: أو في شك هو؟ لا أبا لك! إي واللّه الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه، ولهو كان أعلم باللّه، وأتقى له، وأشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره.
وأخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر، كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سكت اللّه وسكت رسوله وسكت المؤمنون، قال: واللّه ما زدتني إلا غما، قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال فقال: يا رسول اللّه من يصلي بالناس؟ قال: مر أبا بكر يصلي بالناس، فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول اللّه ﷺ لسكوت اللّه، وسكت المؤمنون لسكوت رسول اللّه ﷺ، فأعجبه، فقال: بارك اللّه فيك!
وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات القرآن، فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^١). قال: هو واللّه أبو بكر وأصحابه، لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام.
وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: لما توفي النبي ﷺ ارتدت العرب، فذكر قتال أبي بكر لهم، إلى أن قال: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.﴾
وأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (^٢) قال: هم بنو حنيفة، قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة: هذه الآية حجة على خلافة الصديق؛ لأنه الذي دعا إلى قتالهم.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول:
خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية، قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن
_________________
(١) سورة المائدة - الآية ٥٤.
(٢) سورة الفتح - الآية ١٦.
[ ٧٦ ]
بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة، قال: فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته؛ إذ أخبر اللّه أن المتولي عن ذلك يعذّب عذابا أليما، قال ابن كثير: ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان، وهما فرعا الصديق، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ (^١)، قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهدي قال: إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب اللّه، يقول اللّه: ﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ الآية.
وأخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال: أبو بكر الصديق خليفة رسول اللّه ﷺ في القرآن، لأن اللّه تعالى يقول: ﴿لِلْفُقَراءِ اَلْمُهاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولائِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ﴾ (^٢) فمن سماه اللّه صديقا فليس يكذب، وهم قالوا: يا خليفة رسول اللّه، قال ابن كثير: استنباط حسن.
وأخرج البيهقي عن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق، وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول اللّه ﷺ فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم.
وأخرج أسد السنة في فضائله عن معاوية بن قرّة قال: ما كان أصحاب رسول اللّه ﷺ يشكون أن أبا بكر خليفة رسول اللّه ﷺ، وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول اللّه ﷺ، وما كانوا يجتمعون على خطإ ولا ضلال.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود ﵄ قال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند اللّه سيئ، وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر.
_________________
(١) سورة النور - الآية ٥٥.
(٢) سورة الحشر - الآية ٨.
[ ٧٧ ]
وأخرج الحاكم وصححه الذهبي عن مرة الطيب قال: جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال: ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلا؟ - يعني أبا بكر - واللّه لئن شئت لأملأنّها عليه خيلا ورجالا، قال: فقال علي: لطالما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضره ذلك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا.