هُوَ ابْن السُّلْطَان احْمَد الاول ولد فِي ١٢ شَوَّال سنة ١٠٢٤ ٤ نوفمبر سنة ١٦١٥ وَكَانَ غير ميال لمحاربة النمسا فاطمان خاطرها واوعز لامير ترنسلفانيا بكف الْعدوان عَنْهَا لَكِن كَانَ من جِهَة اخرى محافظا على كَرَامَة الدولة غير متراخ فِي معاقبة من يَمَسهَا بِسوء اَوْ يتَعَدَّى حُدُودهَا وَلذَلِك افْتتح حروبه الخارجية بارسال جَيش جرار إِلَى بِلَاد القرم لمحاربة القوزاق الَّذين احتلوا مَدِينَة آزاق فحاربهم العثمانيون وابلوا فيهم بلَاء حسنا واستردوا الْمَدِينَة مِنْهُم بعد ان احرقوها وَذَلِكَ سنة ١٦٤٢ وَمن اعماله ايضا فتح جَزِيرَة كريد وَكَانَت تَابِعَة لجمهورية البندقية وَحصل فتحهَا بِسَبَب حِكَايَة غَرِيبَة تكَاد تقرب من الرِّوَايَات الْمَوْضُوعَة وَذَلِكَ ان آغا السراري قيزلر اغاسي كَانَ عِنْده جَارِيَة حسناء وضعت حَدِيثا فاعجبت السُّلْطَان واختارها لَان تكون ظِئْرًا أَي مُرْضِعَة لِابْنِهِ الوحيد مُحَمَّد ولشغف السُّلْطَان بالجارية ومحبته لابنها حصلت بعض امور داخلية مكدرة فاراد آغا السراري ملافاة لهَذِهِ الشقاقات العائلية ان يبتعد عَن الاستانة بِحجَّة زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام ويستصحب الْجَارِيَة وَابْنهَا مَعَه وَلما اذن لَهُ السُّلْطَان بذلك سَافر وبينما هُوَ فِي الطَّرِيق اذ هاجمته مراكب رُهْبَان مالطة وقتلوه واخذوا الْوَلَد ظنا مِنْهُم انه ابْن السُّلْطَان وَلما تحققوا من غلطتهم ربوا الْوَلَد على الدّين المسيحي وادخلوه طائفتهم
[ ٢٨٦ ]
واشتهر عِنْد الافرنج باسم بَدْرِي اوتوماتو أَي الاب العثماني وَبعد ذَلِك نزل الرهبان إِلَى جَزِيرَة كريد واحسن البنادقة وفادتهم فاغتاظ السُّلْطَان من ذَلِك غيظا شَدِيدا وَحبس قناصل البندقية وانكلترا وهولاندا وَلم يفرج عَنْهُم الا بعد ان اقنعه وزيره الاول بَان اغلب هَؤُلَاءِ الرهبان بل كلهم من الفرنساويين وَمَعَ ذَلِك فانهم غير تابعين للحكومة الفرنساوية وَلَا لغَيْرهَا فهدأ باله وَلكنه امْر بتجهيز عمَارَة بحريّة قَوِيَّة لفتح جَزِيرَة كريد لاهمية موقعها الجغرافي الْحَرْبِيّ عِنْد مدْخل بَحر ارخبيل اليونان ولتوسطها فِي الطَّرِيق بَين الاستانة وَولَايَة الغرب فجهزت الدونانمة وسارت باحتفال زَائِد تَحت قيادة من يدعى يُوسُف باشا إِلَى ان القت مراسيها امام مَدِينَة خَانِية اهم ثغور الجزيرة فِي ٢٩ ربيع الآخر سنة ١٠٥٥ ٢٤ يونيه سنة ١٦٤٥ وافتتحها بِدُونِ حَرْب تَقْرِيبًا لعدم وُصُول الدونانمه البندقية اليها فِي الْوَقْت الْمُنَاسب فانتقم البنادقة بحرق ثغور بتراس وكورون ومودون من بِلَاد موره وَيُقَال ان السُّلْطَان اراد فِي مُقَابلَة ذَلِك قتل المسيحيين اجْمَعْ وَلَوْلَا مُعَارضَة الْمُفْتِي اِسْعَدْ زَاده ابي سعيد افندي لتم هَذَا الامر وَرُبمَا كَانَت هَذِه دسيسة فِي كتب الافرنج الا انها تشهد على أَي حَال بِحسن سياسة هَذَا الْمُفْتِي لسعيه فِي منع هَذَا الامر الَّذِي لَو تمّ كَانَ يلْحق بالدولة عارا عَظِيما كَمَا لحق بمسيحي اسبانيا لما ارتكبوه من الْقَتْل والفتك بِالْمُسْلِمين بعد فتح مَدِينَة غرناطة وَفِي سنة ١٦٤٦
[ ٢٨٧ ]
فتح اغلب الجزيرة وَفِي السّنة التالية وضع الْحصار امام مَدِينَة كنديا عَاصِمَة الجزيرة لَكِن حَال دون اتمامه وَفتح الْمَدِينَة عصيان الْجنُود فِي الاستانة
وتفصيله ان السُّلْطَان ابراهيم اراد ان يفتك برؤوس الانكشارية فِي لَيْلَة زفاف احدى بَنَاته على ابْن الصَّدْر الاعظم لتذمرهم وانتقادهم على اعماله ورغبتهم فِي التَّدَاخُل فِي شؤون الدولة وَالْخُرُوج عَن حدودهم فَعَلمُوا بِقصد السُّلْطَان وَتَآمَرُوا على عَزله واجتمعوا بِمَسْجِد يُقَال لَهُ اورطه جَامع وانضم اليهم بعض الْعلمَاء والمفتي عبد الرَّحِيم افندي واهاجوا عَسَاكِر الانكشارية والسباه وَقرر الْجَمِيع بعزله وتولية ابْنه مُحَمَّد الرَّابِع الْمَوْلُود فِي ٢٩ رَمَضَان سنة ١٠٥١ اول يناير سنة ١٦٤٢ م أَي الَّذِي لم يتم السَّابِعَة من عمره وتمت هَذِه الثورة يَوْم ١٨ رَجَب سنة ١٠٥٨ ٨ اغسطس سنة ١٦٤٨ وَبعد ذَلِك بِعشْرَة ايام اظهر السباه عدم ارتياحهم من الْملك الفتي وطلبوا اعادة السُّلْطَان ابراهيم إِلَى عرش الْخلَافَة فخشي رُؤَسَاء الْعِصَابَة الَّتِي عزلته من تغلب السباه وارجاعه رغم انفهم وصمموا على قَتله فَسَارُوا إِلَى السراي وَمَعَهُمْ الجلاد قره عَليّ وقتلوه خنقا كَمَا قتلوا السُّلْطَان عُثْمَان الثَّانِي من قبله فَكَانَت مُدَّة حكمه ٨ سِنِين و٩ شهور وسنه ٣٤ سنة وَبِذَلِك ارْتَاحَ خاطرهم واطمان بالهم
[ ٢٨٨ ]
١٩