ثمَّ سَار الْخَلِيفَة الاعظم إِلَى مَدِينَة بود عَاصِمَة المجر الَّتِي كَانَ فردينان ملك النمسا محتلا لَهَا فوصلها فِي ٣ سبتمبر وابتدأ الْحصار لَكِن لم يلبث فردينان
[ ٢١٥ ]
ان فر هَارِبا من بود قَاصِدا مَدِينَة ويانه عَاصِمَة النمسا وَفِي ٨ مِنْهُ طلب قَائِد الحامية النمساوية بِمَدِينَة بود تَسْلِيم الْمَدِينَة وقلاعها إِذا وعدهم السُّلْطَان بالسماح لَهُم بِالْخرُوجِ بِدُونِ تعرض لحياتهم وَلما اجابهم السُّلْطَان لذَلِك اخلوا الْمَدِينَة وَفِي حَال خُرُوجهمْ مِنْهَا انقض عَلَيْهِم الانكشارية وَقتلُوا اغلبهم غير طائعين لاوامر رُؤَسَائِهِمْ مهددين من رغب فِي مَنعهم من القواد والضباط وَبعد ذَلِك بسبعة ايام أَي فِي يَوْم ١٥ مِنْهُ ارسل السُّلْطَان اُحْدُ قواد الانكشارية ليرافق زابولي إِلَى الْقصر الملوكي ويقلده تَاج الملوكية
وَبعد اعادة زابولي إِلَى عرش ملك بِلَاد المجر بمساعدة الجيوش العثمانية قَامَ السُّلْطَان بجيوشه قَاصِدا مَدِينَة ويانه لغزوها مستصحبا مَعَه الْملك زابولي تَارِكًا فِي مَدِينَة بود حامية عثمانية تَحت قيادة اُحْدُ أغاوات ضباط الانكشارية لحفظ الامن بهَا وتوطيده فِي جَمِيع انحائها إِلَى ان يعود الْملك زابولي اليها وَفِي ٢٧ سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة وصل السُّلْطَان سُلَيْمَان بجيوشه امام عَاصِمَة بِلَاد النمسا وَوضع الْحصار حولهَا وسلط مدافعه على اسوارها فهدم جُزْءا مِنْهَا وَفتح بهَا ثلمًا صَار توسيعه بألغام البارود حَتَّى صَار يُمكن الجيوش الهجوم مِنْهُ بِكُل سهولة ثمَّ امْر الْجنُود بالهجوم فهجمت كالاسود فِي ايام ١٠ و١١ و١٢ اكتوبر واخيرا فِي يَوْم ٢٠ صفر سنة ٩٣٧ هـ ١٣ اكتوبر سنة ١٥٣٩ وَبعد ان اسْتمرّ الْقِتَال طول
[ ٢١٦ ]
يَوْمه عَادَتْ الْجنُود العثمانية إِلَى معسكرها بِدُونِ ان تقوى على الدُّخُول فِي الْمَدِينَة وَلما رأى السُّلْطَان ان ذخيرة الطوبجية الَّتِي عَلَيْهَا الْمعول فِي الْحصار قد نفدت والشتاء قد اقبل بشدته وثلوجه الْمَعْهُودَة فِي هَذِه الْجِهَات الشَّدِيدَة الْبُرُودَة اصدر اوامره بِالرُّجُوعِ عَن ويانه هَذِه السّنة واعداد الجيوش لمعاودة الكرة عَلَيْهَا فِي اقْربْ وَقت وَكَانَت هَذِه هِيَ الْمرة الاولى الَّتِي لم يفز السُّلْطَان سُلَيْمَان بالنصر فِيهَا وَمر فِي عودته على مَدِينَة بود عَاصِمَة المجر وَبعد ان ودع ملكهَا زابولي عَاد إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة من طَرِيق بلغراد
وفى ربيع سنه ١٥٣١ ارسل ملك النمسا جَيْشًا لمحاصرة مَدِينَة بود واستخلاصها من قَبْضَة زابولي خَليفَة العثمانيين وحليفهم فصدوا عَنْهَا بِقُوَّة الحامية الاسلامية المعسكرة فِيهَا وَفِي ١٩ رَمَضَان سنة ٩٣٨ ٢٥ ابريل سنة ١٥٣٢ سَار السُّلْطَان سُلَيْمَان قَاصِدا مَدِينَة ويانه ثَانِيَة لفتحها ومحو مَا لحقه من الفشل امامها فِي الْمرة الاولى بعد ان رفض مَا عرضه عَلَيْهِ فردينان ارشيدوق النمسا من الصُّلْح وَلما وصل إِلَى مَدِينَة نيش بِبِلَاد الصرب وجد فِي انْتِظَاره سفراء من قبل ارشيدوق النمسا وَوجد بِمَدِينَة بلغراد سفيرا جَدِيدا من قبل ملك فرانسا فرانسوا الاول وَهُوَ المسيو رنسون فقابله السُّلْطَان فِي اول ذِي الْحجَّة سنة ٩٣٨ ٥ يولو سنة ١٥٣٢ باحتفال فائق لم يسْبق مثله لاي سفير غَيره وَذَلِكَ انه صف لاستقباله عدد عَظِيم من الْجنُود واطلقت المدافع تَحِيَّة لقدومه وقابله السُّلْطَان مُقَابلَة خُصُوصِيَّة محاطا بوزرائه وقواد جيوشه على ضد مَا حصل لمراسلي فردينان الَّذين قوبلوا بِكُل تحقير وامتهان وَبعد الْمُقَابلَة وتبادل عِبَارَات السَّلَام بَين السفير الفرنساوي وجلالة الْخَلِيفَة الاعظم عَاد السفير لملكه حَامِلا خطابا لمرسله يُؤَكد السُّلْطَان فِيهِ اتحادهما على محاربة شارلكان ووعده بامداده بالعمارة العثمانية إِذا مست الْحَاجة ثمَّ سَار السُّلْطَان بجيوشه الَّتِي كَانَ يبلغ عَددهمْ مِائَتي الف مقَاتل وانضم اليهم بعد مزاولتهم مَدِينَة بلغراد خَمْسَة عشر الف فَارس من تتر القرم تَحت قيادة صَاحب كراي اخي خَان القرم وَفِي اثناء الْمسير نَحْو مَدِينَة ويانه فتح الْجَيْش عدَّة قلاع
[ ٢١٧ ]
وحصون بِدُونِ مقاومة تذكر الا ان مَدِينَة جانز ابدت من الدفاع اكثر مِمَّا كَانَ يتَوَقَّع مِنْهَا لقلَّة حاميتها لَكِن لم تَجِد مدافعتها شَيْئا بل سلم قائدها القلعة فِي ٢٦ محرم سنة ٩٣٩ ٢٨ اغسطس سنة ١٥٣٢ بِشَرْط عدم دُخُول الْجنُود العثمانية الْمَدِينَة فَقبل السُّلْطَان هَذَا الشَّرْط مُكَافَأَة لاهاليها على مَا ابدوه من حب الوطن والشهامة والاقدام فِي الدفاع عَنهُ
ثمَّ سَار الْجَيْش الهوينا إِلَى عَاصِمَة النمسا وَلما اقْترب مِنْهَا مَال إِلَى جِهَة الْيَسَار قَاصِدا اقليم استيريا وَمِنْهَا عَاد إِلَى بلغراد ثَانِيًا بِدُونِ ان يحاصر مَدِينَة ويانه لما بلغه من استعداد شارلكان للدفاع عَنْهَا وَجمع الجيوش فِيهَا بَين نمساويين والمان واسبانيول وَغَيرهم وَعدم وجود مدافع حِصَار مَعَه ولاقتراب فصل الشتَاء بزمهريره وجليده اللَّذين لَا يُمكن مَعَهُمَا اسْتِمْرَار الْحصار بكيفية ضامنة لفتحها وادخالها فِي حوزة الاسلام كَمَا فتحت بِلَاد المجر وعاصمتها من قبلهَا
وَلما وصل السُّلْطَان فِي ايابه إِلَى مَدِينَة فيليبه عين صَاحب كراي التتري خَانا لبلاد القرم بدل اخيه مُكَافَأَة لَهُ على خدماته اثناء مُرُور الْجَيْش باراضي النمسا ورتب لاخيه سعادت كراي معاشا سنويا يَلِيق بمقامه وَفِي ١٩ ربيع آخر سنة ٩٣٩ ١٨ نوفمبر سنة ١٥٣٢ عَاد السُّلْطَان إِلَى مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وزينت الْمَدِينَة وضواحيها عدَّة لَيَال مُتَوَالِيَات احتفالا بعودة جلالته
وَفِي اثناء انتشاب هَذِه الحروب من جِهَة الْبر اتت تَحت امرة الاميرال اندري دوريا عمَارَة بحريّة مؤلفة من سفن شارلكان الحربية وَمَعَهَا عدَّة
[ ٢١٨ ]
٢٢١ - من سفن البابا بِقصد محاربة العثمانيين من جِهَة الْبَحْر فاحتل اندرى دوريا الْمَذْكُور مينائي كورون وباتراس بِبِلَاد موره بعد قتل من كَانَ بهَا من الْجنُود الانكشارية وتدمير القلعتين اللَّتَيْنِ اقامهما السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي على ضفتي خليج ليبالت بِبِلَاد اليونان وتهديد جزائر الرّوم الخاضعة لسلطان الدولة الْعلية
وَفِي اوائل سنة ١٥٢٣ ارسل فردينان ارشيدوق النمسا سفيرا من قبله يدعى جيروم دي زار إِلَى الاستانة يعرض طلب الصُّلْح على جلالة السُّلْطَان فقابل الصَّدْر الاعظم ابراهيم باشا وتباحثا فِي شُرُوط الصُّلْح وَفِي يَوْم ١٤ يناير سنة ١٥٣٣ قَابل السُّلْطَان السفير وَلم يقبل السُّلْطَان الصُّلْح بل قبل المهادنة مؤقتا حَتَّى تسلم اليه مَفَاتِيح مَدِينَة جران وَبعدهَا تحول الْهُدْنَة إِلَى صلح فارسل السفير ابْنه فسبازيان دي زارا فِي اول فبراير إِلَى ويانه يَصْحَبهُ رَسُول من قبل السُّلْطَان لعرض هَذِه الشُّرُوط على فردينان فعرضها فردينان على اكابر الدولة واعيانها فقبلوها وارسل إِلَى الاستانة خطابا بذلك على يَد الرَّسُول العثماني فِي ٢٩ مايو سنة ١٥٣٣ وَبعد ذَلِك تحررت بَين الطَّرفَيْنِ معاهدة الصُّلْح فِي ٢٢ يونيو سنة ١٥٣٣ ٢٨ ذِي الْقعدَة سنة ٩٣٩ واهم مَا فِيهَا ان يرد النمساويون مَدِينَة كورون للدولة الْعلية وَلَا يردوا شَيْئا مِمَّا فتحوه من بِلَاد المجر وان مَا تتفق عَلَيْهِ النمسا مَعَ زابولي صَاحب بِلَاد المجر لَا ينفذ مَا لم يعتمده جلالة السُّلْطَان العثماني وَهِي اول معاهدة صلح بَين النمسا وَالْبَاب العالي
[ ٢١٩ ]