أخرج البيهقي وأبو نعيم، كلاهما في دلائل النبوة، واللالكائي في شرح السنة، والديرعاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجه عمر جيشا، ورأس عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم اللّه، قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم، قال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن.
وأخرج ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر، قال: كان عمر يخطب يوم الجمعة، فعرض في خطبته أن قال: يا سارية الجبل، من استرعى الذئب ظلم، فالتفت الناس بعضهم لبعض، فقال لهم علي: ليخرجن مما قال، فلما فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وإنهم يمرون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد وإن جاوزوا هلكوا، فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه، قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم، قال: فعدلنا إلى الجبل ففتح اللّه علينا.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر [بن الخطاب] على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل، مرتين أو ثلاثا، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جنّ، إنه لمجنون، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه، فقال: [لشدّ ما ألومهم عليك] إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل، أي شيء هذا؟ قال: إني واللّه ما ملكت ذلك رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل، فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم
[ ١٣٤ ]
الجمعة، فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة [ودار حاجب الشمس] سمعنا مناديا ينادي يا سارية الجبل، مرتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم اللّه وقتلهم، فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له.
وأخرج أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال:
ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا.
وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة، وابن الكلبي في الجامع، وغيرهم.
وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة: حدثنا أبو الطيب، حدثنا علي بن داود، حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدثه قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم فقالوا: يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنّة لا يجرى إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا:
إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلى أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون أبدا في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب له أن قد أصبت بالذي قلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث بطاقة في داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد اللّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى نيل مصر، أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه يجريك فأسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، فأصبحوا وقد أجراه اللّه تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع اللّه تلك السنّة عن أهل مصر إلى اليوم.
[ ١٣٥ ]
وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.
وأخرج عن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدّث به فهو عمر بن الخطاب.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا أميرهم (^١) فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا عليّ فالبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية: لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، قلت:
أشار به إلى الحجاج، قال ابن لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ.