تميز الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: بذهن ثاقب، وحافظة قل أن يوجد لها نظير، وتبحر في علوم كثيرة، قلما تجدها مجموعة في شخص واحد.
وهو أعجوبة زمانه، ومؤلفاته التي لا تكاد تحصر خير دليل على تبحره وإتقانه.
واسمع ما قاله عن نفسه في «حسن المحاضرة»: (ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده: أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه، والنقول التي اطلعت عليها فيها .. لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي؛ فضلا عمن دونهم، وأما الفقه .. فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي (^٣) فيه أوسع نظرا، وأطول باعا …) (^٤)
_________________
(١) العلامة عبد الرحمن بن عبد الوارث القرشي البكري المصري المالكي، ولد سنة (٧٨٣ هـ) بمصر، قرأ القرآن، وحفظ «الإلمام» لابن دقيق العيد و«مختصر ابن الحاجب»، وأخذ عن علماء عصره، كثير التواضع، عالي الهمة، ذو سطوة على المفسدين، وكان من القضاة، توفي سنة (٨٦٨ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «الضوء اللامع» (٤/ ٩٠ - ٩١).
(٢) قاضي القضاة أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد، قاض مشى على طريقة السلف، تفرد بمذهب الإمام أحمد في عصره، ولد سنة (٨٠٠ هـ)، أخذ عن علماء عصره، وولي قضاء الحنابلة بمصر، توفي سنة (٨٧٦ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٤٧٩ - ٤٨٠).
(٣) العلامة علم الدين البلقيني رحمه الله تعالى.
(٤) حسن المحاضرة (١/ ٢٩٢).
[ ٣٦ ]
قال عنه العلامة ابن العماد ﵀ في (شذرات الذهب): (وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه؛ رجالا وغريبا، ومتنا وسندا، واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه: أنه يحفظ مئتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر .. لحفظته …) (^١)
وإليك مثالا يدل على تبحره وعلو همته، وتصميمه وحفظه وإتقانه؛ حيث قال رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه «الأشباه والنظائر» في النحو: (ولم أزل من زمن الطلب أعتني بكتبها قديما وحديثا - أي: اللغة العربية - وأسعى في تحصيل ما دثر منها سعيا حثيثا، إلى أن وقفت منها على الجم الغفير، وأحطت بغالب الموجود؛ مطالعة وتأملا، بحيث لم يفتني سوى النزر، وألفت فيها الكتب المطولة والمختصرة …) إلى أن قال: (وكان مما سودت من ذلك كتاب ظريف، لم أسبق إلى مثله، وديوان منيف؛ لم ينسج ناسج على شكله … ولم يكن انتهى المقصود منه؛ لاحتياجه إلى إلحاق، ولا سود بتسطير جميع ما أرصد له من بياض الأوراق، فحبسته بضع عشرة سنة، وحرم منه الكاتبون والمطالعون، ثم قدر الله أني أصبت بفقده؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، فاستخرت الله تعالى في إعادة تأليفه ثانيا، والعود - إن شاء الله تعالى - أحمد، وعزمت على تجديده، طالبا من الله سبحانه المعونة، فهو أجل من في المهمات يقصد) (^٢).
ومن يطلع على معجم شيوخه وما قرأه عليهم من الكتب .. يدفع قول القائل: إنه استبد بالأخذ من بطون الدفاتر والكتب، بل الناظر في تاريخ حياته، وعدد مؤلفاته سيسجل موقف إعجاب بتلك الشخصية الموسوعية الفذة، هذه الشخصية الفياضة بالعلم والمعرفة، أخرجت إلى الحضارة مئات المؤلفات والبحوث؛ والتي تعجز عن إعدادها مراكز البحوث الدولية الآن
_________________
(١) شذرات الذهب (١٠/ ٧٦). وذكر النجم الغزي رحمه الله تعالى في «الكواكب السائرة» (١/ ٢٢٩): (ورئي النبي ﷺ في المنام، والشيخ السيوطي يسأله عن بعض الأحاديث، والنبي ﷺ يقول: «هات يا شيخ السنة»).
(٢) الأشباه والنظائر (١/¬٢٢)
[ ٣٧ ]
ومؤلفاته الكبرى في: علوم القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، والبلاغة، والطبقات؛ كلها من أمات المصادر في بابها، وعليها المدار في موضوعاتها.
وما جمع في كتبه من مصادر قد لا توجد اليوم حتى بين المخطوطات؛ مما جعل كتبه هي الأصل، فحفظ لنا بكتبه كثيرا من الأخبار والآثار والنقول.
وآراؤه في كتبه، وأقواله واجتهاداته: جعلته متفردا في عصره، وادعاؤه الاجتهاد والتجديد على خطورتهما لم ينزعهما عنه إلا حاسد أو مشاحن.
واتفق مترجموه على الإقرار له بهما، والاعتراف بفضله وعلمه وتقدمه؛ مع ما كان عليه من التواضع وحب الصالحين، والتأني في المسائل والفتاوى، وورعه وزهده، وبعده عن عطايا الملوك.
وكان إذا احتاج شيئا من النفقة .. باع من كتبه وأكل من ثمنها، وكل من وصل إلى هذه المرتبة لا بد له من حساد، وهذا من طباع البشر، فلا نتعرض لشيء من هذا؛ فأقوال الأقران في بعضهم غير مقبولة، رحمهم الله تعالى وعفا عنهم.
وقد تحدى أهل زمانه بسبعة أسئلة طرحها عليهم، وأجاب عليها رحمه الله تعالى (^١).
قال عن نفسه في «حسن المحاضرة»: (وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول تحدثا بنعمة الله تعالى، لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر؟! وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها .. لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله) (^٢).
_________________
(١) انظر «الإمام الحافظ السيوطي» للأستاذ المحقق إياد خالد الطباع (ص ٧٣ - ٨٦).
(٢) حسن المحاضرة (١/ ٢٩٢).
[ ٣٨ ]