يزيد الناقص (^١)، أبو خالد، بن الوليد عبد الملك، لقّب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم، وثب على الخلافة، وقتل ابن عمه الوليد وتملك.
وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد، وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى، وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك، وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم؛ فلهذا قال يزيد يفتخر:
أنا ابن كسرى، وأبي مروان … وقيصر جدي، وجدي خاقان
قال الثعالبي: أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه.
ولما قتل يزيد الوليد قام خطيبا فقال: أما بعد، إني واللّه ما خرجت أشرا ولا
_________________
(١) يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، أبو خالد: ولد في دمشق عام ٨٦ هـ، ثار على ابن عمه الوليد بن يزيد لسوء سيرته، فبويع بالمزّة واستولى على دمشق، وكان الوليد بتدمر فارسل إليه يزيد من قاتله في نواحيها، وقتل الوليد فتم ليزيد أمر الخلافة في مستهل رجب ١٢٦ هـ، ومات في ذي الحجة بالطاعون عام ١٢٦ أيضا، وقيل مسموما. كانت ولايته خمسة أشهر، والفتنة عامة في البلاد. يقال له الناقص لأن سلفه الوليد بن يزيد كان قد زاد في أعطيات الجند، فلما ولي يزيد نقص الزيادة. راجع في ترجمته: عنوان المعارف ص ١٩ ومختصر تاريخ العرب لسيد أمير علي ص ١٤٣ والكامل في التاريخ ج ٥ ص ١١٥ وتاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٧٤ والبداية والنهاية ج ١٠ ص ١١ والنجوم الزاهرة ج ١ ص ١٢٦ وتاريخ الطبري حوادث سنة ١٢٦ وتاريخ الخميس ج ٢ ص ٣٢١ وتاريخ الإسلام للذهبي ج ٥ ص ١٨٨ والوزراء والكتّاب ص ٦٩ - ٧٠ وبلغة الظرفاء ص ٢٧ - ٢٨ والحور العين لنشوان الحميري وفيه: «لم يكن في بني أمية مثله ومثل عمر بن عبد العزيز».
[ ٢٦٧ ]
بطرا ولا طمعا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكن خرجت غضبا للّه ولدينه وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ، حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل الحرمة، والراكب البدعة، فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم، وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه، فاستخرت اللّه في أمري، ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي، فأراح اللّه منه البلاد والعباد، ولاية من اللّه، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه، أيها الناس، إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به؛ فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه، حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء، فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته، وأستغفر اللّه لي ولكم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد، خرج يومئذ من بين صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى.
وعن أبي عثمان الليثي، قال يزيد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي ﵀ يقول: لما ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان.
ولم يمتّع يزيد بالخلافة، بل مات من عامه في سابع ذي الحجة، فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وقيل: ستا وأربعين سنة، ويقال: إنه مات بالطاعون.
[ ٢٦٨ ]