وَبعد ان انتصر عدَّة مَرَّات على النمساويين قصد مَدِينَة ويانة عَاصِمَة النمسا فحاصرها سنة ١٦٨٣ مُدَّة شَهْرَيْن وَاسْتولى على كَافَّة قلاعها الامامية وَهدم اسوارها
[ ٣٠٠ ]
بالمدافع والغام البارود وَلما لم يبْق عَلَيْهِ الا المهاجمة الاخيرة المتممة لِلْفَتْحِ اتى سوبيسكي ملك بولونيا ومنتخبي ساكس وبافييرا بجيوشهم بِنَاء على الحاح البابا عَلَيْهِم واستنهاضه هممهم لمحاربة الْمُسلمين حَتَّى اضرم فِي قُلُوبهم نَار التعصب الديني وَفِي يَوْم ٢٠ رَمَضَان سنة ١٠٩٤ ١٢ سبتمبر سنة ١٦٨٣ هاجم سوبيسكي وَمن مَعَه العثمانيين فِي المرتفعات المتحصنين بهَا وَبعد ان اسْتمرّ الْقِتَال طول النَّهَار فَازَ المسيحيون بالنصر وَانْهَزَمَ قره مصطفى باشا وجيوشه امامهم تَارِكًا كَافَّة المدافع والذخائر والمؤن فَكَانَ يَوْمًا مشهودا يَجْعَل الْولدَان شيبا ثمَّ جمع قره مصطفى باشا مَا بَقِي من جُنُوده وَلم شعثهم على نهر راب وَمن هُنَاكَ قفل رَاجعا إِلَى مَدِينَة بود وَالْملك سوبيسكي سَائِر خَلفه يقتل كل من يتَخَلَّف فِي السّير وَفتح مَدِينَة جران بِكُل سهولة وَلما وصل خبر هَذَا الخذلان الَّذِي لم يسْبق لجيوش الدولة امْر السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع بقتل الصَّدْر قره مصطفى باشا وارسل اُحْدُ رجال حَاشِيَته فَقتله وارسل براسه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَعين مَكَانَهُ ابراهيم باشا سنة ١٠٩٥
وَبعد استخلاص مَدِينَة ويانه تألبت كل من النمسا وبولونيا والبندقية ورهبنة مالطه والبابا ومملكة الروسيا على محاربة الدولة الاسلامية الوحيدة لمحوها من الْعَالم السياسي وَالَّذِي يدل على ان هَذَا التَّحَالُف كَانَ دينيا مَحْضا تَسْمِيَته بالتحالف الْمُقَدّس وَمِمَّا زَاد احوال هَذِه الدولة الْقَائِمَة بمفردها امام جَمِيع الدول المسيحية ارتباكا قطع العلاقات بَينهَا وَبَين فرنسا بِسَبَب المناوشات البحرية المستمرة بَين مراكبها قراصنة الْمغرب فان الاميرال دوكين تبع ثَمَانِي مراكب من ميناء طرابلس الغرب إِلَى جَزِيرَة
[ ٣٠١ ]
ساقز وَلما التجأت إِلَى فرضتها واراد الاميرال الدُّخُول إِلَى الميناء خلفهَا وَمنعه حَاكم الجزيرة اطلق مدافعه على الْمَدِينَة بِدُونِ اعلان حَرْب وجاوبته قلاعها وَلم يمْتَنع عَن القاء القنابل على بيُوت السكان حَتَّى دمر الْمَدِينَة وَفِي سنة ١٦٤٨ اطلق دوكين ايضا المدافع على مَدِينَة الجزائر بالغرب مُدَّة وَلم يكف عَن القاء المقذوفات النارية عَلَيْهَا حَتَّى دفع اليه اهلها مليونين ومائتي الف قِرْش غَرَامَة حربية واطلقوا سراح من عِنْدهم من اسرى الفرنساويين وَفِي السّنة التالية فعل هَذَا الامر الشنيع ايضا فِي ميناء طرابلس الغرب ولاشتغال الدولة بمحاربة التَّحَالُف الْمُقَدّس ضربت كشحا من هَذِه التعديات الْمُخَالفَة لقوانين الْحَرْب ووجهت اهتمامها إِلَى الجيوش المتعددة الَّتِي زحفت على بلادها من كل حدب فان جيوش الْملك سوبيسكي كَانَت تهدد بِلَاد البغدان وسفن البنادقة تهدد سواحل اليونان وبلاد موره وَلعدم وجود المراكب الكافية لصد هجمات سفن البنادقة الَّتِي كَانَت تعززها مراكب البابا ورهبنة مالطه احتلت جيوش البنادقة فِي سنة ١٦٨٦ اغلب مدن اليونان حَتَّى كورنته واتينا اما النمسا فاغارت جيوشها على بِلَاد المجر واحتلوا مَدِينَة يست الْوَاقِعَة امام مَدِينَة بود وحاصروا هَذِه الْمَدِينَة ايضا وَلَوْلَا مدافعة حاكمها وحاميتها دفاع الابطال لسقطت فِي ايديهم
وَفِي سنة ١٦٨٥ احتل النمساويون عدَّة حصون وقلاع شهيرة اهمها قلعة نوهزل وبسبب هَذِه الانهزامات المتعاقبة عزل الصَّدْر ابراهيم باشا وَنفي فِي جَزِيرَة رودس وَلم يلبث فِي منصب الصدارة الا سنتَيْن وَتعين مَكَانَهُ السِّرّ عَسْكَر سُلَيْمَان باشا وَكَانَ مَشْهُورا بِحسن التَّدْبِير والشجاعة والاقدام لَكِن كَانَت الدولة
[ ٣٠٢ ]
قد وصلت إِلَى دَرَجَة من التقهقر امام هَذِه القوى المتألبة عَلَيْهَا صَار مَعهَا الْخَلَاص صعبا لاسيما وقائد الجيوش النمساوية كَانَ الدوك دي لورين الشهير
وَكَانَ اول اعمال سُلَيْمَان باشا الاسراع إِلَى انجاد مَدِينَة بود الَّتِي كَانَ يحاصرها الدوك دي لورين بتسعين الف جندي لَكِن لم تَجِد مساعدته شَيْئا فان الْقَائِد الْمَذْكُور دَخلهَا عنْوَة فِي يَوْم ١٣ شَوَّال سنة ١٠٩٧ ٢ سبتمبر سنة ١٦٨٦ بعد ان قتل حاكمها عَبدِي باشا واربعة آلَاف من جُنُوده فِي الدفاع عَنْهَا وَلم تدخل هَذِه الْمَدِينَة ثَانِيًا فِي حوزة العثمانيين إِلَى الْآن
وَبعد سُقُوط هَذِه الْمَدِينَة فِي قَبْضَة النمساويين ومحالفيهم اراد الصَّدْر سُلَيْمَان باشا ان ياتي عملا يكفر عَنهُ عِنْد الامة مَا اتاه من التهاون فِي مساعدة مَدِينَة بود لَكِن اتاه الضَّرَر من حَيْثُ كَانَ يُرِيد النَّفْع لنَفسِهِ فانه جمع من بقايا كتائبه جَيْشًا مؤلفا من سِتِّينَ الف مقَاتل يعززهم سَبْعُونَ مدفعا وانتظر انْقِضَاء الشتَاء وَالربيع لشدَّة بردهما وَكَثْرَة مَا يسْقط فيهمَا من الثلوج فِي هَذِه الْجِهَات باذلا جهده فِي جمع الذَّخِيرَة الكافية وَفِي تدريب جُنُوده خيفة الفشل والتصاق الهوان باسمه ثمَّ هاجم جيوش التَّحَالُف الْمُقَدّس فِي سهل موهاكز الَّذِي سبق انتصار العثمانيين فِيهِ على المجر نصرا عَزِيزًا قبل هَذَا التَّارِيخ بِمِائَة وَسِتِّينَ سنة فالتحم الجيشان فِي ٣ شَوَّال سنة ١٠٩٨ ١٢ اغسطس سنة ١٦٨٧ وَبعد قتال شَدِيد دارت الدائرة على الجيوش العثمانية فَانْهَزَمُوا عَن آخِرهم واخذ الْعَدو فِي جمع مَا مَعَهم من المدافع وَالسِّلَاح والمؤن والذخائر واحتلت جيوشه اقليم ترنسلفانيا وعدة قلاع من كرواسيه وَلما ذاع خبر هَذَا الانكسار بَين الجيوش الْمَوْجُودَة بالاستانة هاجوا وماجوا وارسلوا للجيوش الْبَاقِيَة مَعَ الصَّدْر سُلَيْمَان باشا فاشهروا عَلَيْهِ الْعِصْيَان وَلَوْلَا فراره إِلَى بلغراد لاعدموه الْحَيَاة ثمَّ ارسل الانكشارية والسباه وَفْدًا للاستانة يطْلب من السُّلْطَان الامر بقتل الصَّدْر فَلم ير بدا من ذَلِك وامر بقتْله تسكينا لثورة غضب الْجند وَلما لم يفد شَيْئا وَلم تعد السكينَة بَين الجيوش وَخيف
[ ٣٠٣ ]
على المملكة العثمانية من الدَّاخِل قرر الْوَزير الثَّانِي الْقَائِم مقَام قره مصطفى باتحاده مَعَ الْعلمَاء عزل السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع فعزلوه فِي ٢ محرم سنة ١٠٩٩ ٨ نوفمبر سنة ١٦٨٧ م بعد ان حكم اربعين سنة وَخَمْسَة اشهر وَبَقِي فِي الْعُزْلَة إِلَى ان توفّي فِي ٨ ربيع الآخر سنة ١١٠٤ ١٧ دسمبر سنة ١٦٩٢ م بَالغا من الْعُمر ٥٣ سنة وَدفن فِي تربة والدته ترخان سُلْطَان وولوا بعد عَزله اخاه
[ ٣٠٤ ]
٢٠