إن علم التاريخ يعد صلة الوصل بين الماضي والحاضر، وبين اليوم والمستقبل.
_________________
(١) الكامل في التاريخ (١/¬٩ - ١١).
[ ١٥ ]
فالدنيا كدولاب يدور، فما كان أمس .. فهو اليوم حاضر، وما كان اليوم .. فهو غدا، والعاقل من اتعظ بغيره.
قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.
وهذا العلم يفسح العنان لخيالك؛ كي يسبح في أفق الماضي البعيد، فإذا هو متجسد بين يديك، وكأنك تجالس أعلامه، وتذاكر أيامه وساعاته؛ ولهذا تداولته الأمم: أمة بعد أمة، وجيلا بعد جيل.
قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى مادحا علم التاريخ: (أما بعد: فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال.
وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق) (^١).
بهذا صدر العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى كتابه، وناهيك به وصفا عريقا لهذا العلم؛ فهو الخبير الخريت فيه، وهو صاحب دراية فيه وتعمق، وفضائل التاريخ جمة كثيرة لا تكاد تحصى.
ومن المناسب هنا: أن نذكر جملا من أقوال جهابذة العلماء الذين تصدوا للتأليف فيه، أو الكلام عليه؛ فإن فيها نفعا لا يدركه إلا من عاينه.
قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى: (اعلم: أن فن التاريخ فن عزيز.
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٣ - ٤).
[ ١٦ ]
المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا) (^١).
وقال الإمام الشافعي ﵁: (من حفظه - أي: التاريخ - … زاد عقله) (^٢).
وقال الجندي رحمه الله تعالى: (قص الله تعالى في كتابه المبين، كثيرا من أخبار الأمم الماضين؛ كقوم نوح وهود، وكمدين وثمود، وما حكاه عن موسى وهارون، وفرعون وقارون، وعن أصحاب الكهف والرقيم، وعن النمرود وإبراهيم، وقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾، وكفى بهذا دليلا على جلالة علم التاريخ وفضله، وفخامة قدر صاحبه ونبله) (^٣).
وقال سبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (إن الفطر السليمة، والفكر المستقيمة .. تستشرف إلى معرفة البدايات، وتشرئب إلى إدراك المنسآت.
ومن تدبر مجاري الأقدار، ومبادئ الليل والنهار .. صار كأنه عاصر تلك العصور، وباشر تلك الأمور، وإليه وقعت الإشارة الإلهية، والأمارة الربانية، إلى سيد الأولين والآخرين، بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾
وقال سبحانه في كتابه المجيد: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾ في آيات كثيرة وآيات عزيزة.
فالله تعالى من على نبيه ﵊؛ بما قص عليه من أخبار الأمم في سالف الدهور والأعوام) (^٤).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٩).
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ١٥).
(٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ١٦).
(٤) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٢٥ - ٢٦).
[ ١٧ ]
وقال السخاوي رحمه الله تعالى: ومن أحسن ما بلغني من الشعر في مدحه قول القاضي الأرجاني (^١):
إذا علم الإنسان أخبار من مضى … توهمته قد عاش من أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر عمره … إذا كان قد أبقى الجميل من الذكر
فقد عاش كل الدهر من كان عالما حليما كريما فاغتنم أطول العمر
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (إن معرفة الإنسان بأحوال العلماء .. رفعة وزين، وإن جهل طلبة العلم وأهله بهم .. لوصمة وشين، ولقد علمت الأيقاظ أن العلم بذلك جم المصالح والمراشد، وأن الجهل به إحدى جوالب المناقص والمفاسد … وفي المعرفة بهم معرفة من هو أحق بالاقتداء، وأحرى بالاقتفاء) (^٢).
وكفى بهؤلاء العلماء شهودا، ولو أردنا أن نسوق باقي الأقوال .. لطال بنا الكلام.