ابْن السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد الرَّابِع الْمَوْلُود فِي ٣ رَمَضَان سنة ١٠٨٣ ٢٣ دسمبر سنة ١٦٧٣ وَعند تَعْيِينه وزع اموالا طائلة على الانكشارية وَسلم لَهُم فِي قتل الْمُفْتِي فيض الله افندي لمقاومته لَهُم فِي اعمالهم ثمَّ لما قرت الاحوال وعادت السكينَة اقْتصّ من رُؤْس الانكشارية فَقتل مِنْهُم عددا لَيْسَ بِقَلِيل وعزل فِي ٦ رَجَب سنة ١١١٥ ١٥ نوفمبر سنة ١٧٠٣ الصَّدْر الاعظم نشانجي احْمَد باشا الَّذِي انتخبه الانكشارية وَقت ثورتهم وَعين فِي هَذِه الْوَظِيفَة المهمة زوج اخته داماد حسن باشا لَكِن لم تحمه مصاهرته للسُّلْطَان وَلَا مَا اتاه من الاعمال النافعة كتجديد الترسانة وانشاء كثير من الْمدَارِس من ان يكون هدفا لدسائس المفسدين ارباب الغايات الَّذين لَا يروق فِي اعينهم وجود اعنة الامور فِي قَبْضَة رجل حَازِم يحول بَينهم وَبَين مَا يشتهون فاعملوا فكرهم وبذلوا جهدهمْ حَتَّى تحصلوا على عَزله فِي ٢٨ جُمَادَى الاولى ١١١٦ ٢٨ سبتمبر سنة ١٧٠٤ وَمن بعده كثر تَغْيِير الصُّدُور تبعا للاهواء وَكَانَت نتيجة ذَلِك ان الدولة لم تلْتَفت لاجراءات بطرس الاكبر ملك الروسيا فِي داخلية بِلَاده وَلم تدْرك كنه سياسته الخارجية المبنية على اضعاف الاقوياء من مجاوريه أَي السويد وبولونيا والدولة العثمانية وانه قد ابْتَدَأَ فِي تَنْفِيذ مشروعه هَذَا بَان حَارب شارل الثَّانِي عشر
[ ٣١٢ ]
السويدي وانتصر عَلَيْهِ اخيرا نصرا عَظِيما فِي وَاقعَة بولتاوا فِي سنة ١٧٠٩ وَلَو فطنت الدولة ووزراؤها إِلَى مَا انطوت عَلَيْهِ هَذِه السياسة للزمها مساعدة السويد على الروسيا حَتَّى يَكُونَا مَعَ بولونيا حاجزا ضد اطماعها لَكِنَّهَا لم تفقه لهَذَا السِّرّ السياسي فقلبت لشارل الثَّانِي عشر ظهر الْمِجَن حَتَّى لما التجأ بعد وَاقعَة بولتاوا إِلَى مَدِينَة بندر واخذ فِي استمالة الدولة لمحاربة الروسيا وَلَكِن لم ينجح فِي مسعاه لمعارضة الْوَزير نعْمَان باشا كوبريلي للحرب
ثمَّ لما عزل الْوَزير وَتَوَلَّى بعده بلطه جي مُحَمَّد باشا مَال لاثارة الْحَرْب على الروسيا فاشهر عَلَيْهَا الْحَرْب وقاد الجيوش بِنَفسِهِ وَبعد مناورات مهمة حصرت الجيوش العثمانية الْبَالِغ قدرهَا مِائَتي الف جندي قَيْصر الروسيا وخليلته كاترينا وَلَو اسْتمرّ عَلَيْهِم الْحصار قَلِيلا لاخذ اسيرا هُوَ وَمن مَعَه وانمحت الدولة الروسية كُلية من الْعَالم السياسي اَوْ بالاقل بقيت فِي التوحش والهمجية عدَّة اجيال لَكِن
[ ٣١٣ ]
استمالت كاترينا بلطه جي مُحَمَّد باشا اليها واعطته كَافَّة مَا كَانَ مَعهَا من الْجَوَاهِر الْكَرِيمَة والمصوغات الثمينة فخان الدولة وَرفع الْحصار عَن القيصر وجيشه مكتفيا بامضاء القيصر لمعاهدة فلكزن المؤرخة ٩ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٢٣ ٢٥ يوليه سنة ١٧١١ الَّذِي اخلى بمقتضاها مَدِينَة ازاق وتعهد فِيهَا بِعَدَمِ التدخل فِي شؤون القوزاق مُطلقًا لَكِن لَا يخفى على كل مطلع لَهُ ذرة من الْعقل ان هَذِه المزية لم تكن شَيْئا مَذْكُورا فِي جَانب مَا كَانَ يُمكن الدولة ان تناله من القيصر لَو اهلكت جَيْشه واستولت عَلَيْهِ اسيرا وَلذَلِك احتدم شارل الثَّانِي عشر السويدي نزيل بندر غيظا وسعى لَدَى السُّلْطَان بمساعدة خَان القرم دولت كراي حَتَّى تحصل على عَزله وابعاده إِلَى جَزِيرَة لمنوس
وَتَوَلَّى بعده يُوسُف باشا وَكَانَ محبا للسلم فامضى مَعَ الروسيا معاهدة جَدِيدَة تقضي بِعَدَمِ الْمُحَاربَة بَينهمَا مُدَّة ٢٥ سنة لَكِن لم تمض على هَذِه المعاهدة بضعَة اشهر حَتَّى قَامَت الْحَرْب ثَانِيَة بَين الدولتين بِسَبَب عدم قيام بطرس الاكبر باحد شُرُوط معاهدة فلكزن القَاضِي بتخريب فرضة تجانزك الْوَاقِعَة على بَحر آزاق فتدخلت انكلترا وهولاندا فِي منع الْحَرْب لاضراره بتجارتهما وَبعد مخابرات طَوِيلَة امضيت بَينهمَا معاهدة جَدِيدَة سميت بمعاهدة ادرنه فِي ٢٤ جُمَادَى الاولى سنة ١١٢٥ ١٨ يونيو سنة ١٧١٣ تنازلت الروسيا بمقتضاها عَمَّا لَهَا من الاراضي على الْبَحْر الاسود حَتَّى لم يبْق لَهَا عَلَيْهِ موانئ اَوْ ثغور وَفِي مُقَابلَة ذَلِك ابطل مَا
[ ٣١٤ ]
كَانَت تَدْفَعهُ سنويا إِلَى امراء القرم بِصفة جِزْيَة كي لَا يتعدوا على قوافلها التجارية وَعند ذَلِك يئس شارل السويدي من نوال غَرَضه وَهُوَ مساعدة الدولة الْعلية على الروسيا فبارح بِلَاد الدولة فِي اول اكتوبر سنة ١٧١٣ بعد ان اقام فِيهَا نَحْو سنتَيْن
ثمَّ تولى منصب الصدارة عَليّ باشا داماد بعد يُوسُف باشا وَكَانَ ميالا للحرب غيورا على صَالح الدولة ميالا لاسترجاع ماضاع من املاكها خُصُوصا بِلَاد موره وَلذَلِك اعلن الْحَرْب على جمهورية البندقية وَفِي قَلِيل من الزَّمن اسْتردَّ البحيث جَزِيرَة باجمعها والمدن الَّتِي كَانَت بَاقِيَة للبنادقة بِجَزِيرَة كريد حَتَّى لم يبْق لَهُم بِبِلَاد اليونان الا جَزِيرَة كورفو فاستعانت البندقية بشارل الثَّالِث امبراطور النمسا اُحْدُ الماضين على معاهدة كارلوفتس وَلكَون الْحَرْب كَانَت قد انْقَضتْ وَوضعت اوزارها بَين النمسا وفرنسا وَتمّ الصُّلْح بَينهمَا بمعاهدتي اوترك ورستاه اسرع الامبراطور لمديد المساعدة إِلَى البنادقة بَان ارسل إِلَى السُّلْطَان بلاغا يطْلب مِنْهُ فِيهِ ارجاع كل مَا اخذه من البنادقة وَكَانَ اعطى لَهُم بِمُقْتَضى معاهدة كارلوفتس والا فَيكون امْتِنَاعه بِمَثَابَة اعلان للحرب فَلم تقبل الدولة هَذَا الطّلب وفضلت الْحَرْب فِي هَذَا الْوَقْت الْغَيْر مُنَاسِب بِعَدَمِ تبصر وزيرها فانه كَانَ من الْوَاجِب عَلَيْهِ عدم عمل مَا يسبب هَذِه الحروب مَعَ عدم اشْتِغَال النمسا بمحاربة فرنسا وامكانها تَوْجِيه كل قواها وامهر قوادها إِلَى ساحة الْقِتَال خُصُوصا الْقَائِد الذائع الصيت الْبُرْنُس اوجين دي سافوا الَّذِي سبق ذكره اكثر من مرّة فَكَانَ من الْمُحَقق تَقْرِيبًا فوزه على العثمانيين لتضلعه من فنون الْحَرْب الَّتِي لَا تقوى عَلَيْهَا شجاعة العثمانيين وَمَا اتصفوا بِهِ من الثَّبَات
[ ٣١٥ ]