﵁ واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسم زيد بن كلاب بن بمرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة، أبو الحسن، وأبو تراب، كناه بها الرسول ﷺ وأمه فاطمة بنت أسد بن هشام، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، قد أسلمت وهاجرت.
وعلي ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين ﵂ وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله ﷺ، وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو أول خليفة من بني هاشم، وأبو السبطين، أسلم قديما، بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن الأرقم وسليمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه.
وأخرج أبو يعلى عن علي ﵁ قال: بعث الرسول ﷺ يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، وقيل: دون ذلك، قال الحسن بن زيد بن الحسن: ولم يعبد الأوثان قط لصغره، أخرجه ابن سعد (^٢).
ولما هاجر ﷺ إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي ﷺ، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي ﷺ استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأعطاه النبي ﷺ اللواء في مواطن كثيرة، وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليا يوم أحد ست عشرة ضربة، وثبت في الصحيحن: أنه ﷺ أعطاه الراية في يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه (^٣) وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة.
وكان علي شيخا سمينا، أصلع، كثير الشعر، ربعة إلى القصر (^٤) عظيم البطن، عظيم اللحية جدا، قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن، آدم شديد الأدمة.
وقال جابر بن عبد الله: حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه.
_________________
(١) تولى الخلافة ٣٥ هـ وحتى ٤٠ هـ.
(٢) أخرجه أبو يعلى "٤٤٦/ ١"، وابن سعد "٥٥/ ٢".
(٣) أخرجه البخاري "٢٩٤٢/ ٦"، ومسلم "٢٤٠٥/ ٤".
(٤) رجل ربعة: أي مربوع الخلق لا طويل ولا قصير. مختار الصحاح "٢٣٠".
[ ١٣٠ ]
ففتحوها، وإنهم جروه بعد ذلك، فلم يحمله إلا أربعون رجلا، أخرجه ابن عساكر.
وأخرج ابن إسحاق في المغازى وابن عساكر عن أبي رافع، أن عليا تناول بابا عند الحصن حصن خيبر فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا، ثم ألقاه، فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه.
وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد قال: إن كان أحب أسماء علي ﵁ إليه أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى به، وما سماه أبا تراب إلا النبي ﷺ وذلك أنه غاضب يوما فاطمة فخرج، فاضطجع إلى الجدار في المسجد، فجاءه النبي ﷺ وقد امتلأ ظهره ترابا فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب" (^١).
روي له عن الرسول ﷺ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا.
روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى، وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وخلائق من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
فصل: في الأحاديث الواردة في فضله
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب الرسول ﷺ من الفضائل ما ورد لعلي ﵁ أخرجه الحاكم.
وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي" (^٢). أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، والطبراني من حديث أسماء بنت قيس، وأم سلمة، وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عباس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم.
وأخرجا عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية (^٣). يدكون: أي يخوضون ويتحدثون.
وقد أخرج هذا الحديث الطبراني من حديث ابن عمر، وعلي، وابن أبي ليلى وعمران بن حصين، والبزار من حديث ابن عباس.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد "ح ٨٥١".
(٢) أخرجه البخاري "٧/ ٣٧٠٦"، ومسلم "٣١/ ٤ فضائل صحابة"، وأحمد "١٧٣/ ١".
(٣) أخرجه البخاري "٣٧٠١/ ٧"، ومسلم "٢٤٠٦/ ٤".
[ ١٣١ ]
وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، حسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" (^١).
وأخرج الترمذي عن أبي سريحة، وأبو زيد بن الأرقم، عن النبي ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (^٢).
وأخرجه أحمد عن علي، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وعمرو ذي مر، وأبو يعلى عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وأنس، والبزار عن ابن عباس، وعمارة، وبريدة، وفي أكثرها زيادة: "اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه".
ولأحمد عن الطفيل قال: جمع على الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه".
وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم"، قيل يا رسول الله سمهم لنا؟ قال: "علي منهم -يقول ذلك ثلاثا- وأبو ذر، والمقداد، وسلمان" (^٣).
وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "علي مني، وأنا من علي" (^٤).
وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله ﷺ: "أنت أخي في الدنيا والآخرة".
وأخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق (^٥).
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا.
_________________
(١) أخرجه مسلم "٣٢/ ٤ فضائل صحابة".
(٢) أخرجه الترمذي "٣٧١٣/ ٥"، وقال أبو عيسى: حسن صحيح.
(٣) أخرجه الترمذي "٣٧١٨/ ٥"، والحاكم "١٣٠/ ٣"، وقال أبو عيسى: حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الذهبي: ما خرج مسلم لأبي ربيعة.
(٤) أخرجه الترمذي "٣٧١٩/ ٥"، والنسائي في الكبرى "٨٤٥٤/ ٥"، وابن ماجه "١١٩/ ١"، وقال أبو عيسى: حسن غريب.
(٥) أخرجه مسلم "٧٨/ ١".
[ ١٣٢ ]
وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا مدينة العلم، وعلي بابها". هذا حديث حسن على الصواب، لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات.
وأخرج الحاكم وصححه عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء، فضرب صدري بيده ثم قال: "اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فوالذي فلق الحبة ما شككت في القضاء بين اثنين".
وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له: مالك أكثر أصحاب رسول الله ﷺ حديثا؟ قال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني.
وأخرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب: عي أقضانا.
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود ﵄ قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: إذا حدثنا ثقة عن علي فتيا لا نعدوها.
وأخرج عن سعيد ابن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن.
وأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلا علي.
وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب.
وأخرج عن عائشة ﵂: أن عليا ذكر عندها، فقالت: أما إنه أعلم من بقي بالسنة.
وقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله ﵃.
وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام والعهد برسول الله ﷺ والفقه في السنة والنجدة في الحرب، والجود في المال.
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "الناس من شجر شتى وأنا وعلي من شجرة واحدة" (^١).
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلا وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط "ح ٤١٦٢".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير "١١٦٨٧/ ١١".
[ ١٣٣ ]
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية.
وأخرج البزار عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "لا يحل لأحد أن يجنب في المسجد غيري وغيرك".
وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلمه إلا علي.
وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال: "النظر إلى علي عبادة" (^١). إسناده حسن، وأخرجه الطبراني، والحاكم أيضا من حديث عمران بن حصين.
وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل، وأنس، وثوبان، وجابر بن عبد الله، وعائشة ﵃.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثماني عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة.
وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم، فسئل وما هن؟ قال: تزوجه ابنته فاطمة، وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر.
وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه.
وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي، وتفل في عيني، يوم خيبر حين أعطاني الراية (^٢).
وأخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص: قال رسول الله ﷺ: "من آذى عليا فقد آذاني".
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ قال: "من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله" (^٣).
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن أم سلمة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "من سب عليا فقد سبني" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير "١٠٠٠٦/ ١٠"، والحاكم "١٤٢/ ٣"، وقال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده "٩٩، ٧٨/ ١"، وأبو يعلى "٥٩٣/ ١".
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير "٩٠١/ ٢٣".
(٤) أخرجه أحمد "٣٢٣/ ٦"، والحاكم "١٢١/ ٣"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ١٣٤ ]
وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "إنك تقاتل على القرآن كما قاتلت على تنزيله".
وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي، قال: دعاني رسول الله ﷺ: "يا علي إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به". ألا وإنه يهلك في اثنين: محب مفرط يفرطني بما ليس في، مبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني.
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولا يفترقان حتى يردا على الحوض" (^١).
وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال لعلي: "أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه -يعني: قرنه- حتى تبتل منه هذه من الدم، يعني: لحيته". وقد ورد ذلك من حديث علي، وصهيب، وجابر بن سمرة، وغيرهم.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال: "لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخيشن في ذات الله، أو سبيل الله" (^٢).
فصل: في مبايعة علي ﵁ بالخلافة وما نشأ عن ذلك
قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة ﵃ وقال: إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة وعائشة ﵂ بها، فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق، فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم، وهي وقعة الجمل، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا، وأقام علي بالبصرة خمس عشرة ليلة، ثم انصرف إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ عليا فسار إليه، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين، فحكم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح، فينظروا في أمر الأمة فافترق الناس، ورجع معاوية إلى الشام، وعلي إلى الكوفة، فخرجت عليه الخوراج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء، فبعث إليهم ابن عباس، فخاصمهم
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط "ح ٤٨٧٨".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك "١٣٤/ ٣"، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ١٣٥ ]
وحجهم، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبيل، فسار إليهم على فقتلهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثدية، ذلك سنة ثمان وثلاثين، اجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه، فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية، وبايع له، فتفرق الناس على هذا، وصار علي في خلاف مع أصحابه حتى صار يعض علي أصبعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية؟
وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان، ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، فاستيقظ علي سحرا، فقال لابنه الحسن، رأيت الليلة رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: "ادع الله عليهم"، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، ودخل ابن الذباح المؤذن على علي، فقال: الصلاة، فخرج علي من الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فاعترضه ابن ملجم، فضربه بالسيف، فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فشد عليه الناس من كل جانب، فأمسك وأوثق، وأقام علي الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا، ثم قطعت أطراف ابن ملجم، وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار.
وهذا كله كلام ابن سعد، وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع، ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره؛ لأن هذا هو اللائق بهذا المقام، قال ﷺ: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا". وقال: "بحسب أصحابي القتل" (^١).
وفي المستدرك (^٢) عن السدي، قال: كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم، وقتل علي، وفي ذلك قال الفرزدق:
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
_________________
(١) أخرجه ابن سعد "٦٦/ ٢".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك "١٤٣/ ٣".
[ ١٣٦ ]
قال أبو بكر بن عياش: عمى قبر علي لئلا ينبشه الخوارج.
وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة.
وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حول من قبر إلى قبر علي ﵁.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما قتل علي بن أبي طالب ﵁ حملوه ليدفنوه مع الرسول ﷺ فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ند (^١) الجمل الذي هو عليه، فلم يدر أين ذهب؟ ولم يقدر عليه، قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب، وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيئ فأخذوه فدفنوه.
وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة، وقيل: أربع وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون، وكان له تسع عشرة سرية.
فصل: في نبذ من أخبار علي وقضاياه وكلماته ﵁
قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، حدثني شيخ من فزارة: سمعت عليا يقول: الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورثه من قبل مباله، وقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي مثله.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله ﷺ إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي ﷺ في ذلك فلا، والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أياما وليالي، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: "أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس"، فلما قبض الله نبيه ﷺ نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله ﷺ لديننا، وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدين، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بسنة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر،
_________________
(١) أي: شرد وذهب على وجهه ومنه: "فند بعير منها". النهاية "٣٥/ ٥".
[ ١٣٧ ]
ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى عمر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي الحدود بسوطي، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن ألا يعدل بي، ولكن خشى ألا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط ظننت ألا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعلي رجلان في خصومة، فجلس في أصل جدار، فقال له رجل: الجدار يقع، فقال علي: امض، كفى بالله حارسا، فقضى بينهما، فقام، ثم سقط الجدار.
وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب: نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي: أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدى الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله.
وأخرج عبد الرزاق عن حجر المدري قال: قال لي علي بن أبي طالب: كيف بك إذا أمرت أن تلعنني؟ قال: وكائن ذلك؟ قال: نعم، قلت: فكيف أصنع؟ قال: العني ولا تبرأ مني، قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميرا على اليمن، أن ألعن عليا، فقلت: إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه، لعنه الله، فما فطن لها إلا رجل.
وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل (^١) عن زاذان: أن عليا حدث بحديث فكذبه رجل، فقال له علي: أدعو عليك إن كانت كاذبا؟ قال: ادع فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره.
وأخرج عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط "ح ١٨١٢".
[ ١٣٨ ]
الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل، فسلم، فقالا: اجلس وتغد، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال خذاها عوضا مما أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي، فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: والله لا رضيت عنه إلا بمر الحق، فقال علي: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة دراهم، فقال الرجل سبحان الله قال: هو ذلك، قال: فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل؟ فتحملون في أكلكم على السواء، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، وأكل منها ثمانية، وبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحدة من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرجل رضيت الآن.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء قال: أتي علي برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق، فأخذ في شيء من أمور الناس، وتهدد شهود الزور، وقال: لا أوتي بشاهد زور، إلا فعلت به كذا وكذا، ثم طلب الشاهدين، فلم يجدهما فخلى سبيله.
وقال عبد الرزاق في المصنف: حدثنا الثوري، عن سليمان الشيباني، عن رجل، عن علي: أنه أتي برجل، فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمي، فقال: اذهب فأقمه بالشمس، فاضرب ظله.
وأخرجه ابن عساكر عن طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن خاتم علي بن أبي طالب كان من ورق نقشه: نعم القادر الله.
وأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم علي: الملك لله.
وأخرج عن المدائني قال: لما دخل على الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة، ومازانتك، ورفعتها ومارفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
وأخرج عن مجمع: أن عليا كان يكنس بيت المال، ثم صلى فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، حدثنا أبو الحاتم السجستاني، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سلم الباهلي، حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي، أو قال: عن جدي أبي الأسود عن أبيه، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فرأيته مطرقا مفكرا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أصنع كتابا
[ ١٣٩ ]
في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، وبقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد ثلاثة، فألقى إلي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: الكلمة: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم: ما أنبأ عن المسمى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر، ولا مضمر، قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها: إن، أن، وليت، ولعل، وكأن، لم أذكر لكن فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها فقال: بل هي منها فزدها فيها.
وأخرج ابن عساكر عن ربيعة بن ناجد قال: قال علي: كونوا في الناس كالنحلة في الطير، إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب.
وأخرج عن علي قال: كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل؟
وأخرج عن يحيى بن جعدة قال: قال علي بن أبي طالب: يا حملة القرآن اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله.
وأخرج عن علي قال: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العجب.
وأخرج عن الحارث قال: جاء رجل إلى علي فقال: أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق مظلم لا تسلكه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: بحر عميق لا تلجه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: يا أيها السائل إن الله خلقك لما شاء أو لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال: فيستعملك لما شاء.
وأخرج عن علي قال: إن للنكبات نهايات ولابد أحد إذا نكب من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها.
وأخرج عن علي أنه قيل له: ما السخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم.
وأخرج عن علي: أنه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه، وكان قد بلغه عنه قبل ذلك، فقال له علي: إني لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
[ ١٤٠ ]
وأخرج عن علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنقص في اللذة، قيل: وما النقص في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلالا إلا جاءه ما ينغصه إياها.
وأخرج عن علي بن ربيعة أن رجلا قال لعلي: ثبتك الله -وكان يبغضه- قال علي: على صدرك.
وأخرج عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة:
وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁:
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق بهمها الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الضر وجه … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث … يجيء به القريب المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل:
فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى … حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذ ما هو ما شاه
وللشيء من الشيء … مقاييس وأشباه
قياس النعل بالنعل … إذا ما هو حاذاه
وأخرج عن المبرد قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب ﵁:
للناس حرص على الدنيا بتدبير … وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل بعدما قسمت … لكنهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا تساعده؟ … وأحمق نال دنياه بتقصير
لو كان عن قوة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير
وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول:
ولا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال … لا يدعون أديما صحيحا
وأخرج عن عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك فقال له علي: يا بني احفظ عني أربعا وأربعا، قال: وما هن يا أبت؟ قال: أغنى الغنى: العقل، وأكبر الفقر: الحمق، وأوحش الوحشة: العجب، وأكرم الكرم: حسن
[ ١٤١ ]
الخلق، قال فالأربع الأخرى؟ قال: إياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه.
وأخرج ابن عساكر عن علي أنه أتاه يهودي فقال له: متى كان ربنا؟ فتمعر وجه علي وقال: لم يكن فكان، هو كان ولا كينونة، كان بلا كيف، كان ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه، فهو غاية كل غاية. فأسلم اليهودي.
وأخرج الدراج في جزئه المشهور بسند مجهول عن ميسرة عن شريح القاضي قال: لما توجه علي إلى صفين افتقد درعا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي لم أبع ولم أهب، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال: نصير إلى القاضي، فتقدم علي فجلس إلى جنب شريح وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصغروهم من حيث أصغرهم الله". فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي لم أبع ولم أهب، فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، فقال شريح: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي، فقال شريح شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا هو الحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وإن الدرع درعك.
فصل
وأما كلامه في تفسير القرآن فكثير، وهو مستوفي في كتابنا: التفسير المسند بأسانيده، وقد أخرج ابن سعد عن علي قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا صادقا ناطقا (^١).
وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل، قال علي: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل (^٢).
وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي رسول الله ﷺ أبطأ علي عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت ألا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة، حتى أجمع القرآن، فزعموا أنه كتبه على تنزيله، فقال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه علم.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٦/ ٢".
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٦/ ٢".
[ ١٤٢ ]
فصل: في نبذ من كلماته الوجيزة والمختصرة البديعة
قال علي ﵁: الحزم سوء الظن. أخرجه أبو الشيخ وابن حبان،
وقال: القريب: من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد: من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإن اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت، أخرجه أبو نعيم.
وقال: خمس خذوهن عني: لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من لا يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، أخرجه سعيد بن منصور في سننه.
وقال: الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا علم لا فهم معه ولا قراءة لا تدبر فيها، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن.
وقال: وأبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: الله أعلم. أخرجه ابن عساكر.
وقال: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه، أخرجه ابن عساكر.
وقال: سبع من الشيطان: شدة الغضب، وشدة العطاس، وشدة التثاؤب، والقيء، والرعاف، والنجوى، والنوم عند الذكر.
وقال: كلوا الرمان بشحمه، فإنه دباغ المعدة. أخرجه الحاكم في التاريخ.
وقال: يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة. أخرجه سعيد بن منصور.
ولأبي الأسود الدؤلي يرثي عليا ﵁:
ألا يا عين ويحك أسعدينا … ألا تبكي أمير المؤمنينا
وتبكي أم كلثوم عليه … بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا … فلا قرت عيون الحاسدينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا … بخبر الناس طرا أجمعينا؟
قتلتم خير من ركب المطايا … وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا
وكل مناقب الخيرات فيه … وحب رسول رب العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت … بأنك خيرهم حسبا ودينا
[ ١٤٣ ]
إذا استقبلت وجه أبي حسين … رأيت البدر فوق الناظرينا
وكنا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الحق لا يرتاب فيه … ويعدل في العدى والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه … ولم يخلق من المتكبرينا
كأن الناس إذا فقدوا عليا … نعام حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخر … فإن بقية الخلفاء فينا
فصل: فيمن مات في زمانه من الأعلام
مات في أيام علي من الأعلام موتا وقتلا: حذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام، وطلحة، وزيد بن صوحان، وسلمان الفارسي، وهند بن أبي هالة، وأويس القرني، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وصهيب الرومي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وتميم الداري، وخوات بن جبير، وشرحبيل بن المسمط، وأبو ميسرة البدري، وصفوان بن عسال، وهشام بن حكيم، وأبو رافع مولى النبي ﷺ وآخرون.
الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ (^١)
الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁: أبو محمد، سبط رسول الله ﷺ وريحانته وآخر الخلفاء بنصه.
أخرجه ابن سعد عن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة ما سمت العرب بهما في الجاهلية.
ولد الحسن ﵁ في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وروي له عن النبي ﷺ أحاديث، وروت عنه عائشة ﵂ وخلائق من التابعين، منهم: ابنه الحسن، وأبو الحوراء ربيعة بن سنان، والشعبي، وأبو وائل، وابن سيرين.
وكان شبيها للنبي ﷺ سماه النبي ﷺ الحسن، وعق عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، وهو خامس أهل الكساء.
قال أبو أحمد العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية.
وقال المفضل: إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى بهما النبي ﷺ ابنيه.
وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ الحسن بن علي (^٢).
وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ والحسن على عاتقه وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" (^٣).
_________________
(١) تولى الخلافة ٤٠ هـ وحتى ٤١ هـ.
(٢) أخرجه البخاري "٣٧٥٢/ ٧".
(٣) أخرجه البخاري "٣٧٤٩/ ٧"، ومسلم "٤٤٢٢/ ٤".
[ ١٤٤ ]
وأخرج البخاري عن أبي بكر قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جانبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" (^١).
وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: "هما ريحانتاني من الدنيا" (^٢). يعني: الحسن والحسين.
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "الحسن والحسن سيدا شباب أهل الجنة" (^٣).
وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ والحسن والحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما".
وأخرج عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ: أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: "الحسن والحسين".
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي ﷺ وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال الرسول ﷺ: "ونعم الراكب هو".
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال: أشبه أهل النبي ﷺ به وأحبهم إليه الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته، أو قال: ظهره، فما ينزله حتى يكون هو الذي نزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله يدلع لسانه للحسن بن علي، فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه.
وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام رجل من أزد شنوءة فقال: أشهد لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته وهو يقول: "من أحبني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب". ولولا كرامة رسول الله ﷺ ما حدثت به أحدا" (^٤).
وكان الحسن ﵁ له مناقب كثيرة، سيدا، حليما، ذا سكينة ووقار وحشمة، جوادا، ممدوحا، يكره الفتن والسيف، تزوج كثيرا، وكان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف.
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا، وإن النجائب (^٥) لتقاد معه (^٦).
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إذا تكلم ألا
_________________
(١) أخرجه البخاري "٣٧٤٦/ ٧".
(٢) أخرجه البخاري "٣٧٥٣/ ٧".
(٣) أخرجه الترمذي "٣٧٨١/ ٥"، وقال: حديث حسن غريب، والحاكم في مستدركه "١٦٧/ ٣".
(٤) أخرجه الحاكم "١٧٤/ ٣".
(٥) جمع نجيبة، وهي الناقة الكريمة الحسيبة. القاموس المحيط "١٣٥/ ١".
(٦) أخرجه الحاكم "١٦٩/ ٣".
[ ١٤٥ ]
يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في الأرض، فعرض الحسن أمرا لم يرضه عمرو، فقال الحسن، فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، قال: فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه.
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميرا علينا، فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر، وحسن يسمع فلا يرد شيئا، ثم أرسل إليه رجلا يقول له: بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة، يقال لها: من أبوك؟ فتقول: أمي الفرس، فقال الحسن: ارجع إليه فقل له: إني والله لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن أسبك ولكن موعدي وموعدك الله فإن كنت صادقا جزاك الله بصدقك وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة.
وأخرج ابن سعد عن زريق بن سوار قال: كان بين الحسن وبين مروان كلام، فأقبل عليه مروان، فجعل يغلظ له، والحسن ساكت فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك أما علمت أن اليمين للوجه، والشمال للفرج، أف لك فسكت مروان.
وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل قال: جلس رجل إلى الحسن، فقال: إنك جلست إلينا على حين قيام منها، أفتأذن؟
وأخرج ابن سعد عن علي بن زيد بن جدعان قال: أخرج الحسن من ماله لله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا.
وأخرج ابن سعد عن علي بن الحسين: قال: كان الحسن مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه، وأحصن تسعين امرأة.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: كان الحسن يتزوج ويطلق، حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال علي: يا أهل الكوفة، لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، فقال رجل من همدان والله لنزوجنه، فما رضي أمسك وما كره طلق.
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن حسن، قال: كان الحسن رجلا كثير نكاح النساء، وكن قلما يحظين عنده، وكان قل امرأة تزوجها إلا تحبه وصبت إليه.
وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل.
وأخرج ابن عساكر عن المبرد قال: قيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له، وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.
[ ١٤٦ ]
مبايعة الحسن بالخلافة
ولي الحسن ﵁ الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة، فأقام فيها ستة أشهر وأياما، ثم سار إليه معاوية، والأمر إلى الله، فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه، على أن تكون له الخلافة من بعده، وعلى ألا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه، وعلى أن يقضي ديونه، فأجاب معاوية إلى ما طلب، فاصطلحا على ذلك فظهرت المعجزة النبوية في قوله ﷺ: "يصلح الله به بين فئتين من المسلمين" ونزل له عن الخلافة، وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة، التي هي أعظم المناصب، على جواز النزول عن الوظائف، وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين، في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار، وقال له رجل السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك. ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها.
وأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد ﷺ ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز (^١).
وفاته
توفي الحسن ﵁ بالمدينة مسموما، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دس إليها يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه، فلم يخبره، وقال: الله أشد نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله بريء.
وأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال: رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوبا: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فاستبشر به أهل بيته، فقصوها على سعيد بن المسيب، فقال: إن صدقت رؤياه فقل ما بقي من أجله، فما بقي إلا أيام حتى مات.
وأخرج ابن عساكر والبيهقي عن طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه قال: أضاق الحسن بن علي، وكان عطاؤه في كل سنة مائة ألف، فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين فأضاق إضاقة شديد، قال: فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي، ثم أمسكت فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: كيف أنت يا حسن؟ فقلت: بخير يا أبت،
_________________
(١) أخرجه الحاكم "١٧٠/ ٣"، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١٤٧ ]
وشكوت إليه تأخر المال عني، فقال: أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك؟ فقلت: نعم يا رسول الله، فكيف أصنع؟ فقال: قل: اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك، اللهم وما ضعفت عنه قوتي، وقصر عنه عملي، ولم تنته إليه رغبتي، ولم تبلغه مسألتي، ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين، قال: فوالله ما ألححت به أسبوعا حتى بعث إلي معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف، فقلت الحمد الله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: يا حسن كيف أنت؟ فقلت بخير يا رسول الله، وحدثته بحديثي، فقال: يا بني هكذا من رجا الخالق، ولم يرج المخلوق.
وفي الطيوريات عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال: لما حضرت الحسن الوفاة جزع فقال له الحسين: يا أخي ما هذا الجزع؟ إنك ترد على رسول الله ﷺ وعلى علي وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك، فقال له الحسن: أي أخي إني داخل في أمر من أمر الله تعالى لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط.
قال ابن عبد البر: وروينا من وجوه أنه لما احتضر قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر، فصرف الله عنه ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلم قتل عثمان بويع علي، ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخلفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت من عائشة ﵂ أن أدفن مع رسول الله ﷺ فقالت: نعم، فإذا مت فاطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم فلما مات أتى الحسين إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة، ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه ﵂.
[ ١٤٨ ]