ومما سبق يتبين لنا: أن الإطالة والإسهاب في المواضيع التاريخية، وعدم التثبت والتحقيق في جمع الروايات .. يولد مؤرخا مقلدا، بل مقلدا سيئا، فكأنه حاطب ليل لا يدري من أين يأخذ، ولا أين يضع.
وقد ذكر العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى بعض تلك المآخذ التي قد يخطئ فيها المؤرخ فقال: (وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار؛
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧٤).
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٣٥)
[ ٢٢ ]
فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولا بد من ردها إلى الأصول، وعرضها على القواعد) (^١).
الإمام السيوطي وكتابه «تاريخ الخلفاء»
علم من المقالة السابقة للعلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى، وبالنظر إلى سير الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه «تاريخ الخلفاء» أنه مؤرخ، حاذق، عالم، قد كان له قصب السبق مع تأخر زمانه، فكان مثالا للمؤرخ المتثبت، وعالما عارفا بأحواله، مطلعا على كل زمان، وبالأخص أحوال زمانه.
فقد رام رحمه الله تعالى الاختصار في تراجمه للخلفاء، ولم يأت فيها إلا بالمهم المفيد لمن أراد التعرف على صاحب الترجمة.
ومن خلال تتبع نص «تاريخ الخلفاء» مع أصله «تاريخ الإسلام» .. نجد أن الإمام السيوطي رحمه الله تعالى قد ابتعد عن كل ما فيه إشكال أو اختلاف من أعداد ونحوها مما نبه عليه العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى كما سبق.
وقد جرد الإمام السيوطي رحمه الله تعالى كتابه من الاختلافات حول ما يدور في تراجم بعض الخلفاء؛ كالخلاف الواقع في خلافة معاوية ﵁، وخلافة يزيد، وخلافة هارون الرشيد … إلى غير ذلك مما يذكره أهل التاريخ.
والحاصل: أن من أراد التعرف على خلفاء الإسلام، ويحصل خلاصة القول فيهم .. ففي كتاب الإمام السيوطي غنية، ومن طلب ما وراء ذلك .. فليقصد المطولات من المؤلفات.