ودخل عليه بعض الصحابة، فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظه؟ فقال أبو بكر: أبالله تخوفوني؟! أقول: اللهم؛ استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك.
ثم دعا عثمان فقال: اكتب:
﷽
هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها؛ حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ١٨١ - ١٨٢)، والمحتضرين (٣٩)، وأبو السفر: هو سعيد بن يحمد.
[ ١٦٩ ]
الكاذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل .. فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل .. فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ والسلام عليكم ورحمة الله.
ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما، فبايع الناس ورضوا به، ثم دعا أبو بكر عمر خاليا، فأوصاه بما أوصاه به، ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه فقال: اللهم؛ إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم؛ فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، وأصلح له رعيته) (^١).
وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود قال: (أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين استخلف عمر، وصاحبة موسى حين قالت: استأجره، والعزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه) (^٢).
وأخرج ابن عساكر عن سيار أبي حمزة قال: (لما ثقل أبو بكر .. أشرف على الناس من كوة فقال: أيها الناس؛ إني قد عهدت عهدا أفترضون به؟ فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقام علي فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر) (^٣).
وأخرج أحمد عن عائشة ﵂ قالت: (إن أبا بكر لما حضرته الوفاة .. قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن مت من ليلتي .. فلا تنتظروا بي الغد؛ فإن أحب الأيام والليالي إلي أقربها من رسول الله ﷺ (^٤).
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٤)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٩٠).
(٣) تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٥٣).
(٤) مسند أحمد (١/¬٨).
[ ١٧٠ ]
وأخرج مالك عن عائشة ﵂: (أن أبا بكر نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة .. قال: يا بنية؛ والله ما من الناس أحد أحب إلي غنى منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه .. كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، فقلت: يا أبت؛ والله لو كان كذا وكذا .. لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن ابنة خارجة، أراها جارية) (^١).
وأخرجه ابن سعد، وقال في آخره: (قال: ذات بطن ابنة خارجة، قد ألقي في روعي أنها جارية، فاستوصي بها خيرا، فولدت أم كلثوم) (^٢).
وأخرج ابن سعد عن [خالد بن أبي عزة] (^٣): أن أبا بكر أوصى بخمس ماله، وقال: (آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين) (^٤).
وأخرج من وجه آخر عنه قال: (لأن أوصي بالخمس .. أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع .. أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث .. لم يترك شيئا) (^٥).
وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» عن الضحاك: (أن أبا بكر وعليا أوصيا بالخمس من أموالهما لمن لا يرث من ذوي قرابتهما) (^٦).
وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن عائشة ﵂ قالت: (والله؛ ما ترك أبو بكر دينارا ولا درهما ضرب الله سكته) (^٧).
_________________
(١) الموطأ (١٤٤٣)، وجاد عشرين: جداد عشرين.
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ١٧٨).
(٣) وفي النسخ: (عن عروة)، والمثبت من «الطبقات»، وأخرجه من طريق ابن سعد بهذا الإسناد ابن عساكر في «تاريخه» (٣٠/ ٤٢٣).
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ١٧٧).
(٥) الطبقات الكبرى (٣/ ١٨٢).
(٦) سنن سعيد بن منصور (٣٣٤).
(٧) الزهد (ص ١٠٩).
[ ١٧١ ]
وأخرج ابن سعد وغيره عن عائشة ﵂ قالت: (لما ثقل أبو بكر .. تمثلت بهذا البيت: [من الطويل]
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك؛ ولكن قولي: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت) (^١).
وأخرج أبو يعلى عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت على أبي بكر وهو في الموت فقلت: [من الرجز]
من لا يزال دمعه مقنعا … فإنه في مرة مدفوق
فقال: لا تقولي هذا؛ ولكن قولي: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ ثم قال: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ؟ قلت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فتوفي ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح) (^٢).
وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما حضر أبو بكر .. قعدت عائشة ﵂ عند رأسه فقالت: [من مخلع البسيط]
وكل ذي إبل موردها (^٣) … وكل ذي سلب مسلوب
ففهمها أبو بكر فقال: (ليس كذلك يا ابنتاه؛ ولكنه كما قال الله تعالى: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق …﴾ الآية) (^٤).
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ١٧٩)، والمحتضرين (٣٦)، والبيت لحاتم الطائي في «ديوانه» (ص ٦٥).
(٢) مسند أبي يعلى (٤٤٥١)، الدفق: السيلان.
(٣) كذا في (ب، ج، د)، وفي: (أ، هـ): (موردا)، وفي مصادر التخريج: (موروثها)، والله أعلم.
(٤) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ١٨١)، وابن عساكر في «تاريخه» (٣٠/ ٤٢٧)، والبيت لعبيد بن الأبرص في «ديوانه» (ص ٥٠).
[ ١٧٢ ]
وأخرج أحمد، عن عائشة ﵂: أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فقال أبو بكر: (ذاك رسول الله ﷺ (^١)
وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن عبادة بن نسي قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة .. قال لعائشة: (اغسلي ثوبي هذين وكفنيني بهما؛ فإنما أبوك أحد رجلين: إما مكسو أحسن الكسوة، أو مسلوب أسوأ السلب) (^٢)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن أبي مليكة: (أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، ويعينها عبد الرحمن بن أبي بكر) (^٣)
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب: (أن عمر ﵁ صلى على أبي بكر بين القبر والمنبر، وكبر عليه أربعا) (^٤)
وأخرج عن عروة والقاسم بن محمد: (أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله ﷺ، فلما توفي .. حفر له وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ، وألصق اللحد بقبر رسول الله ﷺ (^٥)
وأخرج عن ابن عمر قال: (نزل في حفرة أبي بكر: عمر وطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن أبي بكر) (^٦)
وأخرج من طرق عدة: (أنه دفن ليلا) (^٧)
وأخرج عن ابن المسيب: (أن أبا بكر لما مات .. ارتجت مكة، فقال
_________________
(١) مسند أحمد (١/¬٧)، وعنده: (ربيع اليتامى)، والثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه.
(٢) أورده المتقي الهندي في «كنز العمال» (٣٥٧١٣)، وعزاه لأحمد في «الزهد»
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ١٨٦).
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ١٨٩)
(٥) الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٢)
(٦) الطبقات الكبرى (٣/ ١٩١)
(٧) الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٠)
[ ١٧٣ ]
أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: مات ابنك، قال: رزء جليل، من قام بالأمر بعده؟ قالوا: عمر، قال: صاحبه) (^١).
وأخرج عن مجاهد: (أن أبا قحافة رد ميراثه من أبي بكر على ولد أبي بكر، ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياما، ومات في المحرم، سنة أربع عشرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة) (^٢).
قال العلماء: لم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر، ولم يرث خليفة أبوه إلا أبا بكر.
وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: (ولي أبو بكر سنتين وسبعة أشهر) (^٣).
وفي «تاريخ ابن عساكر» بسنده عن الأصمعي قال: قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر رضي الله تعالى عنه: [من السريع]
ليس لحي فاعلمنه بقاء … وكل دنيا أمرها للفناء
والملك في الأقوام مستودع … عارية والشرط فيه الأداء
والمرء يسعى وله راصد … تندبه العين ونار الصداء
يهرم أو يقتل أو قهره … يشكوه سقم ليس فيه شفاء
إن أبا بكر هو الغيث إذ … لم تزرع الجوزاء بقلا بماء
تالله لا يدرك أيامه … ذو مئزر ناش ولا ذو رداء
من يسع كي يدرك أيامه … مجتهد الشد بأرض فضاء (^٤)