مُحَمَّد الثَّانِي الفاتح وَفتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة
ولد هَذَا السُّلْطَان فِي ٢٦ رَجَب سنة ٨٣٣ ٢٠ ابريل سنة ١٤٢٩ وَهُوَ سَابِع سلاطين هَذِه السلالة الملوكية وَلما تولى الْملك بعد ابيه لم يكن بآسيا الصُّغْرَى خَارِجا عَن سُلْطَانه الا جُزْء من بِلَاد القرمان ومدينة سينوب ومملكة طرابزون الرومية وَصَارَت مملكة الرّوم الشرقية قَاصِرَة على مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وضواحيها وَكَانَ اقليم موره مجزأ بَين البنادقة وعدة امارات صَغِيرَة يحكمها بعض اعيان الرّوم اَوْ الافرنج الَّذين تخلفوا عَن اخوانهم بعد انْتِهَاء الحروب الصليبية وبلاد الارنؤد
[ ١٦٠ ]
وايبيروس فِي حمى اسكندر بك السالف الذّكر وبلاد البشناق البوسنه مُسْتَقلَّة والصرب تَابِعَة للدولة الْعلية تابعية سيادته وَمَا بَقِي من بِحَيْثُ جَزِيرَة البلقان شبه جَزِيرَة البلقان دَاخِلا تَحت سلطة الدولة الْعلية
٦١
- وَبعد ان امْر بِنَقْل جثة وَالِده إِلَى مَدِينَة بورصه لدفنها بهَا امْر بقتل اخ لَهُ رَضِيع اسْمه احْمَد وبارجاع الاميرة مارا الصربية إِلَى والدها ثمَّ اخذ يستعد لتتميم فتح مَا بَقِي من بِلَاد البلقان ومدينة الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَتَّى تكون جَمِيع املاكه مُتَّصِلَة لَا يتخللها عَدو مهاجم اَوْ صديق مُنَافِق لكنه قبل التَّعَرُّض لفتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة اراد ان يحصن بوغاز البوسفور حَتَّى لَا ياتي لَهَا مدد من مملكة طرابزون وَذَلِكَ بَان يُقيم قلعة على شاطيء البوغاز من جِهَة اوروبا تكون مُقَابلَة للحصن الَّذِي انشأه السُّلْطَان بايزيد ييلدرم ببر آسيا وَلما بلغ ملك الرّوم هَذَا الْخَبَر ارسل إِلَى السُّلْطَان سفيرا يعرض عَلَيْهِ دفع الْجِزْيَة الَّتِي يقررها فرفض طلبه وسعى فِي ايجاد سَبَب لفتح بَاب الْحَرْب وَلم يلبث ان وجد هَذَا السَّبَب بتعدي الْجنُود العثمانية على بعض قرى الرّوم ودفاع هَؤُلَاءِ عَن انفسهم وَقتل الْبَعْض من الْفَرِيقَيْنِ
فحاصر السُّلْطَان الْمَدِينَة فِي اوائل ابريل سنة ١٤٥٣ من جِهَة الْبر بِجَيْش يبلغ الْمِائَتَيْنِ وَخمسين الف جندي وَمن جِهَة الْبَحْر بعمارة مؤلفة من مائَة وَثَمَانِينَ سفينة واقام حول الْمَدِينَة ارْبَعْ عشرَة بطارية طوبجية مدفعية وضع بهَا مدافع جسيمة صنعها صانع مجْرى شهير اسْمه اوربان كَانَت تقذف كرات من الْحجر زنة كل وَاحِدَة مِنْهَا اثْنَا عشر قِنْطَارًا إِلَى مَسَافَة ميل وَفِي اثناء الْحصار اكتشف قبر ابي
[ ١٦١ ]
ايوب الانصاري الَّذِي اسْتشْهد حِين حِصَار الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي سنة ٥٢ هـ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة بن ابي سُفْيَان الاموي وَبعد الْفَتْح بنى لَهُ مَسْجِد جَامع وَجَرت الْعَادة بعد ذَلِك ان كل سُلْطَان يتَوَلَّى يتقلد سيف عُثْمَان الْغَازِي الاول بِهَذَا الْمَسْجِد وَهَذَا الاحتفال يعد بِمَثَابَة التتويج عِنْد مُلُوك الافرنج وَلم تزل هَذِه الْعَادة متبعة حَتَّى الان وَلما شَاهد قسطنطين آخر مُلُوك الرّوم هَذِه الاستعدادات استنجد باوروبا فلبى طلبه اهالي جنوه وارسلوا لَهُ عمَارَة بحريّة تَحت امرة جوستنياني فاتى بمراكبه واراد
[ ١٦٢ ]
الدُّخُول إِلَى ميناء الْقُسْطَنْطِينِيَّة فعارضته السفن العثمانية وانتشرت بَينهمَا حَرْب هائلة فِي يَوْم ١١ ربيع الثَّانِي سنة ٨٥٧ ٢١ ابريل سنة ١٤٥٣ انْتَهَت بفوز جوستنياني ودخوله الميناء بعد ان رفع المحصورون السلَاسِل الحديدية الَّتِي وضعت لمنع المراكب العثمانية من الْوُصُول اليها ثمَّ اعيدت بعد مروره كَمَا كَانَت وَبعدهَا اخذ السُّلْطَان يفكر فِي طَريقَة لدُخُول مراكبه إِلَى الميناء لاتمام الْحصار برا وبحرا فخطر بِبَالِهِ فكر غَرِيب فِي بَابه وَهُوَ ان بِنَقْل المراكب على الْبر ليجتازوا السلَاسِل الْمَوْضُوعَة لمَنعه وَتمّ هَذَا الامر المستغرب بَان مهد طَرِيقا على الْبر اخْتلف فِي طوله والمرجح انه فرسخان أَي سِتَّة اميال ورصت فَوْقه الواح من الْخشب صبَّتْ عَلَيْهَا كمية من الزَّيْت والدهن لسُهُولَة زلق المراكب عَلَيْهَا وبهذه الْكَيْفِيَّة امكن نقل نَحْو السّبْعين سفينة فِي لَيْلَة وَاحِدَة حَتَّى إِذا اصبح النَّهَار ونظرها المحصورون ايقنوا ان لَا مناص من نصر العثمانيين عَلَيْهِم لَكِن لم تخمد عزائمهم بل ازدادوا اقداما وصمموا على الدفاع عَن اوطانهم حَتَّى الْمَمَات وَفِي يَوْم ١٥ جماد اول سنة ٨٥٧ ٢٤ مايو سنة ١٤٥٣ ارسل السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى قسطنطين يُخبرهُ انه لَو سلم الْبَلَد
[ ١٦٣ ]
اليه طَوْعًا يتعهد لَهُ بِعَدَمِ مس حريَّة الاهالي اَوْ املاكهم وان يُعْطِيهِ جَزِيرَة مورة فَلم يقبل قسطنطين ذَلِك بل آثر الْمَوْت على تَسْلِيم الْمَدِينَة فَعِنْدَ ذَلِك نبه السُّلْطَان على جيوشه بالاستعداد للهجوم فِي يَوْم ٢٠ جماد اول سنة ٨٥٧ ٢٩ مايو سنة ١٤٥٣ ووعد الجيوش بمكافأتهم عِنْد تَمام النَّصْر وباقطاعهم اراضي كَثِيرَة وَفِي اللَّيْلَة السَّابِقَة لليوم المحدد اشعلت الْجنُود العثمانية الانوار امام خيامها للاحتفال بالنصر الْمُحَقق لديهم وظلوا طول ليلهم يهللون وَيُكَبِّرُونَ حَتَّى إِذا لَاحَ الْفجْر صدرت اليهم الاوامر بالهجوم فهجم مائَة وَخَمْسُونَ الف جندي وتسلقوا الاسوار حَتَّى دخلُوا الْمَدِينَة من كل فج وَاعْمَلُوا السَّيْف فِيمَن عارضهم ودخلوا كَنِيسَة القديسة صوفيا حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا البطريق وَحَوله عدد عَظِيم من الاهالي ويعتقد الرّوم حَتَّى الْآن ان حَائِط الْكَنِيسَة انْشَقَّ وَدخل فِيهِ البطرق والصور المقدسة وَفِي اعْتِقَادهم ان الْحَائِط ينشق ثَانِيَة يَوْم يخرج الاتراك من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَيخرج البطريق مِنْهَا وَيتم صلَاته الَّتِي قطعهَا عِنْد دُخُول العثمانيين عَلَيْهِ عِنْد الْفَتْح وَقد ارخ بَعضهم هَذَا الْفَتْح الْمُبين بَلْدَة طيبَة سنة ٨٥٧ وَسميت الْمَدِينَة اسلامبول أَي تخت الاسلام اَوْ مَدِينَة الاسلام
اما قسطنطين فقاتل حَتَّى مَاتَ فِي الدفاع عَن وَطنه وَبعد فتحهَا جعلت عَاصِمَة للدولة وَلنْ تزَال كَذَلِك ان شَاءَ الله ولنذكر هُنَا ان الْمُسلمين حاصروا الْقُسْطَنْطِينِيَّة احدى عشرَة مرّة قبل هَذِه الْمرة الاخيرة مِنْهَا سَبْعَة فِي القرنين الاولين للاسلام فحاصرها مُعَاوِيَة فِي خلَافَة سيدنَا عَليّ سنة ٣٤ هـ ٦٥٤ م وحاصرها يزِيد بن
[ ١٦٤ ]
١٦٧ - مُعَاوِيَة سنة ٤٧ هـ ٦٦٧ م فِي خلَافَة سيدنَا عَليّ ايضا وحاصرها سُفْيَان بن اوس فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ٥٢ هـ ٦٧٢ م وَفِي سنة ٩٧ هـ ٧١٥ م حاصرها مسلمة فِي زمن الْخَلِيفَة عمر بن عبد الْعَزِيز الاموي وحوصرت ايضا فِي خلَافَة هِشَام سنة ١٢١ هـ ٧٣٩ م وَفِي الْمرة السَّابِعَة حاصرها اُحْدُ قواد الْخَلِيفَة هرون الرشيد سنة ١٨٢ هـ ٧٩٨ م
هَذَا ثمَّ دخل السُّلْطَان الْمَدِينَة عِنْد الظّهْر فَوجدَ الْجنُود مشتغلة بالسلب والنهب وَغَيره فاصدر اوامره بِمَنْع كل اعتداء فَسَاد الامن حَالا ثمَّ زار كَنِيسَة ايا صوفيا وامر بَان يُؤذن فِيهَا بِالصَّلَاةِ اعلانا بجعلها مَسْجِدا جَامعا للْمُسلمين وَبعد تَمام الْفَتْح على هَذِه الصُّورَة اعلن فِي كَافَّة الْجِهَات بانه لَا يُعَارض فِي اقامة شَعَائِر ديانَة المسيحيين بل انه يضمن لَهُم حريَّة دينهم وَحفظ املاكهم فَرجع من هَاجر من المسيحيين واعطاهم نصف الْكَنَائِس وَجعل النّصْف الآخر جَوَامِع لمسلمين ثمَّ جمع ائمة دينهم لينتخبوا بطريقا لَهُم فَاخْتَارُوا جورج سكولاريوس وَاعْتمد السُّلْطَان هَذَا الانتخاب وَجعله رَئِيسا لطائفة الاروام واحتفل بتثبيته بِنَفس الابهة والنظام الَّذِي كَانَ يعْمل للبطارقة فِي ايام مُلُوك الرّوم المسيحيين واعطاه حرسا من عَسَاكِر الانكشارية ومنحه حق الحكم فِي القضايا المدنية والجنائية بكافة انواعها المختصة بالاروام وَعين مَعَه فِي ذَلِك مَجْلِسا مُشكلا من اكبر موظفي الْكَنِيسَة واعطى هَذَا الْحق فِي الولايات للمطارنة والقسوس وَفِي مُقَابلَة هَذِه الْمنح فرض عَلَيْهِم دفع الْخراج مستثنيا من ذَلِك ائمة الدّين فَقَط
وَبعد اتمام هَذِه الترتيبات واعادة مَا هدم من اسوار الْمَدِينَة وتحصينها سَافر بجيوشه لفتح بِلَاد جَدِيدَة فقصد بِلَاد موره لَكِن لم ينْتَظر اميراها دمتريوس وتوماس اخوا قسطنطين قدومه بل ارسلا اليه يخبرانه بقبولهما دفع جِزْيَة سنوية قدرهَا اثْنَا عشر الف دوكا فَقبل ذَلِك السُّلْطَان وَغير وجهته قَاصِدا بِلَاد الصرب فاتى هونياد الشجاع المجري ورد عَنْهُم مُقَدّمَة الجيوش العثمانية لَكِن لم يرغب الصرب فِي مساعدة المجر لَهُم لاخْتِلَاف مَذْهَبهم حَيْثُ كَانَ المجر كاثوليكيين تابعين لبابا
[ ١٦٥ ]
رومة والصرب ارثوذكسيين لَا يذعنون لسلطة البابا بل كَانُوا يفضلون تسلط الْمُسلمين عَلَيْهِم لما راوه من عدم تعرضهم للدّين مُطلقًا وَلذَلِك ابرم امير الصرب الصُّلْح مَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي على ان يدْفع لَهُ سنويا ثَمَانِينَ الف دوكا وَذَلِكَ فِي سنة ١٤٥٤ وَفِي السّنة التالية اعاد السُّلْطَان عَلَيْهَا الكرة بِجَيْش مؤلف من خمسين الف مقَاتل وثلاثمائة مدفع وَمر بجيوشه من جنوب بِلَاد الصرب إِلَى شمالها بِدُونِ ان يلقى اقل مُعَارضَة حَتَّى وصل مَدِينَة بلغراد الْوَاقِعَة على نهر الدانوب وحاصرها من جِهَة الْبر وَالنّهر وَكَانَ هونياد المجري دخل الْمَدِينَة قبل اتمام الْحصار عَلَيْهَا ودافع عَنْهَا دفاع الابطال حَتَّى يئس السُّلْطَان من فتحهَا وَرفع عَنْهَا الْحصار سنة ١٤٥٥ لَكِن وان لم يتَمَكَّن العثمانيون من فتح عَاصِمَة الصرب الا انهم ربحوا امرا عَظِيما وَهُوَ اصابة هونياد بجراح بليغة مَاتَ بِسَبَبِهَا بعد رفع الْحصار عَن الْمَدِينَة بِنَحْوِ عشْرين يَوْمًا واراح الْمُسلمين مِنْهُ وَلما علم السُّلْطَان بِمَوْتِهِ ارسل الصَّدْر الاعظم مَحْمُود باشا لاتمام فتح بِلَاد الصرب فاتم فتحهَا من سنة ١٤٥٨ إِلَى سنة ١٤٦٠ وَبِذَلِك فقدت الصرب استقلالها نهائيا بعد ان اعيت الدولة الْعلية اكثر من مرّة
وَفِي هَذِه الاثناء تمّ فتح بِلَاد موره فَفِي سنة ١٤٥٨ فتح السُّلْطَان مَدِينَة كورنته وَمَا جاورها من بِلَاد اليونان حَتَّى جرد توماس باليولوج اخا قسطنطين من جَمِيع بِلَاده وَلم يتْرك اقليم موره لاخيه دمتريوس الا بِشَرْط دفع الْجِزْيَة
وبمجرد مَا رَجَعَ السُّلْطَان بجيوشه ثار توماس وَحَارب الاتراك واخاه مَعًا فاستنجد دمتريوس بالسلطان فَرجع بِجَيْش عَرَمْرَم وَلم يرجع حَتَّى تمّ فتح اقليم موره سنة ١٤٦٠ وهرب توماس إِلَى ايطاليا وَنفي دمتريوس فِي احدى جزائر الارخبيل
وَفِي ذَلِك الْوَقْت فتحت جزائر تاسوس والبروس وَغَيرهَا من جزائر بَحر الرّوم
[ ١٦٨ ]
وَبعد عودة السُّلْطَان من بِلَاد اليونان ابرم صلحا مؤقتا مَعَ اسكندر بك وَترك لَهُ اقليمي البانيا وايبيروس ثمَّ حول انظاره إِلَى آسيا الصُّغْرَى ليفتح مَا بَقِي مِنْهَا فَسَار بجيشه بِدُونِ ان يعلم احدا بوجهته فِي اوائل سنة ١٤٦١ وهاجم اولا ميناء اماستريس وَكَانَت مَرْكَز تِجَارَة اهالي جينوه النازلين بِهَدِّهِ الاصقاع وَلكَون سكانها تجارًا يُحَافِظُونَ على اموالهم وَلَا يهمهم دين اَوْ جنسية متبوعهم مَا دَامَ غير متعرض لاموالهم وَلَا ارواحهم فتحُوا ابواب الْمَدِينَة ودخلها العثمانيون بِغَيْر حَرْب ثمَّ ارسل إِلَى اسفنديار امير مَدِينَة سينوب يطْلب مِنْهُ تَسْلِيم بَلَده والخضوع لَهُ ولاجل تعزيز هَذَا الطّلب ارسل اُحْدُ قواده وَمَعَهُ عدد عَظِيم من المراكب لحصر الميناء فسلمها اليه الامير واقطعه الْملك اراضي وَاسِعَة باقليم بيثينيا مُكَافَأَة لَهُ على خضوعه ثمَّ قصد بِنَفسِهِ مَدِينَة طرابزون ودخلها بِدُونِ مقاومة شَدِيدَة وَقبض على الْملك واولاده وَزَوجته وارسلهم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة
وَلما عَاد اليها جهز جَيْشًا لمحاربة امير الفلاخ الْمَدْعُو فلاددره قَول أَي الشَّيْطَان لمعاقبته على مَا ارْتَكَبهُ من الفظائع مَعَ اهالي بِلَاده والتعدي على تجار العثمانيين النازلين بهَا فَلَمَّا قرب مِنْهَا ارسل اليه هَذَا الامير وَفْدًا يعرض على السُّلْطَان دفع جِزْيَة سنوية قدرهَا عشرَة آلَاف دوكا بِشَرْط ان يصادق على جَمِيع الشُّرُوط الْوَارِدَة بالمعاهدة الَّتِي ابرمت فِي سنة ١٣٩٣ بَين امير الفلاخ اذ ذَاك وَالسُّلْطَان بايزيد فَقبل السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي هَذَا الاقتراح وَعَاد بجيوشه وَلم يقْصد امير الفلاخ بِهَذِهِ المعاهدة الا التَّمَكُّن من الِاتِّحَاد مَعَ ملك المجر ومحاربة العثمانيين فَلَمَّا علم السُّلْطَان باتحادهما ارسل اليه مندوبين يسألانه عَن الْحَقِيقَة فَقبض عَلَيْهِمَا وقتلهما بوضعهما على عَمُود محدد من الْخشب خازوق واغار بعْدهَا على بِلَاد بلغاريا التابعة للدولة الْعلية وعثا فِيهَا الْفساد وَرجع بِخَمْسَة وَعشْرين الف اسير فارسل اليه
[ ١٦٩ ]
السُّلْطَان يَدعُوهُ إِلَى الطَّاعَة واخلاء سَبِيل الاسرى فَلَمَّا مثل الرُّسُل امامه امرهم بِرَفْع عمائمهم لتعظيمه وَعند ابائهم طلبه لمُخَالفَته لعوائدهم امْر هَذَا الظَّالِم بَان تسمر عمائمهم على رُؤْسهمْ بمسامير من حَدِيد
فَلَمَّا وصلت هَذِه الاخبار إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد استشاط غَضبا وَسَار على الْفَوْر بِمِائَة وَخمسين الف مقَاتل لمحاربة هَذَا الشقي الظلوم فوصل فِي اقْربْ وَقت إِلَى مَدِينَة بخارست عَاصِمَة الامير بعد ان هَزَمه وَفرق جيوشه لكنه لم يتَمَكَّن من الْقَبْض عَلَيْهِ لمجازاته على مَا اقترفه من الْمَظَالِم والمآثم لهروبه والتجائه إِلَى ملك المجر فَنَادَى السُّلْطَان بعزله وَنصب مَكَانَهُ اخاه راوول لِثِقَتِهِ بِهِ بِمَا انه تربى فِي حضَانَة السُّلْطَان مند نعومة اظفاره وبذا ضمت بِلَاد الفلاخ إِلَى الدولة الْعلية وَيُقَال ان عِنْد وُصُول السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى ضواحي بخارست وجد حول الْمَدِينَة جثث الاسرى الَّذين اتى بهم امير الفلاخ من بِلَاد بلغاريا وقتلهم عَن آخِرهم بِمَا فيهم الاطفال وَالنِّسَاء وَكَانَ عَددهمْ جَمِيعًا عشْرين الْفَا
وَفِي سنة ١٤٦٢ حَارب السُّلْطَان بِلَاد بوسنة لِامْتِنَاع اميرها عَن دفع الْخراج واسره بعد محاربة عنيفة هُوَ وَولده وامر بِقَتْلِهِمَا فدانت لَهُ جَمِيع بِلَاد البشناق اهالي بوسنة وَفِي سنة ١٤٦٤ اراد متياس كرفن ملك المجر استخلاص بوسنة من العثمانيين فَهزمَ بعد ان قتل مُعظم جَيْشه وَكَانَت عَاقِبَة تدخله ان جعلت بوسنة ولَايَة كباقي ولايات الدولة وسلبت مَا كَانَ منح لَهَا من الامتيازات وَدخل فِي جَيش الانكشارية ثَلَاثُونَ الْفَا من شبانها واسلم اغلب اشراف اهاليها
هَذَا وَكَانَت ابتدأت حركات الْعدوان فِي سنة ١٤٦٣ بَين العثمانيين والبنادقة
[ ١٧٠ ]
بِسَبَب هروب اُحْدُ الرَّقِيق إِلَى كورون التابعة لَهُم وامتناعهم عَن تَسْلِيمه بِحجَّة انه اعتنق الدّين المسيحي فَاتخذ العثمانيون ذَلِك سَببا للاستيلاء على مَدِينَة ارجوس وَغَيرهَا فاستنجد البنادقة بحكومتهم وَهِي ارسلت اليهم عمَارَة بحريّة انزلت مَا بهَا من الجيوش إِلَى بِلَاد موره فثار سكانها وقاتلوا الْجنُود العثمانية الْمُحَافظَة على بِلَادهمْ واقاموا مَا كَانَ تهدم من سور برزخ كورنته لمنع وُصُول المدد من الدولة الْعلية وحاصروا مَدِينَة كورنته نَفسهَا واستخلصوا مَدِينَة ارجوس من الاتراك لَكِن لما علمُوا بقدوم السُّلْطَان مَعَ جَيش يبلغ عدده ثَمَانِينَ الف مقَاتل تركُوا البرزخ رَاجِعين على اعقابهم فَدخل العثمانيون بِلَاد موره بِدُونِ كَبِير مُعَارضَة واسترجعوا كل مَا اخذوه وَارْجِعُوا السكينَة إِلَى الْبِلَاد وَفِي السّنة التالية اعاد البنادقة الكرة على بِلَاد موره بِدُونِ فَائِدَة
وَبعد ذَلِك اخذ البابا بيوس الثَّانِي يسْعَى فِي تحريض الامم المسيحية على محاربة
[ ١٧١ ]
الْمُسلمين حَربًا دينية لَكِن عاجله الْمنون قبل اتمام مشروعه الا ان تحريضاته هَاجَتْ اسكندر بك الالباني فحارب الْجنُود العثمانية وَحصل بَينهمَا عدَّة وقائع اهرق فِيهَا كثير من الدِّمَاء وَكَانَت الْحَرْب فِيهَا سجالا وَفِي سنة ١٤٦٧ توفّي اسكندر بك بعد ان حَارب الدولة الْعلية خمْسا وَعشْرين سنة بِدُونِ ان تقوى على قمعه فَكَانَ من اشد خصوم الدولة وَالِد اعدائها
ثمَّ بعد هدنة استمرت سنة وَاحِدَة عَادَتْ الحروب بَين العثمانيين والبنادقة وَكَانَت نتيجتها ان افْتتح العثمانيون جَزِيرَة نجر بونت وَتسَمى فِي كتب التّرْك اجريبوس مَرْكَز مستعمرات البنادقة فِي جزائر الرّوم وَتمّ فتحهَا فِي سنة ١٤٧٠ وَبعد ان سَاد الامن فِي انحاء اوروبا حول السُّلْطَان انظاره إِلَى بِلَاد القرمان بآسيا الصُّغْرَى وَوجد سَبِيلا سهلا للتدخل وَهُوَ ان اميرها الْمَدْعُو ابراهيم اوصى بعد مَوته بالحكم إِلَى اُحْدُ اولاده واسْمه الامير اسحق وَلكَون امهِ ام ولد نازعه الحكم اخوته من ابيه الَّذين من الزَّوْجَات فَتدخل السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي وَحَارب اسحق وهزمه وَولى مَحَله اكبر اخوته وَعَاد إِلَى اوروبا لمحاربة اسكندر بك كَمَا مر فانتهز الامير اسحق غيابه وعاود الكرة على قونية لاسترداد مَا اوصى بِهِ اليه ابوه من الْبِلَاد فَرجع اليه السُّلْطَان وقهره وليستريح باله من هَذِه الْجِهَة ايضا ضم امارة القرمان إِلَى بِلَاده وَغَضب على وزيره مَحْمُود باشا الَّذِي عَارضه فِي هَذَا الامر
وَبعد ذَلِك بِقَلِيل زحف اوزون حسن اُحْدُ خلفاء تيمورلنك الَّذِي كَانَ سُلْطَانه ممتدا على كَافَّة الْبِلَاد والاقاليم الْوَاقِعَة بَين نهري آموداريا والفرات
[ ١٧٢ ]
وَفتح مَدِينَة توقات عنْوَة وَنهب اهلها فاخذ السُّلْطَان فِي تجهيز جَيش جرار وارسل لاولاده دَاوُد باشا بكلر بك الاناطول ومصطفى باشا حَاكم القرمان يامرهما بِالْمَسِيرِ لمحاربة الْعَدو فسارا بجيوشهما اليه وقابلا جَيش اوزون حسن على حُدُود اقليم الحميد وهزماه شَرّ هزيمَة سنة ١٤٧١ وَبعدهَا بِقَلِيل سَار اليه السُّلْطَان نَفسه وَمَعَهُ مائَة الف جندي واجهز على مَا بَقِي مَعَه من الْجنُود بِالْقربِ من مَدِينَة اذربيجان الَّتِي لَا تبعد كثيرا عَن نهر الْفُرَات وَلم يعد اوزون حسن لمحاربة الدولة بعد ذَلِك وَفِي هَذِه الاثناء كَانَت الْحَرْب متقطعة بَين العثمانيين والبنادقة الَّذين استعانو ببابا رومه وامير نابولي وَمَعَ كل فَكَانَ النَّصْر دَائِما للعثمانيين وَلم يتَمَكَّن البنادقة من استرجاع شَيْء مِمَّا اخذ مِنْهُم وَفِي سنة ١٤٧٥ اراد السُّلْطَان فتح بِلَاد البغدان فارسل اليها جَيْشًا بعد ان عرض دفع الْجِزْيَة على اميرها الْمُسَمّى اسطفن الرَّابِع وَلم يقبل
وَبعد محاربة عنيفة قتل فِيهَا كثير من الجيشين المتحاربين عَادَتْ الجيوش العثمانيين بِدُونِ فتح شَيْء من هَذَا الاقليم وَلما بلغ خبر هَذَا الانهزام اذان السُّلْطَان عزم على فتح بِلَاد القرم حَتَّى يَسْتَعِين بفرسانها الْمَشْهُورين فِي الْقِتَال على محاربة البغدان وَكَانَ لجمهورية جنوا مستعمرة فِي بِحَيْثُ شبه جَزِيرَة القرم فِي مَدِينَة كافا فارسل السُّلْطَان اليها عمَارَة بحريّة ففتحتها بعد حِصَار سِتَّة ايام وَبعدهَا سَقَطت جَمِيع الاماكن التابعة لجمهورية جنوا وَبِذَلِك صَارَت جَمِيع شواطيء القرم تَابِعَة للدولة العثمانية وَلم يقاومها التتار النازلون بهَا وَلذَلِك اكْتفى السُّلْطَان بِضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهَا
[ ١٧٣ ]
وَبعد ذَلِك فتحت الْعِمَارَة العثمانية ميناء آق كرمان وَمِنْهَا اقلعت السفن الحربية إِلَى مصاب نهر الدانوب لاعادة الكرة على بِلَاد البغدان بَيْنَمَا كَانَ السُّلْطَان يجتاز نهر الدانوب من جِهَة الْبر بِجَيْش عَظِيم فتقهقر امامه جَيش البغدان لعدم امكانه الْمُحَاربَة فِي السهول وَتَبعهُ الْجَيْش العثماني حَتَّى اذا اوغل خَلفه فِي غابة كثيفة يجهل مفاوزها انقض عَلَيْهِ الْجَيْش البغداني وهزمه ١٤٧٦ وَبِذَلِك اشْتهر اسطفن الرَّابِع امير البغدان بمقاومة العثمانيين كَمَا اشْتهر هونياد المجري واسكندر بك الالباني من قبل وَسَماهُ البابا شُجَاع النَّصْرَانِيَّة وحامي الدّيانَة المسيحية
وَفِي سنة ١٤٧٧ اغار السُّلْطَان على بِلَاد البنادقة وَوصل إِلَى اقليم الفريول بعد ان مر باقليمي كرواسيا ودلماسيا وهما تابعان الان لمملكة النمسا والمجر فخاف البنادقة على مدينتهم الاصلية وابرموا الصُّلْح مَعَه تاركين لَهُ مَدِينَة كرويا الَّتِي كَانَت عَاصِمَة اسكندر بك الشهير فاحتلها السُّلْطَان ثمَّ طلب مِنْهُم مَدِينَة
[ ١٧٤ ]
اشقودره وَلما رفضوا التنازل عَنْهَا اليه حاصرها واطلق عَلَيْهَا مدافعه سِتَّة اسابيع مُتَوَالِيَة بِدُونِ ان يضعف قُوَّة سكانها وشجاعتهم فَتَركهَا لفرصة اخرى وَفتح مَا كَانَ حولهَا للبنادقة من الْبِلَاد والقلاع حَتَّى صَارَت مَدِينَة اشقودره مُنْفَصِلَة بِالْكُلِّيَّةِ عَن بَاقِي بِلَاد البنادقة وَكَانَ لابد من فتحهَا بعد قَلِيل لعدم امكان وُصُول المدد اليها وَلذَا فضل البنادقة ان يبرموا صلحا جَدِيدا مَعَ السُّلْطَان ويتنازلوا عَن اشقودره فِي مُقَابلَة بعض امتيازات تجارية وَتمّ الصُّلْح بَين الْفَرِيقَيْنِ على ذَلِك وامضيت بِهِ بَينهمَا معاهدة فِي يَوْم ٥ ذِي الْقعدَة سنة ٨٨٣ ٢٨ يناير سنة ١٤٧٩ وَكَانَت هَذِه اول خطْوَة خطتها الدولة العثمانية للتدخل فِي شؤون اوروبا اذ كَانَت جمهورية البنادقة حِين ذَاك اهم دوَل اوروبا لاسيما فِي التِّجَارَة البحرية وَمَا كَانَ يعادلها فِي ذَلِك الا جمهورية جنوا