ولد الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى بعد المغرب، ليلة الأحد، مستهل شهر رجب، سنة (٨٤٩ هـ)، بالقاهرة، وكان يلقب بابن الكتب؛ لأن أباه كان من أهل العلم، واحتاج إلى مطالعة كتاب، فأمر أمه أن تأتيه بالكتاب من بين كتبه، فذهبت لتأتي به، ففاجأها المخاض وهي بين الكتب، فوضعته (^١).
وسماه والده في اليوم السابع من ولادته بعبد الرحمن (^٢)، وفي ذلك لطائف؛ كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى في «التحدث بنعمة الله»:
منها: أنه أحب الأسماء إلى الله تعالى، وأنه موافق لاسم أمير الملائكة إسرافيل، وأنه موافق لاسم ولد سيدنا أبي بكر الصديق ﵄.
قال السيوطي رحمه الله تعالى: وأظن الوالد قصد ذلك؛ فإن اسمه أبو بكر، فسماني باسم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
ومنها: أن هذا الاسم يجري مجرى اللقب؛ لأن اللقب المحبوب: ما أشعر بمدح أو رفعة، وكفى مدحا ورفعة الإضافة إلى الرحمن على وجه العبودية له.
ومنها: أنه أول اسم سمى به آدم أول ولده.
ومنها: أن المسمى به يصير من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما …﴾ إلى آخر الآيات.
ولقبه والده بجلال الدين، وكناه شيخه قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني لما عرض عليه وقال له: ما كنيتك؟ قال: لا كنية لي، فقال: أبو الفضل، وكتبه بخطه (^٣).
_________________
(١) = أبو الفضل ابن حجر في «قضاة مصر»، وأبو شامة في «الروضتين» وهو أورعهم وأزهدهم).
(٢) انظر «النور السافر» (ص ٩٠).
(٣) كما هي السنة النبوية المشرفة، وقد غفل عنها كثير من الناس، وغفلوا أيضا عن تحسين الأسماء وقد أمروا بذلك، وهو من حق الأبناء على الآباء.
(٤) انظر «النور السافر» (ص ٩٠).
[ ٣٠ ]
وكان والد الإمام السيوطي من العلماء الأفاضل، والقضاة الأماثل، وقد ترجم له في «حسن المحاضرة»: أنه ولد بسيوط بعد ثمان مئة، واشتغل ببلده، وتولى بها القضاء قبل قدومه إلى القاهرة، ثم قدمها ولازم العلامة القاياتي (^١)، وأجازه بالتدريس، وأخذ عن الحافظ ابن حجر، والشيخ عز الدين المقدسي (^٢) وغيرهم.
كان على جانب عظيم من الدين والتحري في الأحكام، وعدم الاجتماع بالناس، مواظبا على قراءة القرآن، يختم كل جمعة ختمة، وألف بعض التصانيف.
توفي ليلة الاثنين بمرض ذات الجنب، في شهر صفر، سنة (٨٥٥ هـ)، وصلى عليه قاضي القضاة شرف الدين المناوي، رحمهم الله تعالى وأحسن إليهم جميعا (^٣).
فتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة (التحريم)، وأسند وصايته إلى جماعة منهم: الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن العظيم، وله من العمر دون ثماني سنين (^٤).
_________________
(١) الإمام العلامة شمس الدين محمد بن علي القاياتي، ولد سنة (٧٨٥ هـ) تقريبا، وأخذ عن السراج البلقيني والبدر الطبندي والعز ابن جماعة وغيرهم، برع في الفقه والعربية والأصلين والمعاني، انتفع به خلق، وكان قاضي القضاة ومحقق الوقت وعلامة الافاق، توفي سنة (٨٥٠ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٢) الإمام العلامة قاضي الأقاليم عز الدين أبو البركات عبد العزيز بن الإمام العلامة علاء الدين أبي الحسن علي البغدادي مولدا، ثم المقدسي الحنبلي، الإمام العالم المفسر، ولد ببغداد سنة (٧٧٠ هـ)، واشتغل بها، ثم قدم دمشق وأخذ عن ابن اللحام الفقه، وبرع وصنف، وولي القضاء في دمشق وبغداد ومصر وبيت المقدس؛ لذلك سمي قاضي الأقاليم، توفي في دمشق سنة (٨٤٦ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٣٧٧).
(٣) حسن المحاضرة (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).
(٤) شذرات الذهب (١٠/ ٧٥)
[ ٣١ ]