هشام بن عبد الملك (^١)، أبو الوليد، ولد سنة نيف وسبعين، واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزبيري: رأى عبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فسأل سعيد بن المسيب؛ فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة؛ فكان آخرهم هشام.
وكان هشام حازما عاقلا، كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون فسامة: لقد أخذ من حقه، ولقد أعطى لكل ذي حق حقه.
_________________
(١) هشام بن عبد الملك بن مروان: من ملوك الدولة الأموية في الشام. ولد في دمشق عام ٧١ هـ، وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد عام ١٠٥ هـ، خرج عليه زيد بن الحسين عام ١٢٠ هـ، فوجه إليه من قتله وفلّ جمعه. اجتمع في خزانته من المال ما لم يجمع في خزانة أحد من ملوك بني أمية. بنى الرصافة (على أربعة فراسخ من الرقة غربا) وهي غير رصافتي بغداد والبصرة، وكان يسكنها في الصيف، وفيها توفي عام ١٢٥ هـ. كان حسن السياسة يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه. راجع في ترجمته: تاريخ الطبري ج ٨ ص ٢٨٣ والمسعودي ج ٢ ص ١٤٢ والكامل في التاريخ ج ٥ ص ٩٦ وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٥٧ ومرآة الجنان ج ١ ص ٢٦١ ومختصر تاريخ العرب لسيد أمير علي ١١٨ وتاريخ الخميس ج ٢ ص ٣١٨ و٣٢٠ وفيه: كان أبيض سمينا أحول، يخضب بالسواد، حليما، ذا رأي وحزم، والذهب المسبوك ص ٣٤ وفيه: لم يحج بعد هشام أحد من بني أمية وهو خليفة، وتاريخ الإسلام للذهبي ج ٥ ص ١٧٠ وفيه: وقيل إن هذا البيت له، ولم يحفظ له سواه: إذا أنت لم تعص الهوى، قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
[ ٢٦٠ ]
وقال الأصمعي: أسمع رجل مرة هشاما كلاما، فقال له: يا هذا، ليس لك أن تسمع خليفتك.
قال: وغضب مرة على رجل فقال: واللّه لقد هممت أن أضربك سوطا.
وقال سحل بن محمد: ما رأيت أحدا من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته، إلا شيئا واحدا أخا أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشافعي: لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوما لا يأتيه فيه غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور، فأوصلت إليه، فقال: ولا يوما واحدا!
وقيل: إن هذا البيت له، ولم يحفظ له سواه:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف، وفي سنة ثمان فتحت خنجرة على يد البطال الشجاع (^١) المشهور، وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد اللّه بن عمر، وطاوس، وسليمان بن يسار، وعكرمة مولى ابن عباس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكثيّر عزة الشاعر، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتا، وجرير، والفرزدق، وعطية العوفي، ومعاوية بن قرة، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر الباقر، ووهب بن منبه، وسكينة بنت الحسين، والأعرج، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، وابن عامر مقرئ الشام، وابن كثير مقرئ مكة، وثابت
_________________
(١) اسم البطال عبد اللّه الأنطاكي، أبو الحسين.
[ ٢٦١ ]
البناني، ومالك بن دينار، وابن محيصن المقرئ، وابن شهاب الزهري، وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: أراد هشام بن عبد الملك أن يوليني خراج مصر، فأبيت، فغضب حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه الحول، فنظر إليّ نظر منكر، وقال: لتلينّ طائعا، أو لتلينّ كارها، فأمسكت عن الكلام حتى سكن غضبه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال:
نعم، قلت: إن اللّه قال في كتابه العزيز: ﴿إِنّا عَرَضْنَا اَلْأَمانَةَ عَلَى اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ وَاَلْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾ (^١) الآية، فو اللّه يا أمير المؤمنين، ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت، وتكرهني إذا كرهت، فضحك وأعفاني.
وأخرج عن خالد بن صفوان قال: وفدت على هشام بن عبد الملك، فقال: هات يا ابن صفوان، قلت: إن ملكا من الملوك خرج متنزها إلى الخورنق، وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة، فنظر وقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك، قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال: إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن لي بالجواب؟ قال:
نعم، قال: أرأيت ما أنت فيه، أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذا هو، قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا، وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حسابا، قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة، قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة اللّه بما ساءك وسرك، وإما أن تنخلع من ملكك، وتضع تاجك، وتلقي عنك أطمارك، وتعبد ربك، قال: إني مفكر الليلة وأوافيك السحر، فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال: إني اخترت هذا الجبل، وفلوات الأرض، وقد لبست عليّ أمساحي، فإن كنت لي رفيقا لا تخالف، فلزما الجبل حتى ماتا؛ وفيه يقول عدي بن زيد العبادي (^٢):
_________________
(١) سورة الأحزاب: آية ٧٢.
(٢) عدي بن زيد بن حمّاد بن زيد العبادي التميمي: شاعر من دهاة الجاهليين، كان قرويا من أهل الحيرة، فصيحا يحسن العربية والفارسية والرمي بالنشاب. وهو أول من كتب بالعربية في ديوان -
[ ٢٦٢ ]
أيها الشامت المعير بالده … ر أأنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأي … ام؟ بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير؟
أين كسرى كسرى الملوك أبو سا … سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال … روم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج … لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كل … سا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الم … لك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تذكير
سره ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه وقال: وما غب … طة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأم … ة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته، وأمر بابنتيه، وطي فرشه، ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته، فقال: إليكم عني، فإني عاهدت اللّه أن لا أخلو بملك إلا ذكرته اللّه تعالى.
_________________
(١) = كسرى، اتخذه ترجمانا بينه وبين العرب. تزوج هندا بنت النعمان بن المنذر. وشى به بعض الأعداء إلى النعمان فسجنه وقتله في سجنه بالحيرة عام ٣٥ ق. هـ.
[ ٢٦٣ ]