أخرج العسكري في الأوائل، والطبراني في الكبير، والحاكم، من طريق ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأيّ شيء كان يكتب «من خليفة رسول اللّه ﷺ» في عهد أبي بكر؟ ثم كان عمر كتب أولا «من خليفة أبي بكر» فمن أوّل من كتب «من أمير المؤمنين»؟ فقال: حدثتني الشفاء - وكانت من المهاجرات - أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول اللّه ﷺ، وكان عمر يكتب من خليفة خليفة رسول اللّه حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وعديّ بن حاتم، فقدما المدينة، ودخلا المسجد، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما واللّه أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجنّ مما قلت، فأخبره وقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ.
[ ١٤٥ ]
وقال النووي في تهذيبه: سماه بهذا الاسم عديّ بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق، وقيل: سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول اللّه، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرّة قال: كان يكتب من أبي بكر خليفة رسول اللّه، فلما كان عمر بن الخطاب أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول اللّه، قال عمر: هذا يطول، قالوا: لا، ولكنا أمّرناك علينا، فأنت أميرنا، قال:
نعم، أنتم المؤمنون، وأنا أميركم، فكتب «أمير المؤمنين».
وأخرج البخاري في تاريخه، عن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لستّ عشرة من الهجرة بمشورة عليّ.
وأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح، عن ابن عمر، عن عمر أنه أراد أن يكتب السنن، فاستخار اللّه شهرا، فأصبح وقد عزم له، ثم قال: إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب اللّه.
وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أوّل كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوّني، وإني بخيل فسخّني.
وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق، عن عمر أنه قال:
إني أنزلت نفسي من مال اللّه منزلة والي اليتيم من ماله: إن أيسرت استعففت (^١)، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإن أيسرت قضيت.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه، فقضاه.
وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر،
_________________
(١) أخذه من قوله تعالى في واجب والي اليتيم: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة النساء آية ٦.
[ ١٤٦ ]
وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكّة (^١)، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي عليّ حرام، فأذنوا له.
وأخرج عن سالم بن عبد اللّه أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير، ويقول:
إني لخائف أن أسأل عما بك.
وأخرج عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: لا أعلمنّ أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة.
وروينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة - وكان يفعل ذلك كثيرا - إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها، وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه … وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه
فو اللّه لولا اللّه تخشى عواقبه … لزحزح من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا … بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يصدني … وأكرم بعلي أن تنال مراتبه
فكتب إلى عماله بالغزو أن لا يغيب أحد أكثر من أربعة أشهر.
وأخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما، أو أقل، أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر (^٢) عمر.
وأخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: واللّه ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم، فقال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد اللّه كذلك؛ والملك يعسف الناس (^٣)، فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر.
_________________
(١) نعت: وصف، والعكة: القدر.
(٢) استعبر: بكى.
(٣) يعسف الناس: يظلمهم ويقسو عليهم.
[ ١٤٧ ]
وأخرج عن ابن مسعود ﵁! - قال: ركب عمر فرسا، فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء، فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا.
وأخرج عن سعد الجاري أن كعب الأحبار قال لعمر: إنا لنجدك في كتاب اللّه على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا متّ لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة.
وأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا أن عمر قال: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، وباللين الذي لا وهن فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حكيم بن عمير قال: كتب عمر بن الخطاب: ألا لا يجلدنّ أمير جيش ولا سريّة أحدا ألحد حتى يطلع الدرب؛ لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: إن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشجر، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ، ثم يخضر، فيكون كالزمرّد الأخضر، ثم يحمرّ فيكون كالياقوت الأحمر، ثم يينع فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل، ثم ييبس فيكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك، هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها اللّه على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق اللّه ولا تتخذ عيسى إلها من دون اللّه، فإن: ﴿مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اَللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ (^١) الآية.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص، فشاطرهم عمر في أموالهم، فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا.
وأخرج عن الشعبي أن عمر كان إذ استعمل عاملا كتب ماله.
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ٥٩.
[ ١٤٨ ]
وأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من مال بيت المال شيئا، حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول اللّه ﷺ، فاستشارهم، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه؟ فقال علي: غداء وعشاء، فأخذ بذلك عمر.
وأخرج عن ابن عمر أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر دينارا، فقال: يا عبد اللّه، أسرفنا في هذا المال.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة والشعبي قالا: جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سوار: لقد شكت، فقال عمر: كيف؟ قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب، قال: فإذ قد فهمت ذلك فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين أحل اللّه له من النساء أربعا؛ فلها من كل أربعة أيام يوم؛ ومن كل أربع ليال ليلة.
وأخرج عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدّقه أن عمر بينما هو يطوف سمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا خليل ألاعبه (^١)
فلولا حذار اللّه لا شيء مثله … لزحزح من هذا السرير جوانبه
فقال عمر: ما لك؟ قالت: أغزيت زوجي منذ أشهر وقد اشتقت إليه، قال: أردت سوءا؟ قالت: معاذ اللّه، قال: فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فافرجيه عني؟ كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت، قال:
فإن اللّه لا يستحيي من الحق، فأشارت بيدها ثلاثة أشهر، وإلا فأربعة أشهر، فكتب عمر أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.
وأخرج عن جابر بن عبد اللّه أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء فقال عمر: إنا لنجد ذلك، حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى
_________________
(١) مضى البيتان ضمن أبيات برواية أخرى.
[ ١٤٩ ]
فتيات بني فلان تنظر إليهن (^١)، فقال له عبد اللّه بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم ﵇ شكا إلى اللّه خلق سارة، فقيل له: إنها خلقت من ضلع فالبسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خربة في دينها.
وأخرج عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه.
وأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب قال: لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم؛ فإن اللّه هو الحكم، ولا تسموا الطريق السكة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: قال أبو بكر: واللّه لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق، فمر عليّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعرا، ولم أكن بشرا. فقال عمر: يا ليتني كنت كبش أهل سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون، فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا، ثم أكلوني، ولم أكن بشرا.
وأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر، فقام إليه الحسين بن علي ﵁، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا؟ فقام علي فقال: واللّه ما أمره بهذا أحد، أما لأوجعنك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي، فقد صدق منبر أبيه، وإسناده صحيح.
وأخرج الخطيب في أدب الراوي عن مالك من طريقه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر: إنهما لا يجتمعان أبدا، فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله.
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبيّ؛ فمن
_________________
(١) لعل الأصل «أما تذهب إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن».
[ ١٥٠ ]
كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، ومن يحسن نزده حسنا، ومن يسئ نعاقبه، ويغفر اللّه لنا ولكم.
وأخرج عن جبير بن الحويرث أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئا؛ وقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر، فقال له الوليد بن هشام ابن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديوانا وجنّدوا جنودا، فدون ديوانا وجند جنودا، فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم - وكانوا من نسّاب قريش - فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدأوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: ابدأوا بقرابة النبي ﷺ الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه اللّه.
وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: دوّن عمر الديوان في المحرم سنة عشرين.
وأخرج عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر، إنه فيؤهم الذي أفاء اللّه عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم.
وأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: بينما عمر واقف على جبل عرفة سمع رجلا يصرخ ويقول: يا خليفة اللّه، فسمعه رجل آخر وهم يعتافون (^١) فقال: ما لك فكّ اللّه لهواتك؟ فأقبلت على الرجل فصحت عليه، فقال جبير:
فإني الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عائرة (^٢) ففتقت رأس عمر، فقصدت فسمعت رجلا من الجبل يقول: أشعرت ورب الكعبة، لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا، قال جبير: فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس، فاشتد ذلك عليّ.
_________________
(١) يعتافون: من العيافة، وهي زجر الطير، وهي من معارف العرب في جاهليتهم.
(٢) عائرة: لا يدرى من رماها.
[ ١٥١ ]
وأخرج عن عائشة ﵂! - قالت: لما كان اخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا عن عرفة مررت بالمحصّب فسمعت رجلا على راحلته يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: ههنا كان أمير المؤمنين، فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال:
عليك سلام من إمام، وباركت … يد اللّه في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق في أكمامها لم تفتّق
فلم يتحرك ذاك الراكب ولم يدر من هو، فكنا نتحدث أنه من الجن فقدم عمر من تلك الحجة، فطعن بالخنجر، فمات.
وأخرج عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر أنه قال: هذا الأمر (^١) في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء.
وأخرج عن النخعي أن رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد اللّه بن عمر؟ فقال: قاتلك اللّه! واللّه ما أردت اللّه بهذا، استخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟
وأخرج عن شداد بن أوس عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى اللّه إلى النبي ﷺ أن يقول له: اعهد عهدك، واكتب إليّ وصيتك؛ فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي ﷺ بذلك، فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير، ثم جاء إلى ربه، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك وكنت وكنت؛ فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى اللّه إلى النبي أنه قد قال كذا وكذا - وقد صدق - وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه اللّه، فأخبر بذلك عمر، فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.
_________________
(١) هذا الأمر: يريد به الخلافة.
[ ١٥٢ ]
وأخرج عن سليمان بن يسار أن الجن ناحت على عمر.
وأخرج الحاكم عن مالك بن دينار قال: سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر ﵁:
ليبك على الإسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد (^١)
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملها من كان يوقن بالوعد
وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه:
اقتصدوا في كفني؛ فإنه إن كان لي عند اللّه خير أبدلني ما هو خير منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، واقتصدوا في حفرتي؛ فإنه إن كان لي عند اللّه خير أوسع لي فيها مدّ بصري، وإن كنت على غير ذلك ضيقها عليّ حتى تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس فيّ؛ فإن اللّه هو أعلم بي، فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي؛ فإنه إن كان لي عند اللّه خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه.
فصل: أخرج ابن عساكر عن ابن عباس، أن العباس قال: سألت اللّه حولا بعد ما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول - وهو يسلت العرق عن جبينه - فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين! ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرش عمر ليهدّ لولا أني لقيت رؤوفا رحيما.
وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم، أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام، فقال: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة، قال: إنما انفلت الآن من الحساب.
وأخرج ابن سعد عن سالم بن عبد اللّه بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت اللّه أن يريني عمر في المنام، فرأيته بعد عشر سنين، وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت؟ قال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت.
_________________
(١) في هذين البيتين إقواء، وهو اختلاف حركة الروي، وغير عجيب ذلك لأنه من شعر الجن!
[ ١٥٣ ]
وأخرج الحاكم عن الشعبي، قال: رثت عاتكة (^١) بنت زيد بن عمرو بن نفيل عمر، فقالت:
عين جودي بعبرة ونحيب … لا تملّي على الإمام الصّليب (^٢)
فجعتني المنون بالفارس المع … لم يوم الهياج والتأنيب (^٣)
عصمة الدين والمعين على الده … ر وغيث الملهوف والمكروب (^٤)
قل لأهل الضراء والبؤس: موتوا … إذ سقتنا المنون كأس شعوب (^٥)