قال النووي في «تهذيبه» ومن خطه نقلت: (استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله ﵁ في الحديث الثابت في «الصحيحين»: «والله؛ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله؛ لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ .. لقاتلتهم على منعه» (^٣).
واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في «طبقاته»: على أن أبا بكر أعلم الصحابة؛ لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب، فرجعوا إليه.
وروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ؟ فقال: «أبو بكر وعمر ﵄، ما أعلم غيرهما».
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: «إن الله ﵎ خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله» فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير، فكان
_________________
(١) مسند البزار (٧٩)، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/¬٥٠)، وقال: (وفيه عبد الله بن عبد الملك الفهري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات).
(٢) تاريخ دمشق (٣٠/ ٦٠).
(٣) صحيح البخاري (١٤٠٠)، وصحيح مسلم (٢٠) من حديث سيدنا أبي هريرة ﵁.
[ ١١٦ ]
فقال رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي .. لا تخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر») هذا كلام النووي (^١).
وقال ابن كثير: (كان الصديق ﵁ أقرأ الصحابة - أي: أعلمهم بالقرآن - لأنه ﷺ قدمه إماما للصلاة بالصحابة مع قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله») (^٢).
وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره» (^٣).
وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة؛ كما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي ﷺ يحفظها هو، ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب صحبة الرسول ﷺ من أول البعثة إلى الوفاة؟! وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم.
وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل؛ لقصر مدته، وسرعة وفاته بعد النبي ﷺ، وإلا: فلو طالت مدته .. لكثر ذلك عنه جدا، ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه عنه، ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحدهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.
وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم .. نظر في كتاب الله؛ فإن وجد فيه ما يقضي بينهم .. قضى به، وإن
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٦٥٤)، وصحيح مسلم (٢٣٨٢)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (٦٧٣)، وأبو داوود (٥٨٢)، والترمذي (٢٣٥)، وابن ماجه (٩٨٠)، والنسائي (٢/ ٧٧) من حديث سيدنا أبي مسعود البدري ﵁، وانظر «البداية والنهاية» (٥/ ٢٣٦).
(٣) سنن الترمذي (٣٦٧٣).
[ ١١٧ ]
لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة .. قضى به، فإن أعياه .. خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ .. جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي .. قضى به) (^١).
وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة .. نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء .. قضى به، وإلا .. دعا رؤوس المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر .. قضى به.
وكان الصديق ﵁ مع ذلك أعلم الناس بأنساب العرب، لا سيما قريش.
أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار قال: (كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب) (^٢).
وكان الصديق مع ذلك غاية في علم تعبير الرؤيا، وقد كان يعبر الرؤيا في زمن النبي ﷺ.
وقد قال محمد بن سيرين - وهو المقدم في هذا العلم بالاتفاق -: (كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ أخرجه ابن سعد (^٣).
وأخرج الديلمي في «مسند الفردوس» وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أؤول الرؤيا أبا بكر» قال ابن كثير: غرب (^٤).
_________________
(١) أخرجه الدارمي (١٦٣).
(٢) السيرة النبوية (١/¬١١).
(٣) الطبقات الكبرى (٣/ ١٦١)، وجاء في مطبوعه: (أغير)، وفي «أنساب الأشراف» (١٠/ ٦٦)، و«تاريخ دمشق» (٣٠/ ٣٢٨) ما يدل على أنه أراد تعبير الرؤيا.
(٤) تاريخ دمشق (٣٠/ ٢١٨)، ولم نقف عليه في مطبوع «الفردوس»، ولفظ الديلمي: «أمرت أن أولي =
[ ١١٨ ]
وكان من أفصح الناس وأخطبهم؛ قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: (خطباء أصحاب رسول الله ﷺ: أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ (^١).
وسيأتي في حديث السقيفة قول عمر ﵁: (وكان من أعلم الناس بالله وأخوفهم له) (^٢).
وسيأتي من كلامه في ذلك، وفي تعبير الرؤيا، ومن خطبه جملة في فصل مستقل (^٣).
ومن الدال على أنه أعلم الصحابة: حديث صلح الحديبية، حيث سأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك الصلح وقال: (علام نعطي الدنية في ديننا؟!) فأجابه النبي ﷺ، ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل عنه رسول الله ﷺ، فأجابه الصديق بمثل ما أجابه النبي ﷺ سواء بسواء. أخرجه البخاري وغيره (^٤).
وكان مع ذلك أسد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا؛ أخرج تمام الرازي في «فوائده» وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر) (^٥).
وأخرج الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ لما أراد أن يسرح معاذا إلى اليمن .. استشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير، فتكلم القوم كل
_________________
(١) = الرؤيا أبا بكر» كما في «كنز العمال» (٣٢٥٥٢)، وهو كذلك عند أحمد في «فضائل الصحابة» (٦٢٣)، وأورده الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (ص ٥٨) بلفظ: «أمرت أن أؤول الرؤيا على أبي بكر».
(٢) أخرجه الدينوري في «المجالسة» (٣٠٥٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٣٣٥) من طريق الزبير بن بكار رحمه الله تعالى.
(٣) انظر ما سيأتي (ص ١٥٣).
(٤) انظر ما سيأتي (ص ١٩٦، ٢٠٢).
(٥) صحيح البخاري (٣١٨٢)، وصحيح مسلم (١٧٨٥) من حديث سيدنا سهل بن حنيف ﵁.
(٦) فوائد تمام (١٤٧٨)، وتاريخ دمشق (٣٠/ ١٢٩).
[ ١١٩ ]
إنسان برأيه، فقال: «ما ترى يا معاذ؟» فقلت: أرى ما قال أبو بكر، فقال النبي ﷺ: «إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر» (^١).
ورواه ابن أبي أسامة في «مسنده» بلفظ: «إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض» (^٢).
وأخرج الطبراني في «الأوسط» عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر» رجاله ثقات (^٣).