لقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى شروطا يجب توافرها فيمن كتب في هذا الفن؛ فإن من حاد عنها .. وقع في الزلل والغلط، وقد ألمح العلامة ابن خلدون إلى بعضها، ثم تمم بعده الإمام السخاوي هذا البحث في كتابه العظيم «الإعلان بالتوبيخ»
ولنبدأ بما ذكره العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى؛ حيث عرض بعض الأخطاء التي يقع فيها من ليس له أدنى علم وفهم بالتاريخ، فقال: (فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث والآراء، وعلقت أفكارهم، ونقلها عنهم الكافة؛ من ضعفة النظر، والغفلة عن القياس، وتلقوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا روية، واندرجت في محفوظاتهم؛
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٤٥).
(٢) طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ٧٤ - ٧٥).
[ ١٨ ]
حتى صار فن التاريخ واهيا مختلطا، وناظره مرتبكا، وعد من مناحي العامة
فإذا؛ يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار، في السير والأخلاق والعوائد، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم؛ حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خبره
وحينئذ يعرض خبر المنقول، على ما عنده من القواعد والأصول؛ فإن وافقها وجرى على مقتضاها .. كان صحيحا، وإلا .. زيفه واستغنى عنه) (^١)