عمر بن الخطاب: بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمير المؤمنين، أبو حفص، القرشي، العدوي، الفاروق.
أسلم في السنة السادسة من النبوة، وله سبع وعشرون سنة، قاله الذهبي.
وقال النووي: ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا، أي: رسولا، وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرا أو مفاخرا.
وأسلم قديما بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون.
قال: وهو أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار النبي ﷺ وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.
روي له عن النبي خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا.
روى عنه عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي ذر، وعمرو بن
_________________
(١) تولى الخلافة سنة ١٣ هـ، وحتى ٢٣ هـ.
[ ٨٩ ]
عبسة، وابنه عبد الله، وابن الزبير، وأنس، وأبو هريرة، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، وخلائق آخرون من الصحابة وغيرهم ﵃.
أقول: وأنا ألخص هنا فصولا فيها جملة من الفوائد تتعلق بترجمته.
فصل: في الأخبار الواردة في إسلامه
أخرج الترمذي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل ابن هشام" (^١). أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس ﵄.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة" (^٢). وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان.
وأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش، فقرأ: ﴿إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ [الحاقة: (٤٠)، ٤١] الآيات، فوقع في قلبي الإسلام كل موقع (^٣).
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: كان أول إسلام عمر أن عمر قال: ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت، فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي ﷺ فدخل الحجر وعليه بتان، وصلى لله ما شاء الله، ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج، فاتبعته، فقال: "من هذا؟ " فقلت: عمر، فقال: "يا عمر! ما تدعني لا ليلا ولا نهارا؟ " فخشيت أن يدعو علي، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: "يا عمر! أسره"، قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.
وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس ﵁ قال: خرج عمر متقلدا سيفه، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال: ما أراك إلى قد صبأت، قال: أفلا أدلك على العجب؟! إن ختنك (^٤) وأختك قد صبئا وتركا
_________________
(١) أخرجه الترمذي "٣٦٨١/ ٥"، والطبراني في الكبير "١٠٣١٤/ ١٠"، وقال أبو عيسى: حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك "٨٣/ ٣"، والطبراني في الأوسط "ح ١٧٧١"، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه أحمد في المسند "١٧/ ١".
(٤) الختن: يطلق على أبي الزوجة، والأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرجل. النهاية "١٠/ ٢".
[ ٩٠ ]
دينك، فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب، فلما سمع بحس عمر توارى بالبيت، فدخل، فقال: ما هذه الهينمة (^١)؟ وكانوا يقرءون طه، قالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبأتما، فقال له ختنه: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، فوثب عليه عمر، فوطأه وطأ شديدا، فجاءت أخته، لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيد، فدمي وجهها، فقالت، وهي غضبى: وإن كان الحق في غير دينك، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم، فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت أخته: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه حتى انتهى إلى: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج، فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخمس: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام". وكان رسول الله ﷺ في أصل الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار، وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، قال: والنبي ﷺ داخل يوحى إليه، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: "ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة"، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله (^٢).
وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة (^٣) في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال: عجبا لك يابن الخطاب! إنك تزعم إنك وإنك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت، فرجعت مغضبا حتى قرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: عمر، فتبادروا فاختفوا مني، وقد كانوا يقرءون صحيفة بين أيديهم، تركوها ونسوها، فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا عدوة نفسها أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها، فسال الدم وبكت، فقالت: يابن الخطاب! ما كنت فاعلا فافعل، فقد صبأت، قال: ودخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت: ما هذا؟ ناولينيها، قالت: لست من أهلها إنك لا تطهر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها: ﴿سبح لله ما في السموات وما في
_________________
(١) الهينمة: الكلام الخفي الذي لا يفهم والياء زائدة. النهاية "٢٩٠/ ٥".
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٣٣/ ٢"، وأبو يعلى "٣٢٧٥/ ٤"، والحاكم في المستدرك "٨٣/ ٣"، والبيهقي في الدلائل "٢١٩/ ٢".
(٣) هي اشتداد الحر نصف النهار. النهاية "٢٤٦/ ٥".
[ ٩١ ]
الأرض﴾ [الصف: ١] فذعرت، فقرأت إلى: ﴿بالله ورسوله﴾ [الصف: ١١] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فخرجوا إلي مبادرين وكبروا وقالوا: أبشر فقد دعا رسول الله ﷺ يوم الاثنين فقال: "اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك: إما أبو جهل ابن هشام وإما عمر". ودلوني على النبي ﷺ في بيت في أسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا: من؟ قلت: ابن الخطاب، وقد علموا شدتي على رسول الله ﷺ فما اجترأ أحد على فتح الباب حتى قال رسول الله ﷺ: "افتحوا له". ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا النبي ﷺ فقال: "خلوا عنه"، ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال: "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهده". فشهدت، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة، وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء. فجئت إلى خالي أبي جهل وكان شريفا فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب وقد صبأت، فقال: لا تفعل، ثم دخل وأجاف الباب دوني؛ فقلت: ما هذا بشيء.
فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته، فخرج إلي، فقلت له مثل مقالتي لخالي، فقال لي مثل ما قال لي خالي فدخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء إن المسلمون يضربون ولا أضرب، فقال لي رجل:
أتحب أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم، قال: فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانا -لرجل لم يكن يكتم السر- فقل بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه قال: أو قد فعلت،
فقال: بأعلى صوته إن ابن لخطاب قد صبأ فبادروا إلي فمازلت أضربهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبأ، فقام على الحجر فأشار بكمه ألا إني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته، فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فقلت: جوارك رد عليك، فمازلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام (^١).
وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: سألت عمر ﵁ لأي شيء سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، فخرجت إلى المسجد فأسرع أبو جهل إلى النبي ﷺ يسبه، فأخبر حمزة، فأخذ قوسه وخرج إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل، فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل، فنظر إليه فعرف أبو جهل الشر في وجهه، فقال: مالك يا أبا عمارة؟ فرفع القوس فضرب بها أخدعه (^٢) فقطعه، فسالت الدماء، فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر، قال: ورسول الله ﷺ مختف في دار الأرقم المخزومي فانطلق حمزة فأسلم فخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا
_________________
(١) أخرجه البزار "١٧٤٨/ ٥"، والطبراني في الأوسط "ح ٤٧٤٩"، وأبو نعيم في الحلية "٤١/ ١"، والبيهقي في الدلائل "٢١٦/ ٢ - ٢١٩".
(٢) الأخدع: عرق في جانب العنق ويقابله عرق آخر في الجانب الآخر. النهاية "١٤/ ٢".
[ ٩٢ ]
فلان المخزومي، فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ فقال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني، قلت: ومن هو؟ قال: أختك وختنك، فانطلقت، فوجدت الباب مغلقا، وسمعت همهمة ففتح لي الباب، فدخلت، فقلت: ما هذا الذي أسمع عندكم؟ قالوا: ما سمعت شيئا، فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني، فضربته ضربة فأدميته، فقامت إلي أختي فأخذت برأسي، وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييت حين رأيت الدماء، فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب، فقالت أختي: إنه لا يمسه إلا المطهرون، فإن كنت صادقا فقم واغتسل، فقمت واغتسلت وجئت فجلست فأخرجوا إلي صحيفة فيها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقلت: أسماء طيبة طاهرة: ﴿طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ [طه: ١، ٢] إلى قوله: ﴿له الأسماء الحسنى﴾ قال: فتعظمت في صدري، وقلت: من هذا فرت قريش، فأسلمت وقلت: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: فإنه في دار الأرقم، فأتيت الدار، فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر، قال: وإن كان عمر، افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج فتشهد عمر، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة، قلت: يا رسول الله ﷺ ألسنا على حق؟ قال: "بلى" قلت: ففيم الإخفاء؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، لم يصبهم من قبل مثلها، فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذ؛ لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل (^١).
وأخرج ابن سعد عن ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي ﷺ.
وأخرج ابن ماجه والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: لما أسلم عمر نزل جبريل، فقال: يا محمد! لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر (^٢).
وأخرج البزار والحاكم وصححه ابن عباس ﵄ قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا، وأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤].
وأخرج البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (^٣).
وأخرج ابن سعد والطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية "٤٠/ ١".
(٢) أخرجه ابن ماجه "١٠٣/ ١"، والحاكم في المستدرك "٨٤/ ٣"، وقال الحاكم: صحيح، وقال الذهبي: عبد الله ضعفه الدارقطني.
(٣) أخرجه البخاري "٣٦٨٤/ ٧".
[ ٩٣ ]
أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا (^١).
وأخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة: قال: لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا (^٢).
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب. إسناده صحيح حسن.
وأخرج ابن سعد عن صهيب قال: لما أسلم عمر ﵁ أظهر الإسلام ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
وأخرج ابن سعد عن أسلم مولى عمر قال: أسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة، وهو ابن ست وعشرين سنة.
فصل: في هجرته ﵁
أخرج ابن عساكر عن علي قال: ما علمت أحدا هاجرمختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد.
وأخرج عن البراء ﵁ قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قال: هو على أثري، ثم قدم النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ معه.
قال النووي: شهد عمر مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وكان ممن ثبت معه يوم أحد.
فصل: في الأحاديث الواردة في فضله، غير ما تقدم في ترجمة الصديق ﵁
أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرا". فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٣٥/ ٢"، والطبراني في الكبير "٨٨٠٦/ ٩".
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٣١٤/ ٢"، والحاكم في المستدرك "٨٤/ ٣"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري "٣٦٨٠/ ٧"، ومسلم "٢٣٩٥/ ٤".
[ ٩٤ ]
وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم شربت -يعني اللبن- حتى أنظر الري يجري في أظافري ثم ناولته عمر" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم" (^١).
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره"، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "الدين" (^٢).
وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي ﷺ: "يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك" (^٣).
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" (^٤) أي ملهمون.
وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". قال ابن عمر: وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر (^٥).
وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: قال النبي ﷺ: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" (^٦). وأخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري، وعصمة بن مالك، وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر.
وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: "إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر" (^٧).
وأخرج ابن ماجه والحاكم عن أبي بن كعب قال: قال النبي ﷺ: "أول من يصافحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخل الجنة" (^٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري "٣٦٨١/ ٧"، ومسلم "٢٣٩١/ ٤".
(٢) أخرجه البخاري "٣٦٩١/ ٧"، ومسلم "٢٣٩٠/ ٤".
(٣) أخرجه البخاري "٣٦٨٣/ ٧"، ومسلم "٢٣٩٠/ ٤".
(٤) أخرجه البخاري "٣٦٨٩/ ٧".
(٥) أخرجه الترمذي "٣٦٨٢/ ٥". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، من هذا الوجه.
(٦) أخرجه الترمذي "٣٦٨٦/ ٥"، والحاكم في المستدرك "٨٥/ ٣". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شرح بن هاعان، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٧) أخرجه الترمذي "٣٦٩١/ ٥"، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٨) أخرجه ابن ماجه "١٠٤/ ١"، والحاكم في المستدرك "٨٤/ ٣"، سكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: موضوع وفي إسناده كذاب.
[ ٩٥ ]
وأخرج ابن ماجه والحاكم عن أبي ذر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به" (^١).
وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وأخرجه الطبراني من حديث عمر بن الخطاب، وبلال، ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة ﵃ وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر (^٢).
وأخرج ابن منيع في مسنده عن علي ﵁ قال: كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر.
وأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: "عمر سراج أهل الجنة"، وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي هريرة، والصعب بن جثامة.
وأخرج البزار عن قدامة بن مظعون، عن عمه عثمان بن مظعون، قال: قال النبي ﷺ: "هذا غلق (^٣) الفتنة"، وأشار بيده إلى عمر، "لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم".
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: أقرئ عمر السلام، وأخبره أن غضبه عز، ورضاه حكم (^٤).
وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان يفرق (^٥) من عمر"
وأخرج أحمد من طريق بريدة أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان ليفرق منك يا عمر" (^٦).
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق عمر".
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إن الله باهى بأهل عرفة عامة، وباهى بعمر خاصة" (^٧)، وأخرج في الكبير مثله من حديث ابن عباس ﵄.
وأخرج الطبراني والديلمي عن الفضل بن العباس قال: قال النبي ﷺ: "الحق بعدي مع عمر حيث كان" (^٨).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه "١٠٨/ ١"، والحاكم في المستدرك "٨٧/ ٣"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وقال الذهبي: على شرط مسلم.
(٢) أخرجه أحمد في المسند "٤٠١/ ٢"، والبزار "٦٦/ ٩ مجمع"، وقال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح غير الجهم بن أبي الجهم وهو ثقة.
(٣) الغلق بالتحريك: ضيق الصدر وقلة الصبر. النهاية "٣٨٠/ ٣".
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط "ح ٦٢٩٣".
(٥) أي: يخاف، والفرق بالتحريك: الخوف والفزع يقال: فرق يفرق فرقا. النهاية "٤٣٨/ ٣".
(٦) أخرجه أحمد في المسند "٣٥٣/ ٥".
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط "ح ١٢٧٣".
(٨) أخرجه الطبراني في الكبير "٣٨/ ٢٥ ط".
[ ٩٦ ]
وأخرج الشيخان عن ابن عمر، وأبي هريرة ﵁ قالا: قال النبي ﷺ: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب (^١) عليها دلو، فنزعت منها إلى ما شاء الله ثم أخذها أبو بكر فنزع ذنوبا (^٢) أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستقى، فاستحالت في يده غربا (^٣)، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى روى الناس، وضربوا بعطن" (^٤).
قال النووي في تهذيبه: قال العلماء: هذه إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر، وكثرة الفتوح، وظهوره الإسلام في زمن عمر.
وأخرج الطبراني عن سديسة قالت: قال النبي ﷺ: "إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه". وأخرجه الدارقطني في الإفراد من طريق سديسة عن حفصة.
وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب قال: قال النبي ﷺ: "قال لي جبريل: ليبك الإسلام على موت عمر".
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ: "من أبغض عمر فقد أبغضني، ومن أحب عمر فقد أحبني، وإن الله باهى بالناس عشية عرفة عامة، وباهى بعمر خاصة، وإنه لم يبعث الله نبيا إلا كان في أمته محدث، وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر". قالوا: يا نبي الله كيف محدث؟ قال: "تتكلم الملائكة على لسانه" (^٥) إسناده حسن.
فصل: في أقوال الصحابة والسلف فيه
قال أبو بكر الصديق ﵁: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلي من عمر، أخرجه ابن عساكر.
وقيل لأبي بكر في مرضه: ماذا تقول لربك وقد وليت عمر؟ أقول له وليت عليهم خيرهم، أخرجه ابن سعد.
وقال علي ﵁: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. أخرجه الطبراني في الأوسط.
وقال ابن عمر ﵁: ما رأيت أحدا قط بعد النبي ﷺ من حين قبض أحد ولا أجود من عمر، أخرجه ابن سعد.
_________________
(١) القليب: البئر التي لم تطو، ويذكر ويؤنث. النهاية "٩٨/ ٤".
(٢) أي: دلوا ملأى بالماء ولا يقال لها ذلك وهي فارغة. انظر مختار الصحاح "٢٢٤".
(٣) أي: تحولت دلوا عظيما وهي التي تتخذ من جلد الثور، فإذا فتحت الراء فهو الماء السائل بين البئر والحوض. النهاية "٣٤٩/ ٣".
(٤) أخرجه البخاري "٣٦٨٢/ ٧"، ومسلم "٢٣٩٣/ ٤".
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط "ح ٦٧٢٢".
[ ٩٧ ]
وقال ابن مسعود ﵁: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة ميزان لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم. أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم.
وقال حذيفة ﵁: كأن علم الناس كان مدسوسا في حجر عمر.
وقال حذيفة: والله ما أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر.
وقالت عائشة ﵂ -وذكرت عمر-: كان والله أحوذيا نسيجا وحده.
وقال معاوية ﵁: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن، أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات.
وقال جابر ﵁: دخل علي على عمر -وهو مسجى- قال: رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي ﷺ من هذا المسجى. أخرجه الحاكم.
وقال ابن مسعود ﵁: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله تعالى. أخرجه الطبراني والحاكم.
وسئل ابن عباس عن أبي بكر، فقال: كان كالخير كله، وسئل عن عمر، فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شوكا يأخذه، وسئل عن علي فقال: مليء عزما وحزما وعلما ونجدة. أخرجه في الطيوريات.
وأخرجه الطبراني عن عمير بن ربيعة أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد، قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم، قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة، قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون البلاء.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: فضل عمر بن الخطاب الناس بأربع: بذكر الأسرى يوم بدر، أمر بقتلهم فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية. [الأنفال: ٦٨] وبذكر الحجاب، أمرنساء النبي ﷺ أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنك علينا يابن بالخطاب والوحي ينزل علينا في بيوتنا، فأنزل الله: ﴿وإذا سألتموهن متاعا﴾ الآية. [الأحزاب: ٥٣] وبدعوة النبي ﵊: "اللهم أيد الإسلام بعمر". وبرأيه في أبي بكر، كان أول من بايعه (^١).
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كنا نحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر فلما أصيب بثت.
وأخرج عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى، فأتى امرأة في بطنها
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند "٤٥٦/ ١"، والبزار "١٧٨٤/ ٥"، والطبراني في الكبير "٨٨٢٨/ ٩".
[ ٩٨ ]
شيطان، فسألها عنه، فقالت: حتى يجيئني شيطاني، فجاء، فسألته عنه، فقال: تركته، مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصدقة، وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خر لمنخريه، الملك بين عينيه، وروح القدس ينطق بلسانه.
فصل
قال سفيان الثوري: من زعم أن عليا كان أحق بالولاية من أبي بكر وعمر فقد أخطأ وخطأ أبا بكر والمهاجرين والأنصار.
وقال شريك: ليس يقدم عليا على أبي بكر وعمر أحد فيه خير.
وقال أبو أسامة: أتدرون من أبو بكر، وعمر؟ هما أبو الإسلام وأمه.
وقال جعفر الصادق: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير.
فصل: في موافقات عمر ﵁
قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين.
أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.
وأخرج ابن عساكر عن علي قال: إن في القرآن لرأيا من رأي عمر.
وأخرج عن ابن عمر مرفوعا: ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.
وأخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك (^١).
وأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم، ففي هذا الحديث خصلة رابعة (^٢).
وفي التهذيب للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي مقام إبراهيم، وفي تحريم الخمر، فزاد خصلة خامسة، وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تحريمها.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس، قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع، نزلت هذه الآية: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ الآية. [المؤمنون: ١٢] فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري "٤٠٢/ ١".
(٢) أخرجه مسلم "٢٣٩٩/ ٤".
[ ٩٩ ]
فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة، وللحديث طريق آخر عن ابن عباس أوردته في التفسير المسند.
ثم رأيت في كتاب: فضائل الإمامين، لأبي عبد الله الشيباني قال: وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعا، فذكر هذه الستة.
وزاد سابعا: قصة عبد الله بن أبي، قلت: حديثها في الصحيح عنه، قال: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه، فقمت حتى وقفت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا؟ فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ الآية. [التوبة: ٨٤].
وثامنا: ﴿يسألونك عن الخمر﴾ الآية. [البقرة: ٢١٩].
وتاسعا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية. [النساء: ٤٣] قلت: هما مع آية المائدة خصلة واحدة، والثلاثة في الحديث السابق.
وعاشرا: لما أكثر رسول الله ﷺ من الاستغفار لقوم قال عمر: سواء عليهم، فأنزل الله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم﴾ الآية. [المنافقون: ٦] قلت: أخرجه الطبراني عن ابن عباس.
الحادي عشر: لما استشار ﵊ الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج، فنزلت: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ الآية. [الأنفال: ٥].
الثاني عشر: لما استشار ﵊ الصحابة في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول الله؟ قال: "الله"، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! فنزلت كذلك.
الثالث عشر: قصته في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه، وكان ذلك محرما في أول الإسلام فنزل: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ الآية. [البقرة: ١٨٧] قلت: أخرجه أحمد في مسنده.
الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ الآية. [البقرة: ٩٧] قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة، وأقربها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى: أن يهوديا لقي عمر، فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، فقال له عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين، فنزلت على لسان عمر.
الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ الآية. [النساء: ٦٥] قلت: أخرج قصتها ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فأتيا إليه، فقال الرجل: قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذاك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مشتملا (^١) عليه سيفه فضرب الذي
_________________
(١) أي: متجللا ومتوشحا به.
[ ١٠٠ ]
قال: ردنا إلى عمر، فقتله، وأدبر الآخر، فقال: يا رسول الله! قتل عمر-والله- صاحبي، فقال: "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن"، فأنزل الله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ الآية. [البقرة: ١٢٥] فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله، وله شاهد موصول أوردته في التفسير المسند.
السادس عشر: الاستئذان في الدخول، وذلك أنه دخل عليه غلامه، وكان نائما، فقال: اللهم حرم الدخول، فنزلت آية الاستئذان.
السابع عشر: قوله في اليهود: إنهم قوم بهت.
الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين﴾ [الواقعة: (٣٩)، ٤٠].
قلت: أخرج قصتها ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله، وهي في أسباب النزول.
التاسع عشر: رفع تلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا، الآية.
العشرون: قوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ لا نجيبه فوافقه النبي ﷺ.
قلت: أخرج قصته أحمد في مسنده.
قال: ويضم إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب: الرد على الجهمية، من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها في التوراة لتابعتها، فخر عمر ساجدا.
ثم رأيت في الكامل لابن عدي من طريق عبد الله بن نافع -وهو ضعيف- عن أبيه عن عمر: أن بلالا كان يقول -إذا أذن-: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر قل في أثرها: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال النبي ﷺ: قل كما قال عمر.
فصل: في كراماته ﵁
أخرج البيهقي وأبو نعيم، كلاهما في دلائل النبوة، واللالكائي في شرح السنة، والديرعاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجه عمر جيشا، ورأس عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله، قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم (^١)، قال ابن حجر في الإصابة (^٢): إسناده حسن.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل "٣٧٠/ ٦"، وابن عساكر في تاريخه "١/ ٦/٧".
(٢) أورده ابن حجر في الإصابة "٣/ ٥٢، ٥٣".
[ ١٠١ ]
وأخرج ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر، قال: كان عمر يخطب يوم الجمعة، فعرض في خطبته أن قال: يا سارية الجبل، من استرعى الذئب ظلم، فالتفت الناس بعضهم لبعض، فقال لهم علي: ليخرجن مما قال، فلما فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وإنهم يمرون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد، وإن جاوزوا هلكوا، فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه، قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم قال: فعدلنا إلى الجبل ففتح الله علينا.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر بن الخطاب على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل، مرتين أو ثلاثا، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جن! إنه لمجنون، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه، فقال: لشد ما ألومهم عليك إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل، أي شيء هذا؟ قال: إني والله ما ملكت ذلك، رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل، فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم الجمعة، فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة ودار حاجب الشمس سمعنا مناديا ينادي: يا سارية الجبل مرتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم، فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له.
وأخرج أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل: ما اسمك؟ قال جمرة، قال ابن من؟ قال ابن شهاب: قال: ممن؟ من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال الحرة، قال بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا (^١).
وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة، وابن الكلبي في الجامع وغيرهم.
وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة، حدثنا أبو الطيب، حدثنا علي بن داود، حدثنا عبد الفتاح بن صالح، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدثه، قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم، فقالوا: يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون أبدا في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا والنيل لا يجري
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ "٢٥/ ٩٧٣/٢".
[ ١٠٢ ]
قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب له أن: قد أصبت بالذي قلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث بطاقة في داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر: أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم (^١).
وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب، قال: إن كان الرجل ليحدث عمر الحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.
وأخرج عن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به فهو عمر بن الخطاب.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا (^٢) أميرهم فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية: لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، قلت: أشار به إلى الحجاج، قال ابن لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ (^٣).
فصل: في نبذ من سيرته
أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال: كنا جلوسا بباب عمر، فمرت جارية، فقالوا: سرية أمير المؤمنين، قال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية، ولا تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ قال: إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء، وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين (^٤).
وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له، واشترط عليه ألا يركب برذونا (^٥)، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة.
وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر، فقالوا: لو
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة "ح ٩٤٠".
(٢) أي: رموه بالحصباء رجما. النهاية "٣٩٤/ ١".
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل "٤٨٧/ ٦".
(٤) أخرجه ابن سعد "٢٣٩/ ٢".
(٥) الدابة، وقال الكسائي: يقال للأنثى برذونة.
[ ١٠٣ ]
أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق، قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم، قال: قد علمت نصحكم، ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل.
قال: وأصاب الناس سنة، فما أكل عامئذ سمنا، ولا سمينا.
وقال ابن مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟.
وقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا (^١) إليه، قال: أو كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى.
وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: فرحل يرفأ (^٢) راحلته، وسار أربعا مقبلا، وأربعا مدبرا، واشترى مكتلا، فجاء به، وعمد إلى الراحلة، فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها، عذبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا والله لا يذوق عمر مكتلك.
وقال قتادة: كان عمر يلبس -وهو خليفة- جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، ويمر بالنكث (^٣) والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به.
وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قيمصه وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر إزارا مرفوعا بأدم، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطا ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته، وقال عبد الله ابن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء، وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما، وقال أنس: دخلت حائطا فسمعت عمر يقول، وبيني وبينه جدار، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ والله لتتقين الله يابن الخطاب أو ليعذبنك الله، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ نبتة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه النبتة، يا ليتني لم أكن شيئا، ليت أمي لم تلدني، وقال عبد الله بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها، وقال محمد بن سيرين، قدم صهر لعمر عليه، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر، وقال: أردت أن ألقى الله ملكا خائنا؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم، وقال النخعي: كان عمر يتجر وهو خليفة، وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة، وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه
_________________
(١) أي: اشتدت الشهوة إلى اللحم حتى لا يصبر عنه. النهاية في غريب الحديث "٤٩/ ٤".
(٢) أي: يصلح، ومنه رفأ الثوب: أصلحه وبابه قطع ومعناه أيضا: نمى من النماء.
(٣) بالكسر هو الخيط الخلق من صوف أو شعر أو وبر سمي به؛ لأنه ينقض ثم يعاد فتله.
[ ١٠٤ ]
بإصبعه وقال: إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس، وقال سفيان بن عيينة: قال عمر بن الخطاب: أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي وقال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس، ويأخذ بيده الأخرى أذنه، ثم ينزو على متن الفرس، وقال ابن عمر: ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أن قرأ عنده إنسان أية من القرآن إلا وقف عما كان يريد، وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه، وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه: أتى عمر بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: كل واحد منهما أدم. وأخرج هذه الآثار كلها ابن سعد.
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير (^١).
فصل: في صفته ﵁
أخرج ابن سعد والحاكم عن ذر قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر يمشي حافيا شيخا أصلع آدم أعسر طوالا مشرفا على الناس كأنه على دابة، قال الواقدي لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم، إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت (^٢).
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب.
وأخرج عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يفوق الناس طولا.
وأخرج عن سلمة بن الأكوع قال: كان عمر رجلا أعسر يسر يعني يعتمل بيديه جميعا، وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا جسيما أصلع شديد الصلع أبيض شديد الحمرة في عارضيه خفة، سبلته كبيرة، وفي أطرافها صهبة.
وفي تاريخ ابن عساكر من طرق أن أم عمر بن الخطاب: حنتمة بنت هشام بنت المغيرة أخت أبي جهل بن هشام، فكان أبو جهل خاله.
فصل: في خلافته ﵁
ولي الخلافة بعهد أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر، وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، أخرجه الحاكم، فقام بالأمر أتم قيام.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد "٢٤٥/ ٢".
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٧٦/ ٢"، والحاكم في المستدرك "٨١/ ٣". وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: صحيح.
[ ١٠٥ ]
وكثرت الفتوح في أيامه ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص، وبعلبك صلحا، والبصرة والأبلة، كلاهما عنوة.
وفيها جمع عمر الناس على صلاة التراويح، قاله العسكري في الأوائل.
وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحا، وفيها كانت وقعت اليرموك والقادسية.
قال ابن جرير، وفيها مصر سعد الكوفة، وفيها فرض عمر الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة.
وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى، وهي أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر، وفيها كانت وقعة جلولاء، وهزم يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري، وفيها فتحت تكريت، وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس، وخطب بالجابية خطبته المشهورة، وفيها فتحت قنسرين عنوة، وحلب، وأنطاكية، ومنبج صلحا، وسروج عنوة، وفيها فتحت قرقيسياء صلحا، وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي.
وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي، وفيها كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة واستقى عمر للناس بالعباس.
أخرج ابن سعد، عن نيار الأسلمي: أن عمر لما خرج يستسقي خرج وعليه برد الرسول ﷺ (^١).
وأخرج عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها، وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل (^٢)، وأن تسقينا الغيث، فلم يبرحوا حتى سقوا، فأطبقت السماء عليهم أياما (^٣).
وفيها فتحت الأهواز صلحا.
وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحا، وحلوان عنوة، وفيها كان طاعون عمواس، وفيها فتحت الرها، وسيميساط عنوة، وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل: صلحا والموصل ونواحيها عنوة.
وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة.
وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة، وقيل: مصر صلحا إلا الإسكندرية فعنوة، وقال
_________________
(١) أخرجه ابن سعد "٢٧٣/ ٢".
(٢) المحل في الأصل: انقطاع المطر، وأمحلت الأرض والقوم، وأرض محل وزمن محل وماحل.
(٣) أخرجه ابن سعد "٢٧٤/ ٢".
[ ١٠٦ ]
علي بن رباح: المغرب كله عنوة، وفيها فتحت تستر، وفيها هلك قيصر عظيم الروم، وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران، وقسم خيبر ووادي القرى.
وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة، ونهاوند، ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة، وبرقة وغيرها.
وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة، وقيل: صلحا والدينور عنوة، وماسبذان عنوة، وهمذان عنوة، وطرابلس المغرب، والري، وعسكر، وقومس.
وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها.
مقتله ووصيته
وفي آخرها كانت وفاة سيدنا عمر ﵁ بعد صدوره من الحج، شهيدا.
قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل، أخرجه الحاكم (^١).
وقال أبو صالح السمان: قال كعب الأحبار لعمر: أجدك في التوارة تقتل شهيدا، قال: وأنى لي بالشهادة وأنا؟ بجزيرة العرب؟!
وقال أسلم: قال عمر: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك (^٢). أخرجه البخاري.
وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم (^٣). أخرجه الحاكم.
وقال الزهري: كان عمر ﵁ لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدنية، ويقول: إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد، نقاش، نجار، فأذن له عمر أن يرسله إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: أو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إلى عمر عابسا وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولى قال عمر لأصحابه: أوعدني
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك "٩٢، ٩١/ ٣". وسكت عليه.
(٢) أخرجه البخاري "١٨٩٠/ ٤".
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك "٩٠/ ٣". وسكت عليه.
[ ١٠٧ ]
العبد آنفا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس (^١)، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنى منه طعنه ثلاث طعنات (^٢). أخرجه ابن سعد.
وقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلا مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا، فلما اغتم فيه قتل نفسه.
وقال أبو رافع: كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة يصنع الأرحاء، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه، فقال: أحسن إلى مولاك، ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه، فغضب، وقال: يسع الناس كلهم عدله غيري، وأضمر قتله، واتخذ خنجرا وشحذه وسمه، وكان عمر يقول: أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر، فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه فمات منهم ستة، وحمل عمر إلى أهله، وكادت الشمس تطلع، فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين، وأتي عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين، فسقاه لبنا فخرج من جرحه، فقالوا: لا باس عليك، فقال: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت، وكنت، فقال: أما والله لوددت أني خرجت منهاكفافا لا علي ولا لي، وأن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي، وأثنى عليه ابن عباس فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع، وقد جعلتها شورى في عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، وأجل الستة ثلاثا (^٣). أخرجه الحاكم.
وقال ابن عباس: كان أبو لؤلؤة مجوسيا.
وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده -تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فأتى عبد الله فقال: قد أذنت، فحمد الله تعالى وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي النبي ﷺ وهو راض عنهم، فسمى الستة، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من
_________________
(١) ظلمة آخر الليل، مختار الصحاح "٤٧٨" غلس.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٩٢/ ٢".
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك "٩١/ ٣".
[ ١٠٨ ]
عجز ولا خيانة، ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا في مثل ذلك من الوصية، فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل في موضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، قال: فخلا هؤلاء الثلاثة، فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها، فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظر أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة، فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي، والله علي لا آلوكم عن أفضلكم، قالا: نعم، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من النبي ﷺ ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئت أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم، ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايعه عثمان وبايعه علي.
وفي مسند أحمد عن عمر أنه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجراح حي استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن لكل نبي أمينا، وأميني أبو عبيدة بن الجراح". فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة". وقد ماتا في خلافته (^١).
وفي المسند أيضا عن أبي رافع: أنه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف، فقال: قد رأيت مع أصحابي حرصا سيئا، ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح.
أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ستون، ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون، وقيل: خمس أو أربع وخمسون، وصلى عليه صهيب في المسجد.
وفي تهذيب المزني: كان نقش خاتم عمر: كفى بالموت واعظا يا عمر.
وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاد قال: قالت أم أيمن يوم قتل عمر: اليوم وهي الإسلام (^٢).
وأخرج عبد الرحمن بن يسار قال: شهدت موت عمر بن الخطاب، فانكسفت الشمس يومئذ. ورجاله ثقات.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده "١/ ١٨".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير "٢٥/ ٢٢١".
[ ١٠٩ ]
فصل: في أوليات عمر ﵁
قال العسكري: هو أول من سمي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ من الهجرة، وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سن قيام شهر رمضان، وأول من عس (^١) بالليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من حرم المتعة، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من اتخذ الديوان، وأول من فتح الفتوح ومسح السواد، وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأول من احتبس صدقة في الإسلام، وأول من أعال الفرائض وأول من أخذ زكاة الخيل، وأول من قال: أطال الله بقاءك، قاله لعلي، وأول من قال: أيدك الله قاله لعلي. هذا آخر ما ذكره العسكري.
وقال النووي في تهذيبه: هو أول من اتخذ الدرة، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات قال: لقد قيل بعده: لدرة عمر أهيب من سيفكم، قال: وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار، وأول من مصر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل.
وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا.
فصل
قال ابن سعد: اتخذ عمر دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق، والسويق، والتمر، والزبيب، وما يحتاج إليه: يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النبوي، وزاد فيه ووسع وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت (^٢).
فصل: في نبذ من أخباره وقضاياه
أخرج العسكري في الأوائل، والطبراني في الكبير، والحاكم من طريق ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأي شيء كان يكتب: "من خليفة رسول الله ﷺ"، في عهد أبي بكر؟ ثم كان عمر يكتب أولا: "من خليفة أبي بكر"، فمن أول من كتب: "من أمير المؤمنين"؟ فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات أن أبا بكر كان يكتب: "من خليفة رسول الله ﷺ"، وكان عمر يكتب: "من خليفة خليفة
_________________
(١) أي: كان يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة. النهاية "٢٣٦/ ٣".
(٢) أخرجه ابن سعد "٢٤٤/ ٢".
[ ١١٠ ]
رسول الله ﷺ"، حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة، ودخلا، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو فقال: السلام عليك يا أمير المؤمين! فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت، فأخبره، وقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ (^١).
وقال النووي في تهذيبه: سماه بهذا الاسم عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق، وقيل: سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله ﷺ فعدلوا عن تلك العبارة لطولها.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: كان يكتب: من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ، فلما كان عمر بن الخطاب أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول الله، قال عمر: هذا يطول، قالوا: لا، ولكنا أمرناك علينا، فأنت أميرنا، قال: نعم، أنتم المؤمنون وأنا أميركم فكتب: أمير المؤمنين.
وأخرج البخاري في تاريخه، عن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي.
وأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح، عن ابن عمر، عن عمر: أنه أراد أن يكتب السنن، فاستخار الله شهرا فأصبح وقد عزم له، ثم قال: إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله.
وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال:
اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني.
وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق، عن عمر أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله: إن أيسرت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإن أيسرت قضيت.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب البيت، فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه، فقضاه (^٢).
وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور، أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر، وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكة (^٣)، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي حرام علي، فأذنوا له (^٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك "٣/ ٨١، ٨٢"، وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: صحيح.
(٢) أخرجه ابن سعد "٢٣٨/ ٢".
(٣) هي وعاء من جلد مستدير، يختص جسمها وهو بالسمن أخص. النهاية "٢٨٤/ ٣".
(٤) أخرجه ابن سعد ٢٤٠/ ٢
[ ١١١ ]
وأخرج عن سالم بن عبد الله: أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير، ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك.
وأخرج عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة.
وروينا من غير وجه: أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا؛ إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها، وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه … وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه
فوالله لولا الله تخشى عواقبه … لزحزح من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا … بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يصدني … وأكرم بعلي أن تنال مراتبه
فكتب إلى عماله بالغزو ألا يغيب أحد أكثر من أربعة أشهر.
وأخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر (^١).
وأخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم، فقال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في الحق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر (^٢).
وأخرج عن ابن مسعود ﵁ قال: ركب عمر فرسا، فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء، فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا.
وأخرج عن سعد الجاري: أن كعب الأحبار قال لعمر إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقحمون فيها إلى يوم القيامة.
وأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا أن عمر قال: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، باللين الذي لا وهن فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حيكم عن عمير قال: كتب عمر بن الخطاب: ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: إن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشجر، تخرج مثل
_________________
(١) أخرجه ابن سعد " ٢/ ٢٦٢".
(٢) أخرجه ابن سعد "٢٦٣، ٢٦٢/ ٢".
[ ١١٢ ]
آذان الحمير، ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ، ثم يخضر، فيكون كالزمرد الأخضر، ثم يحمر فيكون كالياقوت الأحمر، ثم يينع فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل، ثم ييبس فيكون عصمة، للمقيم وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر: من عبد الله أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله، فـ ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ الآية. [آل عمران: ٥٩].
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر: أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص فشاطرهم عمر في أموالهم، فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا.
وأخرج عن الشعبي: أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ماله.
وأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من بيت المال شيئا، حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة (^١)، فأرسل إلى أصحاب النبي ﷺ فاستشارهم فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه فقال علي: غداء وعشاء، فأخذ بذلك عمر (^٢).
وأخرج عن ابن عمر: أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر دينارا، فقال: يا عبد الله، أسرفنا في هذا المال.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة والشعبي قالا: جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سوار: لقد شكت، فقال عمر: كيف؟ قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب، قال: فإذ قد فهمت ذلك فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين أحل الله لنا من النساء أربعا، فلها من كل أربعة أيام يوم، ومن كل أربع ليال ليلة (^٣).
وأخرج عن ابن جرير قال: أخبرني من أصدقه أن عمر بينما هو يطوف سمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فلولا حذار الله لا شيء مثله … لزحزح من هذا السرير جوانبه
فقال عمر: ما لك؟ قالت: أغزيت زوجي منذ أشهر، وقد اشتقت إليه، فقال: أردت سوءا؟ قالت: معاذ الله، فقال: فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك على أمر قد أهمني فافرجيه عني، كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت، قال: فإن الله لا يستحيي من الحق، فأشارت بيديها ثلاثة أشهر، وإلا فأربعة أشهر، فكتب عمر ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر (^٤).
_________________
(١) أي: الجوع والضعف، وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء، النهاية "٣٧/ ٢".
(٢) أخرجه ابن سعد "٢٦٣/ ٢".
(٣) أخرجه عبد الرزاق "١٢٥٨٦/ ٧".
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "١٢٥٩٣/ ٧".
[ ١١٣ ]
وأخرج عن جابر بن عبد الله: أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء، فقال عمر: إنا لنجد ذلك، حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن، فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم ﵇ شكا إلى الله خلق سارة، فقيل له: إنها خلقت من ضلع، فألبسها على ما كان فيها ما لم تر عليه خربة في دينها؟
وأخرج عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه (^١).
وأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم: أن عمر بن الخطاب قال: لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم، فإن الله هو الحكم، ولا تسموا الطريق السكة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق، فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم ازدردني (^٢) ثم أخرجني بعرا، ولم أكن بشرا، فقال عمر: ياليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا ثم أكلوني، ولم أكن بشرا (^٣).
وأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر، فقام إليه الحسين بن علي ﵁، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا؟ فقام علي فقال: والله ما أمره بهذا أحد، أما لأوجعنك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي، فقد صدق، منبر أبيه. إسناده صحيح.
وأخرج الخطيب في أدب الراوي عن مالك من طريقه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر: إنهما لا يجتمعان أبدا، فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله.
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا بشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، ومن يحسن نزده حسنا، ومن يسيء نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم (^٤).
وأخرج عن جبير بن الحويرث: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئا،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "١٢٦٤٧/ ٧".
(٢) لاك: اللوك: إدارة الشيء في الفم، ازدرد اللقمة ونحوها أي: بلعها، انظر مختار الصحاح "٢٧٠".
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان "٧٨٧/ ١".
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٣٨/ ٢".
[ ١١٤ ]
وقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة، يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا، وجندوا جنودا فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من نساب قريش، فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدءوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: ابدءوا بقرابة النبي ﷺ الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله (^١).
وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: دون عمر الديوان في المحرم سنة عشرين.
وأخرج عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة: أن أعطي الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر: إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم.
وأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: بينما عمر واقف على جبل عرفة سمع رجلا يصرخ، ويقول: يا خليفة رسول الله ﷺ فسمعه رجل آخر وهم يعتافون فقال: ما لك! فك الله لهواتك؟ فأقبلت على الرجل فصحت عليه، فقال جبير: فإني الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عائرة (^٢) ففتقت رأس عمر فقصدت، فسمعت رجلا من الجبل يقول: أشعرت ورب الكعبة ولا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا، وقال جبير: فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس، فاشتد ذلك علي (^٣).
وأخرج عن عائشة ﵂ قالت: لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا عن عرفة مررت بالمحصب فسمعت رجلا على راحتله يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: ههنا كان أمير المؤمنين، فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته (^٤) فقال:
عليك سلام من إمام وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي … ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
فلم يتحرك ذلك الركب ولم يدر من هو، فكنا نتحدث أنه من الجن، فقدم عمر من تلك الحجة، فطعن بالخنجر فمات (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢/ ٢٥٣، ٢٥٤".
(٢) حصاة عائرة: لا يدري من رماها، النهاية "٣٢٨/ ٣".
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٨٤/ ٢".
(٤) أي: رفع صوته بالغناء، قيل: أصله أن رجلا قطعت رجله فكان يرفع المقطوعة على الصحيحة ويصيح من شدة وجعها بأعلى صوته فقيل لكل رافع صوته: رفع عقيرته. النهاية "٢٧٥/ ٣".
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٨٣/ ٢".
[ ١١٥ ]
وأخرج عن عبد الرحمن بن أبزي عن عمر أنه قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا كذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء.
وأخرج عن النخعي أن رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله! والله ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟
وأخرج عن شداد بن أوس عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن يقول له: اعهد عهدك، واكتب إلي وصيتك، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير، ثم جاء إلى ربه، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك وكنت وكنت، فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النبي أنه قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله، فأخبر بذلك عمر، فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم (^١).
وأخرج عن سليمان بن يسار أن الجن ناحت على عمر.
وأخرج الحاكم (^٢) عن مالك بن دينار قال: سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر ﵁:
ليبك على الإسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا صرعي وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملها من كان يوقن بالوعد
وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه: اقتصدوا في كفني، فإنه إن كان لي عند الله خير بدلني ما هو خير منه، وإن كنت غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، اقتصدوا في حفرتي، فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مد بصري، وإن كنت على غير ذلك ضيقها علي حتى تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس في، فإن الله أعلم بي، فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي، فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه.
فصل
أخرج ابن عساكر عن ابن عباس: أن العباس قال: سألت الله حولا بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول، وهو يسلت العرق عن جبينه، فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رءوفا رحيما.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٢٩٩/ ٢".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك "٩٤/ ٣"، وسكت عليه.
[ ١١٦ ]
وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام، فقال: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة، قال: إنما انفلت الآن من الحساب.
وأخرج ابن سعد عن سالم بن سالم بن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت الله أن يريني عمر في المنام، فرأيته بعد عشر سنين، وهو يمسح العرق في جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت؟! قال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت (^١)
وأخرج الحاكم (^٢) عن الشعبي، قال: رثت عاتكة بنت زيد عمرو بن نفيل عمر، فقالت:
عين جودي بعبرة ونحيب … لا تملي على الإمام الصليب
فجعتني المنون بالفارس … المعلم يوم الهياج والتأنيب
عصمة الدين والمعين على … الدهر وغيث الملهوف والمكروب
قل لأهل الضراء والبؤس: موتوا … إذ سقتنا المنون كأس شعوب
فصل: فيمن مات من الصحابة ﵃ أيامه
مات في أيام عمر ﵁ من الأعلام: عتبة بن غزوان، والعلاء بن الحضرمي، وقيس بن السكن، وأبو قحافة والد الصديق ﵁ وسعد بن عبادة، وسهيل بن عمرو، وابن أم مكتوم المؤذن، وعياش بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن أخو الزبير بن العوام، وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه أبو سفيان، ومارية أم السيد إبراهيم، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس، وأبو جندل بن سهيل، وأبو مالك الأشعري، وصفوان بن المعطل، وأبي بن كعب، وبلال المؤذن، وأسيد بن حضير، والبراء بن مالك أخو أنس، وزينب بنت جحش، وعياض بن غنم، وأبو الهيثم بن التيهان، وخالد بن الوليد، والجارود سيد بني عبد القيس، والنعمان بن مقرن، وقتادة بن النعمان، والأقرع بن حابس، وسودة بنت زمعة، وعويم بن ساعدة، وغيلان الثقفي، وأبو محجن الثقفي، وخلائق آخرون من الصحابة ﵃ أجمعين.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات "٣١٧/ ٢".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك "٩٤/ ٣".
[ ١١٧ ]