توفّي السُّلْطَان ابو الْفَتْح مُحَمَّد الثَّانِي عَن وَلدين اكبرهما بايزيد الْمَوْلُود سنة ٨٥١ سنة ١٤٤٧ م وَكَانَ حَاكما باماسيا وَثَانِيهمَا جم الْمَشْهُور فِي كتب الافرنج باسم الْبُرْنُس زيزيم وَكَانَ حَاكما فِي القرمان فاخفى الصَّدْر الاعظم قرماني مُحَمَّد باشا موت السُّلْطَان مُحَمَّد حَتَّى يَأْتِي بكر اولاده بايزيد وَلكنه لشدَّة ارتباطه ومودته بالاصغر ارسل اليه سرا يُخبرهُ بِمَوْت ابيه كي يحضر قبل اخيه الاكبر ويستلم مقاليد الدولة وَلما اذيع هَذَا الْخَبَر ثار الانكشارية على هَذَا الْوَزير وقتلوه وعثوا فِي الْمَدِينَة سلبا ونهبا واقاموا ابْن السُّلْطَان بايزيد واسْمه كركود نَائِبا عَاما عَن ابيه لحين حُضُوره وَذَلِكَ فِي يَوْم ٥ ربيع الاول سنة ٨٨٦ ٤ مايو سنة ١٤٨١ وَفِي يَوْم ١٣ ربيع الاول وصل الرَّسُول إِلَى بايزيد فسافر فِي الْيَوْم التَّالِي باربعة آلَاف فَارس وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد مسير تِسْعَة ايام مَعَ ان الْمسَافَة تبلغ ١٦٠ فرسخا تقطع عَادَة فِي نَحْو ١٥ يَوْمًا فقابله امراء الدولة واعيانها عِنْد بوغاز مضيق البوسفور وَفِي اثناء اجتسازه البوغاز احاطت بِهِ عدَّة قوارب ملأى بالانكشارية وطلبوا مِنْهُ عزل اُحْدُ الوزراء الْمَدْعُو مصطفى باشا وَتَعْيِين اسحق باشا ضَابِط الْقُسْطَنْطِينِيَّة مَكَانَهُ فاجاب طَلَبهمْ وَكَذَلِكَ عِنْد وُصُوله إِلَى السراي الملوكية وجدهم مصطفين امامها طَالِبين الْعَفو عَنْهُم فِيمَا وَقع من قتل والوزير وَنهب الْمَدِينَة وان ينعم عَلَيْهِم بمبلغ سُرُورًا بتعيينه فاجابهم إِلَى جَمِيع مطالبهم وَصَارَت هَذِه سنة لكل من تولى بعده إِلَى ان ابطلها السُّلْطَان عبد الحميد خَان الاول سنة ١٧٧٤ اما الرَّسُول الَّذِي كَانَ ارسله الْوَزير مُحَمَّد إِلَى الامير جم فَقبض عَلَيْهِ سِنَان باشا حَاكم الاناطول وَقَتله حَتَّى لَا يصل خبر موت السُّلْطَان مُحَمَّد اليه
[ ١٧٩ ]
وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي ميالا للسلم اكثر مِنْهُ إِلَى الْحَرْب محبا للعلوم الادبية مشتغلا بهَا وَلذَلِك سَمَّاهُ بعض مؤرخي التّرْك بايزيد الصُّوفِي لَكِن دَعَتْهُ سياسة الدولة إِلَى ترك اشغاله السلمِيَّة الْمَحْضَة والاشتغال بِالْحَرْبِ وَكَانَت اول حروبه داخلية وَذَلِكَ ان اخاه جما لما بلغه خبر موت ابيه سَار على الْفَوْر مَعَ من حَاز بِهِ ولاذ بِهِ قَاصِدا مَدِينَة بورصه فَدَخلَهَا عنْوَة بعد ان هزم الفي انكشاري ثمَّ ارسل إِلَى اخيه يعرض عَلَيْهِ الصُّلْح بِشَرْط تَقْسِيم المملكة بَينهمَا فَيخْتَص جم بولايات آسيا وبايزيد باوروبا فَلم يقبل بايزيد بل اتى اليه وقهره بِالْقربِ من مَدِينَة يكى شهر فِي يَوْم ٢٣ جمادي الاولى سنة ٨٨٦ ٢٠ يوليو سنة ١٤٨١ وَتَبعهُ حَتَّى اوصله إِلَى تخوم الْبِلَاد التابعة لمصر وَفِي عودته إِلَى عاصمته طلب مِنْهُ الانكشارية ان يُبِيح لَهُم نهب مَدِينَة بورصة مجازاة لَهَا على قبُولهَا الامير جما فَلم يوافقهم على ذَلِك وخوفا من حُصُول شغب مِنْهُم دفع إِلَى كل نفر مِنْهُم قرشين فاقام جم هَذِه السّنة بِالْقَاهِرَةِ ضيفا عِنْد السُّلْطَان قايدباي ويكتبها بَعضهم قايتباي ثمَّ عَاد فِي السّنة الثَّانِيَة إِلَى حلب وَمِنْهَا راسل قَاسم بك آخر ذُرِّيَّة امراء القرمان ووعده انه لَو انجده وساعده للحصول على ملك آل عُثْمَان يرد لَهُ بِلَاد اجداده فاغتر قَاسم بك بِهَذِهِ الوعود وَجمع احزابه وَسَار مَعَ الامير جم لمحاصرة مَدِينَة قونيه عَاصِمَة بِلَاد القرمان فصدهم عَنْهَا الْقَائِد العثماني كدك احْمَد باشا فاتح مدينتي كافا واوترنت والزم الامير جما بالفرار
ثمَّ حاول هَذَا الامير الصُّلْح مَعَ اخيه بِشَرْط اقطاعه بعض الولايات وَلما رفض السُّلْطَان هَذَا الطّلب الَّذِي لايكون وَرَاءه الا انقسام الدولة ارسل الامير جما رَسُولا من طرفه إِلَى رَئِيس رهبنة القديس حنا الاورشليمي برودس يطْلب مِنْهُ مساعدته
[ ١٨٠ ]
على اغراضه فقبلوه عِنْدهم بالجزيرة وَوصل اليها فِي ٦ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ٨٨٧ هـ ٢٣ يوليوسنة ١٤٨٢ وقابلة اهلها بِكُل تَجِلَّةً واحترام وَبعد قَلِيل وصلت إِلَى الجزيرة وُفُود من السُّلْطَان بايزيد لمخابرة رَئِيس الرهبنة على ابقاء اخيه جما عِنْدهم تَحت الْحِفْظ وَفِي مُقَابلَة ذَلِك يتعهد لَهُم السُّلْطَان بِعَدَمِ التَّعَرُّض لاستقلال الجزيرة مُدَّة حَيَاته وَيدْفَع مبلغا سنويا للرهبنة الْمَذْكُورَة قدره ٤٥ الف دوكا فَقبل رئيسهم ذَلِك واوفوا بوعدهم وَلم يقبلُوا تَسْلِيمه إِلَى ملك المجر اَوْ امبراطور المانيا اللَّذين طلبا اطلاق سراحه ليستعملاه آلَة فِي اضعاف الدولة العثمانية بل ارسله رَئِيس الرهبنة إِلَى فرنسا وَوضع تَحت الْحِفْظ اولا فِي مَدِينَة نيس ثمَّ فِي شمبري وَبَقِي ينْقل من بَلْدَة للاخرى مُدَّة سبع سنوات وَفِي سنة ١٤٨٩ سلمه رَئِيس الرهبنة إِلَى البابا انوسان الثَّامِن وَهُوَ خابر السُّلْطَان بايزيد طَالبا ان يحفظه عِنْده وتدفع اليه الدولة مَا كَانَت تَدْفَعهُ إِلَى رهبنة رودس فَقبلت ثمَّ مَاتَ هَذَا البابا وَخَلفه اسكندر بورجيا الشهير وَيُقَال ان هَذَا البابا عرض على السُّلْطَان
[ ١٨١ ]
بايزيد ان يخلصه من اخيه وَبِعِبَارَة اخرى يقْتله لَو دفع اليه ثلثمِائة الف دوكا
وَفِي اثناء هَذِه المخابرات اغار شارل الثَّامِن ملك فرنسا على بِلَاد ايطاليا لتنفيذ مشروعه الوهمي وَهُوَ فتح مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة والوصول اليها عَن طَرِيق بِلَاد البنادقة فألبانيا وَلذَلِك كَانَ ارسل دعاة الْفِتْنَة وَالْفساد إِلَى بِلَاد مقدونيا واليونان لاثارة الافكار ضد العثمانيين لَكِن خشى ملك نابولي وجمهورية البنادقة من تعاظم شان الدولة الفرنساوية فوضعوا العراقيل امامه وارسلوا إِلَى السُّلْطَان بايزيد يخبرونه بمشروع ملك فرنسا ودسائسه وطلبوا مِنْهُ ان يُرْسل جيوشه إِلَى بِلَاد ايطاليا وان ياخذ حذره فِي داخليته
وَفِي هَذِه الاثناء حاصر ملك فرانسا مَدِينَة رومه وَطلب من البابا ان يُسلمهُ الامير جما العثماني فسلمه اليه وَيُقَال انه دس لَهُ السم قبل تَسْلِيمه اليه وَمَا فتئ هَذَا الامير مصاحبا لجيوش فرانسا حَتَّى توفّي فِي يَوْم ١٨ جمادي الاول سنة ٩٠٠ ١٤ فبراير سنة ١٤٩٥ فِي مَدِينَة نابولي وَدفن فِي بَلْدَة جاييت بايطاليا ثمَّ نقلت جثته بعد ذَلِك بِمدَّة إِلَى الْبِلَاد العثمانية وَدفن فِي مَدِينَة بورصة فِي قُبُور اجداده وَتُوفِّي ﵀ عَن ٣٦ سنة قضى مِنْهَا ١٣ فِي هَذِه الْحَالة الشبيهة بالاسر خَارِجا عَن بِلَاده
هَذَا ولنأت على ذكر مَا حصل فِي مُدَّة سلطنة بايزيد الثَّانِي من الحروب بطرِيق الايجاز لعدم حُصُول فتوحات فِي ايامه تَقْرِيبًا فَكَانَت اغلبها على التخوم لصد هجمات المتاخمين ومجازاتهم على مَا يرتكبونه من السَّلب لَكِن فِي سنة ١٤٨٧ كَانَت الحروب تنتشب بَين العثمانيين وملوك مصر لمتاخمة بِلَادهمْ عِنْد اطنه وطرسوس فَبعد مناوشات خَفِيفَة بَين الطَّرفَيْنِ على الْحُدُود توَسط بَينهمَا باي
[ ١٨٢ ]
تونس لعدم حُصُول الْحَرْب بَين اميرين مُسلمين فاتفقا على حل مرض للطرفين وساعد على ذَلِك حب السُّلْطَان بايزيد للسلم كَمَا سبق الذّكر وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ١٤٩١ وَفِي السنين التالية حصلت عدَّة وقائع ذَات شَأْن لم تحصل مِنْهَا الدولة على نتائج تذكر اذ لم تفتح مَدِينَة بلغراد الَّتِي كَانَت مطمح انظار الدولة لبقائها كنقطة سَوْدَاء على شاطئ نهر الدانوب الايمن الْفَاصِل بَين املاك الدولة والمجر