ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع الْمَوْلُود فِي ٨ ذِي الْقعدَة سنة ١٠٧٤ ٢ يونيه سنة ١٦٦٤ وَكَانَ متصفا بالشجاعة وثبات الجأش وَلذَلِك اعلن بعد تَوليته بِثَلَاثَة ايام رغبته فِي قيادة الجيوش بِنَفسِهِ فَسَار إِلَى بِلَاد بولونيا مستعينا بفرسان القوزاق وانتصر على البولونيين عدَّة مَرَّات وَلَوْلَا مَا لاقاه من الدفاع امام مَدِينَة لمبرج لتقدم كثيرا لَكِن كَانَ هَذَا الْحصن المنيع من اكبر الْعَوَائِق لاستمرار فتوحاته وَمن جِهَة اخرى حَارب الروس واضطرهم لرفع الْحصار عَن مَدِينَة ازاق بِبِلَاد القرم الَّتِي حاصرها بطرس الاكبر لتَكون ثغرا لبلاده على الْبَحْر الاسود اذ كَانَت قبائل القوزاق تحول بَين هَذَا الْبعد وَبَين بِلَاده فَرفع الْحصار عَنْهَا رغم انفه فِي اكتوبر سنة ١٦٩٥ مُعَللا نَفسه بمعاودة الكرة عَلَيْهَا عِنْد تهيؤ الاسباب وَبعد ذَلِك اغار السُّلْطَان بجيوشه ثَانِيًا على بِلَاد المجر وَفتح حصن لبا عنْوَة وَهزمَ الجنرال فتراني فِي موقعة لوجوس وَقتل من عساكره سِتَّة الآف جندي
[ ٣٠٨ ]
واخذه اسيرا وَقَتله فِي ٢٢ سبتمبر سنة ١٦٩٥ ١٢ صفر سنة ١١٠٧ وَفِي سنة ١٦٩٦ فَازَ السُّلْطَان فوزا مُبينًا على منتخب ساكس فِي موقعة اولاش وَبعد ذَلِك تقلد الْبُرْنُس اوجين دي سافوا الْقَائِد الشهير قيادة الْجَيْش النمساوي فاعمل الفكرة فِي عدم ملاقاة الْجَيْش العثماني فِي الاراضي السهلة بل حاوله مُدَّة بِدُونِ ان يُمكن السُّلْطَان من مهاجمته حَتَّى فاجأه هُوَ اثناء عبور الْجنُود العثمانية لنهر تَيْس وَعدم استعدادها للدفاع بِالْقربِ من قَرْيَة صَغِيرَة اسْمهَا زينتا فَقتل مِنْهُم عددا عَظِيما من ضمنهم الصَّدْر الاعظم الماس مُحَمَّد باشا وغرق مِنْهُم فِي النَّهر اكثر مِمَّن قتل وَلَوْلَا وجود السُّلْطَان على الضفة الاخرى لسقط فِي ايديهم اسيرا وَكَانَ ذَلِك فِي ٢٥ صفر سنة ١١٠٩ ١٢ سبتمبر سنة ١٦٩٧ ثمَّ تَبِعَهُمْ الْبُرْنُس اوجين وَدخل بِلَاد البوسنة فاتحا وَعين بعد ذَلِك عموجه زَاده حُسَيْن باشا كوبريلي صَدرا اعظم
وَفِي اثناء اشْتِغَال السُّلْطَان بِبِلَاد المجر عَاد بطرس الاكبر الروسي لفتح ميناء ازاق لاهميتها لمملكته فَدَخلَهَا فِي خلال سنة ١٦٩٦ وَلم تزل تَابِعَة للروسيا حَتَّى الْآن فَكَانَت الدولة فِي خطر شَدِيد من جهتي الروسيا والنمسا لَكِن اوقف الصَّدْر الاعظم كوبريلي حُسَيْن باشا الْبُرْنُس اوجين فِي سيره والزمه التقهقر امامه حَتَّى اخلى بِلَاد البوسنه وَرجع إِلَى مَا وَرَاء نهر ساف واسترد الاميرال البحري العثماني الملقب مزومورتو جَزِيرَة ساقز بعد ان انتصر دفعتين على مراكب البندقية ثمَّ ابتدأت المخابرات للوصول إِلَى الصُّلْح فَتدخل ملك فرنسا لويس الرَّابِع عشر واراد ان يدْخل الدولة فِي معاهدة ريسويك فَلم تقبل لعلمها ان جَمِيع
[ ٣٠٩ ]
الدول يَد وَاحِدَة عَلَيْهَا وَلَو اظهرت لَهَا احداها التودد فَذَلِك لم يكن الا لغاية كامنة فِي النَّفس والتاريخ الحالي شَاهد عدل
وَبعد مخابرة طَوِيلَة امضيت بَين الدولة الْعلية والنمسا والروسيا والبندقية وبولونيا معاهدة كارلوفتس فِي ٢٤ رَجَب سنة ١١١٠ ٢٦ يناير سنة ١٦٩٩
فَتركت الدولة بِلَاد المجر باجمعها واقليم ترنسلفانيا لدولة النمسا وتنازلت عَن مَدِينَة ازاق وفرضتها للروسيا فَصَارَ لَهَا بذلك يَد على الْبَحْر الاسود وزادت اهمية جوارها للدولة الْعلية اضعاف مَا كَانَت عَلَيْهِ من قبل وَردت لمملكة بولونيا مَدِينَة كامينك واقليمي بودوليا واوكروين وتنازلت للبندقية عَن بِحَيْثُ جَزِيرَة مورا إِلَى نهر هكساميلون واقليم دلماسيا على الْبَحْر الادرياتيكي باجمعه تَقْرِيبًا واتفقت مَعَ النمسا على مهادنة خمس وَعشْرين سنة وان لَا تدفع هِيَ اَوْ غَيرهَا شَيْئا للدولة الْعلية على سَبِيل الْجِزْيَة اَوْ مُجَرّد الْهَدِيَّة وبهذه المعاهدة فقدت الدولة جزأ لَيْسَ بِقَلِيل من املاكها باوروبا وزادت اطماع الدول فِي بلادها كَمَا سَيَأْتِي مفصلا
ويمكننا القَوْل بَان الِاتِّفَاق قد تمّ من ذَلِك التَّارِيخ بَين جَمِيع الدول ان لم يكن صَرَاحَة فضمنا على الْوُقُوف امام تقدم الدولة الْعلية اولا ثمَّ تَقْسِيم بلادها بَينهم شَيْئا فَشَيْئًا وَهُوَ مَا يسمونه فِي عرف السياسة بالمسالة الشرقية المبنية على الْخَوْف من انتشار الدّين الاسلامي وحلوله مَحل الدّين المسيحي لَيْسَ الا اما مَا يسترون خَلفه غاياتهم من الدفاع عَن حُقُوق الامم المسيحية الضعيفة الخاخعة للدولة فمما لم يعد اُحْدُ يغتر بِهِ
وَبعد اتمام هَذِه المعاهدة الَّتِي رُبمَا كَانَت اوخم عَاقِبَة لَوْلَا استظهار كوبريلي حُسَيْن
[ ٣١٠ ]
باشا على الْبُرْنُس اوجين قَائِد الجيوش النمساوية فِي بِلَاد البوسنة وَجه هَذَا الْوَزير اهتمامه إِلَى الامور الداخلية والشؤون الْمَالِيَّة والاحوال العسكرية مِمَّا لَا قوام لاي دولة الا بانتظامها وتقويم المعوج مِنْهَا فاتى لكل مِنْهَا بالدواء الْكَافِي والعلاج الشافي وَترك كثيرا من الاموال الْمُتَأَخِّرَة على الاهالي لَا سِيمَا المسيحيين مِنْهُم حَتَّى لَا يجد مِنْهُم المفسدون المضلون نصراء الاجانب وسماسرتهم اذنا صاغية لدسائسهم الايهامية ووساوسهم الشيطانية الَّتِي يسلمُونَ بهَا بِلَادهمْ للاجانب طَمَعا فِي مَال اَوْ جاه لن يَكُونُوا بالغيه وَللَّه فِي خلقه آيَات ثمَّ استقال هَذَا الْوَزير المصلح فِي ١٢ ربيع الآخر سنة ١١١٤ ٥ سبتمبر سنة ١٧٠٢ وَعين مَكَانَهُ فِي منصب الصدارة دَال طبان مصطفى باشا وَكَانَ جنديا ميالا للحرب وَلذَلِك لم يسر على خطة سلفه من اصلاح الشؤون الداخلية وتنظيم الْبِلَاد وانشاء الطّرق العمومية وَغَيرهَا من الاعمال والاشغال العمومية وَعدم اضاعة النُّفُوس والاموال فِي الحروب واضافة الْبِلَاد لبعضها بِدُونِ اصلاح اَوْ تنظيم اكْتِفَاء بِمَا يُؤْخَذ من الْغَنَائِم وَقت الْحَرْب بل اراد ان يخرق عُهْدَة كارلوفتس مَعَ حداثتها ويثير الْحَرْب على النمسا ولشعور الاهالي والجنود بمضار هَذِه السياسة على الدولة لما وَرَاءَهَا من تَأَلُّبُ الدول عَلَيْهَا ثَانِيًا واخذ بعض بلادها تذمروا ضد الْوَزير واشترك مَعَهم بعض الْجنُود وطلبوا من السُّلْطَان عَزله فاقاله فِي ٦ رَمَضَان سنة ١١١٤ ٢٤ نوفمبر سنة ١٧٠٢ وَتعين مَحَله رامي مُحَمَّد باشا فَسَار على اثر كوبريلي حُسَيْن باشا وَشرع فِي ابطال الْمَفَاسِد ومعاقبة المرتشين وَمنع الْمَظَالِم فاهاج ضِدّه ارباب الغايات وَكثير عدادهم واثاروا عَلَيْهِ الانكشارية لميلهم بالطبع إِلَى الْهياج للسلب والنهب وهتك الاعراض فطلبوا عَزله من السُّلْطَان فَامْتنعَ وارسل لقمعهم فرقة من الْجنُود فانضمت إِلَى الثائرين وعزلوا السُّلْطَان مصطفى الثَّانِي فِي ٢ ربيع الآخر سنة ١١١٥ ١٥ اغسطس سنة ١٧٠٣ بعد ان حكم ٨ سنوات و٨ شهور وَبَقِي معزولا إِلَى ان توفّي فِي ٢٢ شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة ٣١ دسمبر سنة ١٧٠٣ م وعمره اربعون سنة تَقْرِيبًا واقاموا مَكَانَهُ بعد عَزله اخاه
[ ٣١١ ]
٢٣