أبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن ناصر الدين بن محمد بن سابق الدين أبي بكر الفخر عثمان بن ناصر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري الأسيوطي.
أمّا جدّه الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطريق، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرئاسة، فمنهم من وليّ الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان في صحبة الأمير شيخو وبنى مدرسة بسيوط ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان تاجرا متموّلا. ولم يكن منهم من خدم العلم حقّ الخدمة إلاّ والد عبد الرحمن. ونسبته الخضيري، فإننا لا نعلم ما يكون إليه أمر هذه النسبة إلاّ الخضيرية، وهي محلّة ببغداد، وقد نقل عن راو ثقة حدّث الأسيوطي أنه سمع الكمال أبا بكر يذكر أن جدّه الأعلى كان أعجميّا أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة.
ولد عبد الرحمن أبو الفضل بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وحمل في حياة والده إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرّك عليه، ونشأ يتيما بعد وفاة والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وعرض محافيظه على قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني الحنبلي فسأله عن كنيته فقال: لا كنية لي، فقال: أبو الفضل وكتبه بخطه، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التحريم، فأسندت
[ ٥ ]
وصايته إلى جماعة منهم الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن وله من العمر دون ثمان سنين. ثم حفظ عمدة الأحكام ومنهاج النووي وألفية ابن مالك ومنهاج البيضاوي، وعرض كل ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحلي والزين العقبي، وحضر مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال بالعلم ابتداء من ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة. فقرأ على الشمس السيرافي صحيح مسلم والشفا وألفية ابن مالك، فما أتمها إلا وقد صنّف وأجازه بالعربية، وقرأ عليه قطعة من التسهيل، وسمع عليه الكثير من ابن المصنّف والتوضيح وشرح الشذور والمغني في أصول فقه الحنفية، وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي الكافية وشرحها، ومقدمة إيساغوجي وشرحها للكاتي، وسمع عليه من المتوسط والشافية وشرحها للجاربردي، ومن ألفية العراقي، ولزمه حتى مات سنة سبع وسبعين وثمانمائة. ثم قرأ في الفرائض والحساب على علامة زمانه الشهاب الشارمساحي (^١).
ثم دروس العلم البلقيني وقرأ عليه ما لا يحصى كثرة، ولزم أيضا الشرف المناوي إلى أن مات وقرأ عليه الكثير، ولزم دروس محقق الديار المصرية سيف الدين محمد بن محمد الحنفي، ودروس العلامة التقي الشمني، ودروس الكافيجي، وقرأ على العزّ الكناني، وفي الميقات على مجد الدين بن السباع والعز بن محمد الميقاتي، وفي الطب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الروم، وقرأ على التقي الحصكفي والشمس البابي وغيرهم. وقد شرع عبد الرحمن في التصنيف من سنة ست وستين وثمانمائة، وقد قال عن نفسه معرّفا على عادة المؤلفين ممن سبقوه (^٢): «وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه، ودخلت بحمد اللّه إلى بلاد الشام والروم والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، ولما حججت شربت ماء زمزم لأمور منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر، وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وعقدت مجلس إملاء الحديث من مستهل سنة
_________________
(١) وردت في الكواكب السائرة «الشارساجي»، وفي الأصل «السارساجي»، والصحيح «الشار مساحي».
(٢) حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، الأول ص ١٥٧.
[ ٦ ]
اثنتين وسبعين، ورزقت التبحر في علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريق العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه والنقول التي اطّلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلا عمّن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسّل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطبّ، وأما الحساب فأعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله، وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد اللّه، أقول ذلك تحدّثا بنعمة اللّه لا فخرا … ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنّفا بأقوالها وأدلّتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل اللّه ومنّه لا بحولي ولا بقوّتي ..».
وقد ذكر تلميذه الداودي في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا، واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النافعة المتقنة المحررة المعتمدة المعتبرة فنافت على خمسمائة مؤلف، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف، حتى قال الداودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا ومسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، وقال: لو وجدت أكثر لحفظته ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك.
ولما بلغ الأربعين سنة أخذ في التجرّد للعبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والاشتغال به صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف سمّاه بالتنفيس. ثم أقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه. وكانت وفاته في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى
[ ٧ ]
الأولى سنة إحدى وعشرة وتسعمائة، في منزله بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلّي عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامن رجب من السنة المذكورة، وقيل أخذ الغاسل قميصه وقبعه، فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وباع قبعه بثلاثة دنانير.
وقد قيلت فيه المراثي الحافلة، ولم نقف إلاّ على واحدة منها ذكرت في تاريخ ابن طولون، ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، ومنها:
مات جلال الدين غيث الورى … مجتهد العصر إمام الوجود
وحافظ السنّة مهدي الهدى … ومرشد الضالّ بنفع يعود
فيا عيوني انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي يا دنيا إذ حقّ ذا … بل حقّ أن ترعد فيك الرعود
عاش الأسيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) في عصر المماليك المتوسط، وهو عصر جمع وشرح وتفسير، لا عصر إبداع واستنباط، وكانت حياته ومؤلفاته أفضل أنموذج عن الحياة العلمية في ذلك العصر، ويمكن اعتبار كتاباته الموسوعية (الأنسيكلوبيدية) في موضوعاتها ودائرة اتساعها وشمولها، محصلة العلوم الإسلامية في القرن الخامس عشر الميلادي. فبراعة عبد الرحمن التي لم تعرف الملل، لم تترك موضوعا في حقل المعرفة والعلوم إلا تناولته بإسهاب، فقد برز في العلوم القرآنية والحديثية والفقهية، ثم تناول علوم الفلسفة والتاريخ، وأنشأ في العلوم الفنية والأدبية واللغوية، إلى غير ذلك من مختلف العلوم الرائجة.
وقد قال عن نفسه في ترجمة حياته في «حسن المحاضرة»: إنه وضع ثلاثمائة مؤلّف، وذكر تلميذه ابن إياس في «تاريخ مصر» أن مصنّفات أستاذه بلغت ستمائة مؤلف. وجمع له العالم الألماني فلوغل (Flugel) قائمة حوت خمسمائة وواحد وستين مصنّفا. وهو عدد يكاد يكون غير قابل للتصديق، لولا أن بعضها كراريس قصيرة تدل على رغبة الأسيوطي في طرق مواضيع غريبة واهية كما تدل عناوينها.
[ ٨ ]