وذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ»: (أن التاريخ له منافع دنيوية وأخروية:
فأما الدنيوية:
فمنها: أن الإنسان يحب البقاء، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فيا ليت شعري؛ أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين، وحوادث المتقدمين؟! فإذا طالعها .. فكأنه عاصرهم، وإذا علمها .. فكأنه حاضرهم.
ومنها: أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال .. استقبحوها، وأعرضوا عنها، واطرحوها.
وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين، وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالها درت .. استحسنوا ذلك، ورغبوا فيه، وثابروا عليه، وتركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا .. لكفى به فخرا.
ومنها: ما يحصل للإنسان من التجارب، والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها؛ فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره؛ فيزداد بذلك عقلا،
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧، ٢١).
[ ١٤ ]
ويصبح لأن يقتدى به أهلا، ولقد أحسن القائل حيث يقول:
رأيت العقل عقلين … فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مسموع … إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس … وضوء العين ممنوع
يعني بالمطبوع: العقل الغريزي الذي خلقه الله تعالى للإنسان، وبالمسموع: ما يزداد به العقل الغريزي من التجربة، وجعله عقلا ثانيا توسعا وتعظيما له، وإلا .. فهو زيادة في عقله الأول.
ومنها: ما يتجمل به الإنسان في المجالس والمحافل من ذكر شيء من معارفها، ونقل طريفة من طرائفها، فترى الأسماع مصغية إليه، والوجوه مقبلة عليه، والقلوب متأملة ما يورده ويصدره، مستحسنة ما يذكره.
وأما الأخروية:
فمنها: أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها، ورأى تقلب الدنيا بأهلها، وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تبق على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير .. زهد فيها، وأعرض عنها، وأقبل على التزود للآخرة منها، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص، وسلم أهلها من هذه النقائص.
ومنها: التخلق بالصبر والتأسي، وهما من محاسن الأخلاق؛ فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم، ولا ملك معظم، بل ولا أحد من البشر .. علم أنه يصيبه ما أصابهم، وينوبه ما نابهم) (^١).