ولقد عقد الإمام السخاوي رحمه الله تعالى فصلا خاصا بشروط المؤرخ فقال: وأما شرط المعتني به:
١ - فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإتقان والتحري، ولا سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المعتنين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (^٢)
وقد قال الخطيب رحمه الله تعالى في «جامعه»: ويجمعون - أي: أهل الحديث - أيضا: ما روي عن سلف المسلمين، من أخبار الأمم المتقدمين، وأقاصيص الأنبياء، وسير الأولياء، والذي نستحبه: ألا يتعرض لجمع شيء من ذلك إلا بعد الفراغ من أحاديث رسول الله ﷺ.
ثم ساق عن ابن عياش القطان: قلت لأحمد: أشتهي أن أجمع حديث الأنبياء؟ فقال لي: حتى تفرغ من حديث نبينا ﷺ (^٣).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٢٨).
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٣).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥).
[ ١٩ ]
كذا صرح هو وغيره: بأنه ينبغي التحرز فيما يكتب من أخبار الأوائل والكتب القديمة، وما يكون من الحوادث والملاحم؛ لتردد الأمر فيها بين تجويز الإبطال أو الجزم؛ كـ «الكتاب» المنسوب لدانيال، بل ليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المسطرة .. إلا اليسير مما اتصل بنا أسانيده إلى الرسول ﷺ.
وبالجملة: فأكثر ذلك إلى الوهاء أقرب (^١)
٢ - أن يكون المؤرخ ذا دين وصلاح وخير، غير مداهن ومداح بعيد عن الورع؛ كما قال الذهبي رحمه الله تعالى: (قوم أعرض أهل الجرح والتعديل عن كشف حالهم؛ خوفا من السيف والضرب، وما زال هذا في كل دولة قائمة، يصف المؤرخ محاسنها، ويغضي عن مساوئها.
هذا إذا كان المؤرخ ذا دين وخير، فإن كان مداحا مداهنا .. لم يلتفت إلى الورع، بل ربما أخرج مساوئ الكبير وهناته في هيئة المدح والمكارم والعظمة، فلا قوة إلا بالله) (^٢)
قال السخاوي: (بل ربما يخفي من ترجمته ما يظهر خلافه، ولا يسمح بترجمته بعد موته بما ترجمه به في حياته) (^٣)
٣ - أن يكون ذكيا، متحريا لألفاظه مع أقرانه، وموريا بالصريح إلى إشاراته، وذلك بعدا من وقوع البغضاء بين القرناء (^٤)
٤ - أن يكون عالما بطريق النقل؛ حتى لا يجزم إلا بما يتحققه. فإن لم يحصل له مستند معتمد في الرواية .. لم يجز له النقل، ولا يكتفي بالنقل الشائع؛ خصوصا إن ترتبت على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح.
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٣ - ٦٤).
(٢) تاريخ الإسلام (٨/ ٤١٢).
(٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٦ - ٦٧).
(٤) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٧).
[ ٢٠ ]
بل إن كان في الواقعة أمر قادح في حق المستور .. فينبغي له: ألا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون المذكور وقعت منه فلتة، فإذا ضبطت عليه .. لزمه عارها أبدا.
٥ - عدم التعرض لما قد يقع من العالم في مقتبل العمر والتشهير به، ويكون في مستدبر العمر قد رجع عنها؛ كما قال السخاوي رحمه الله تعالى: (وكذا يتجنب التعرض للوقائع المنقصة الصادرة في شبوبية من صيره الله تعالى بعد ذلك مقتدى به، فمن ذا سلم؟! وإنما الاعتبار بحاله الآن، وما أحسن قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل - يعني: غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام … إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه .. وهب نقصه لفضله) (^١)
٦ - أن يكون عارفا بمقادير الناس، وبأحوالهم، وبمنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع (^٢)
٧ - أن يكون عالما بمراتب العلوم، ولا سيما الفروع والأصول، ويفهم الألفاظ ومواقعها؛ خوفا من إطلاق ألفاظ لا تليق بالمترجمين، فيحصل التعرض له بالتنقيص والتعزير الذي يشين (^٣)
٨ - أن يكون ورعا تقيا؛ بحيث لا يأخذ بالتوهم والقرائن التي تختلف؛ خوفا من الدخول في قوله ﷺ: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) (^٤)، ومتى لم يكن ورعا مع كونه معروفا بالعلم .. اشتد البلاء به، بخلاف العكس؛ فالورع والتقى يحجزه، ويوجب له الفحص والاجتهاد وترك المجازفة (^٥).
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٩ - ٧٠).
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧٠).
(٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧٠).
(٤) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣) عن أبي هريرة ﵁.
(٥) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧١ - ٧٢).
[ ٢١ ]
٩ - ألا يطيل الترجمة إلا بالقدر الذي يحتاج إليه
قال السخاوي رحمه الله تعالى: (فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا، ولكنه يأتي إلى من يبغضه: فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرا مما يراه من ممادحه، ويعكس الحال فيمن يحبه، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب؛ فإنه لا يجب عليه تطويل ترجمة أحد، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة الله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حقه من حمد وذم) (^١)
وقال رحمه الله تعالى أيضا: (قال التقي المقريزي: العلم في الجملة على قسمين: عقلي ونقلي، فينبغي أن يتفرغ المرء بعد إتقان ما يجب معرفته منهما لمطالعة التاريخ وتدبر مواعظه؛ فإنه يحصل بتدبره لمن أزال الله تعالى أكنة قلبه وغشاوة بصره نتيجة العلم بما صار إليه أبناء جنسه من الفناء والبيود، بعد التخول في الأموال والجنود، فيخطئ بالعزوف عن الدنيا، والرغبة في الآخرة) (^٢)