وقال ابن إسحاق في «السيرة»: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك
_________________
(١) سنن النسائي (٢/ ٧٤)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٦٧)، وانظر «المقصد العلي» (٨٤٧).
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٤ - ١٩٥)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٧٦)، والسنن الكبرى (٨/ ١٤٣).
[ ١٥٢ ]
قال: (لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد .. جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ﷺ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: أيها الناس؛ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت .. فأعينوني، وإن أسأت .. فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله .. إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط .. إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله .. فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) (^١).
وأخرج موسى بن عقبة في «مغازيه»، والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: (خطب أبو بكر فقال: والله؛ ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت راغبا فيها، ولا سألتها الله في سر ولا علانية؛ ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله.
فقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي) (^٢)
وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي قال: (لما قبض رسول الله ﷺ .. أتى عمر أبا عبيدة ابن الجراح فقال: ابسط يدك فلأبايعك؛ فإنك
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٦١).
(٢) مستدرك الحاكم (٣/ ٦٦)، وأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٥٢)، من طريق موسى بن عقبة، وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) (٥/ ٢٥٠): (إسناده جيد).
[ ١٥٣ ]
أمين هذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت؛ أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟!) (^١). الفهة: ضعف الرأي.
وأخرج ابن سعد أيضا عن محمد: أن أبا بكر قال لعمر: (ابسط يدك نبايع لك، فقال له عمر: أنت أفضل مني، فقال له أبو بكر: أنت أقوى مني، فقال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك، فبايعه) (^٢).
وأخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: (توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر في طائفة من المدينة، فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فدى لك أبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا!!! مات محمد ورب الكعبة …) فذكر الحديث.
قال: وانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم (^٣)، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله ﷺ في شأنهم .. إلا ذكره، وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا .. لسلكت وادي الأنصار» ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم»، فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء (^٤).
وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: (لما بويع أبو بكر .. رأى من الناس بعض الانقباض، فقال: أيها الناس؛ ما يمنعكم؟ ألست أحقكم بهذا الأمر؟ ألست أول من أسلم؟ ألست ألست … فذكر خصالا) (^٥)
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ١٦٦).
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٣).
(٣) يتقاودان: يذهبان مسرعين، كأن كل واحد منهما يقود الآخر لسرعته.
(٤) مسند أحمد (١/¬٥).
(٥) تاريخ دمشق (٣٠/¬٣٧)، وتقدم نحوه (ص ١٠٦ - ١٠٧).
[ ١٥٤ ]
وأخرج أحمد عن رافع الطائي قال: حدثني أبو بكر عن بيعته وما قالته الأنصار وما قاله عمر، قال: (فبايعوني وقبلتها منهم، وتخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة) (^١).
وأخرج ابن إسحاق، وابن عائذ في «مغازيه» عنه أنه قال لأبي بكر: ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟! قال: (لم أجد من ذلك بدا، خشيت على أمة محمد ﷺ الفرقة)
وأخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ بشهر، فذكر قصة، فنودي في الناس: الصلاة جامعة؛ وهي أول صلاة في المسلمين نودي لها: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، ثم قال: (أيها الناس؛ لوددت أن هذا كفانيه غيري، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم .. ما أطيقها؛ إن كان لمعصوما من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء) (^٢)
وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال: لما بويع أبو بكر .. قام خطيبا فقال: (أما بعد: فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله؛ لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله ﷺ .. لم أقم به؛ كان رسول الله ﷺ عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر، ولست بخير من أحدكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت .. فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت .. فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت .. فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم) (^٣)
وأخرج ابن سعد، والخطيب في «رواة مالك» عن عروة قال: لما ولي أبو بكر .. خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإني قد
_________________
(١) مسند أحمد (١/¬٨)، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٤٨): (وهذا إسناد جيد قوي).
(٢) مسند أحمد (١/¬١٣).
(٣) الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٤).
[ ١٥٥ ]
وليت أمركم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن، وسن النبي ﷺ السنن، وعلمنا فعلمنا، فاعلموا أيها الناس: أن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس؛ إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإذا أحسنت .. فأعينوني، وإن أنا زغت .. فقوموني، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم) (^١)
قال مالك: (لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط) (^٢)
وأخرج الحاكم في «مستدركه» عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما قبض رسول الله ﷺ .. ارتجت مكة، فسمع أبو قحافة ذلك فقال: ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ، قال: أمر جليل، فمن قام بالأمر بعده؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: لا واضع لما رفعت، ولا رافع لما وضعت) (^٣)
وأخرج الواقدي من طرق عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهم: (أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله ﷺ: يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من الهجرة) (^٤)
وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر قال: (لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول الله ﷺ على المنبر حتى لقي الله، ولم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي الله، ولم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي الله) (^٥)
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ١٦٧)، وأورده المتقي الهندي في «كنز العمال» (١٤٠٧٣) وعزاه للخطيب في «رواة مالك»
(٢) أورده الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (١/ ٤١٠).
(٣) مستدرك الحاكم (٣/ ٢٤٥)
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ١٦٩) من طريق الواقدي
(٥) المعجم الأوسط (٧٩٢٣)
[ ١٥٦ ]