وأخرج ابن سعد، وأبو يعلى، والحاكم، والبيهقي في «الدلائل» عن أنس ﵁ قال: (خرج عمر متقلدا السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال له: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال: ما أراك إلا قد صبوت؟ قال: أفلا أدلك على العجب؛ إن ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك!!
فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب، فلما سمع بحس عمر .. توارى في البيت، فدخل فقال: ما هذه الهيئمة؟ وكانوا يقرؤون «طه» قالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما؟! فقال له ختنه: يا عمر؛ إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عليه عمر فوطئه وطئا شديدا، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده، فدمي وجهها، فقالت وهي غضبى:
_________________
(١) مسند أحمد (١/¬١٧)
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٢٩ - ٣٧)، والتبان: سراويل صغير يستر العورة المغلظة
[ ٢١٠ ]
وإن كان الحق في غير دينك؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه - وكان عمر يقرأ الكتاب - فقالت أخته: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ: ﴿طه …﴾ حتى انتهى إلى: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري﴾ فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر .. خرج فقال: أبشر يا عمر؛ فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: «اللهم؛ أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام».
وكان رسول الله ﷺ في أصل الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر، إن يرد الله به خيرا .. يسلم، وإن يرد غير ذلك .. يكن قتله علينا هينا، قال: والنبي ﷺ داخل يوحى إليه، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: «ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟!» فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله) (^١).
وأخرج البزار، والطبراني (^٢)، وأبو نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «الدلائل» عن أسلم قال: قال لنا عمر: (كنت أشد الناس على رسول الله ﷺ، فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة .. إذ لقيني رجل، فقال: عجبا لك يا بن الخطاب، إنك تزعم أنك وأنك وقد دخل عليك الأمر في بيتك!! قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت، فرجعت مغضبا حتى قرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: عمر، فتبادروا فاختفوا مني وقد كانوا يقرؤون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فقامت أختي تفتح
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، ومسند أبي يعلى؛ كما في «المطالب العالية» (٤٢٣٠)، ومستدرك الحاكم (٤/ ٥٩)، ودلائل النبوة (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) في (ب): (والطبراني في «الكبير»).
[ ٢١١ ]
الباب، فقلت: يا عدوة نفسها؛ أصبوت؟ وضربتها بشيء في يدي على رأسها، فسال الدم وبكت، فقالت: يا بن الخطاب؛ ما كنت فاعلا .. فافعل؛ فقد صبوت.
قال: ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة، فقلت:
ما هذا؟ ناولينيها، قالت: لست من أهلها، أنت لا تطهر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت بها حتى ناولتنيها ففتحتها؛ فإذا فيها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى .. ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها؛ فإذا فيها: ﴿سبح لله ما في السموات والأرض﴾ فذعرت، فقرأت إلى: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فخرجوا إلي متبادرين وكبروا، وقالوا: أبشر؛ فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: «اللهم؛ أعز دينك بأحب الرجلين إليك: إما أبو جهل وإما عمر» ودلوني على النبي ﷺ في بيت بأسفل الصفا.
فخرجت حتى قرعت الباب، فقالوا: من؟ قلت: ابن الخطاب، وقد علموا شدتي على رسول الله ﷺ، فما اجترأ أحد يفتح الباب؛ حتى قال ﷺ: «افتحوا له» ففتحوا لي، فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي ﷺ فقال: «خلوا عنه» ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه، ثم قال: «أسلم يا بن الخطاب، اللهم اهده» فتشهدت، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة، وكانوا مستخفين، فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب .. إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء، فجئت خالي - وكان شريفا - فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب وقد صبوت، قال: لا تفعل، ثم دخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء، فذهبت إلى رجل من عظماء قريش، فناديته فخرج إلي، فقلت له مثل مقالتي لخالي، وقال لي مثل ما قال خالي، فدخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء، إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب!!
فقال لي رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم، قال: فإذا جلس
[ ٢١٢ ]
الناس في الحجر .. فأت فلانا - لرجل لم يكن يكتم السر - فقل له فيما بينك وبينه: إني قد صبوت؛ فإنه قل ما يكتم السر، فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر، فقلت فيما بيني وبينه: إني قد صبوت، قال: أوقد فعلت؟ قلت: نعم، فنادى بأعلى صوته: إن ابن الخطاب قد صبأ، فبادروا إلي، فما زلت أضربهم ويضربوني، واجتمع علي الناس، قال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبا، فقام على الحجر فأشار بكمه: ألا إني قد أجرت ابن أختي، فتكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى رجلا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيبني، فأتيت خالي فقلت: جوارك رد عليك، فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام (^١).