ولنأت هَهُنَا على ملخص تَارِيخ خير الدّين باشا البحري الَّذِي اشْتهر فِي كتب الافرنج باسم بارب روس أَي ذِي اللِّحْيَة الصَّهْبَاء وَمَا فَتحه من الْبِلَاد فِي سواحل بِلَاد الغرب وجنوب ايطاليا وانا لم نذْكر حوادثه حسب ترتيبها لعدم الْفَصْل بهَا بَين اعمال السُّلْطَان سُلَيْمَان الحربية فِي جِهَات النمسا غربا وبلاد الْعَجم شرقا خوفًا من تشتيت فكر الْمطَالع فَنَقُول ان اصل خير الدّين باشا من اروام جَزِيرَة مدللي احدى جزائر الرّوم وَكَانَ هُوَ واخ لَهُ يدعى اوروج يشتغلان بحرفة القراصنة ببحر الرّوم ثمَّ اسلما ودخلا فِي خدمَة السُّلْطَان مُحَمَّد الحفصي صَاحب تونس واستمرا فِي حرفتهما وَهِي اسر مراكب المسيحيين التجارية واخذ كَافَّة مَا بهَا من البضائع وَبيع ركابهَا وملاحيها بِصفة رَقِيق وَفِي
[ ٢٣٠ ]
ذَات يَوْم ارسلا إِلَى السُّلْطَان سليم الاول احدى المراكب الماسورة اظهارا لخضوعهم لسلطانه فقبلها مِنْهُمَا وارسل لَهما خلعا سنية وَعشر سفن ليستعينوا بهَا على غَزْو مراكب الافرنج فَقَوِيت شوكتهما واشرابت اعناقهما لاحتلال بعض سواحل الغرب باسم سُلْطَان آل عُثْمَان فاستولى خير الدّين على ثغر شرشل باقليم الجزائر ثمَّ عَاد إِلَى تونس وَمِنْهَا ارسل إِلَى السُّلْطَان سليم الَّذِي كَانَ اذ ذَاك بِمصْر رَسُولا يَدعِي كرداوغلى يُؤَكد لَدَيْهِ اخلاصه وولاءه للسدة السُّلْطَانِيَّة العثمانية اما اوروج فَبعد ان استولى على مَدِينَة الجزائر نَفسهَا وَهزمَ الجيوش الاسبانية الَّتِي ارسلها شارلكان لمساعدة الجزائريين على محاربة اوروج فتح ايضا مَدِينَة تلمسان وَقتل بعْدهَا بِقَلِيل فِي محاربة الاسبانيين لَكِن لم يتَمَكَّن هَؤُلَاءِ من استخلاص تلمسان والجزائر بل حفظهما خير الدّين وَقتل امير الجزائر وارسل من قبله اُحْدُ اتِّبَاعه واسْمه الْحَاج حُسَيْن إِلَى السُّلْطَان سليم وَقد كَانَ اتم فتح مصر ليخبره بِفَتْح مَدِينَة الجزائر باسمه الشريف فقابله السُّلْطَان وَعين خير الدّين باشا بكلر بك على اقليم الجزائر وبذا صَار هَذَا الاقليم ولَايَة عثمانية يدعى فِيهِ فِي خطْبَة الْجُمُعَة باسم السُّلْطَان سليم وتضرب النُّقُود باسمه
وَبعد ذَلِك اسْتمرّ خير الدّين باشا فِي غَزْو مراكب الافرنج وَالنُّزُول على بعض شواطئ ايطاليا وفرنسا واسبانيا واخذ كل مَا تصل اليه يَده من اموال واهالي وَفتح الْحصن الَّذِي اقامه الاسبانيول فِي جَزِيرَة صَغِيرَة امام مَدِينَة الجزائر ثمَّ ارسل اليه السُّلْطَان سُلَيْمَان بعد تحالفه مَعَ فرانسا ان يكف عَن مراكب الفرنساويين وشواطئهم فحول كل قواده على شاطئ اسبانيا وانتقم من اهلها على مَا ارتكبوه من الفظائع والمنكرات مَعَ الْمُسلمين بعد سُقُوط غرناطة فِي ايديهم وساعد كثيرا
[ ٢٣١ ]
مِمَّن بَقِي بِبِلَاد الاندلس من الْمُسلمين على الرُّجُوع إِلَى بِلَاد الغرب والاستيطان بهَا فِرَارًا من اضطهاد الاسبانيول واجبارهم لَهُم على الْخُرُوج من دين الاسلام واعتناق الدّين المسيحي مِمَّا لَا يدْخل فِي مَوْضُوع هَذَا الْكتاب
وَفِي اوائل سنة ١٥٣٣ استدعاه السُّلْطَان سُلَيْمَان إِلَى الاستانة ليتفق مَعَه على مَا يلْزم اتِّخَاذه من الاحتياطات لصد هجمات الاميرال اندري دوريا الجنوي اجير شارلكان فسافر بِبَعْض المراكب وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد سفر الصَّدْر الاعظم ابراهيم باشا لمحاربة الْعَجم بِقَلِيل فقابله الْملك واحسن وفادته وامره بالاستعداد وانشاء المراكب الكافية لفتح اقليم تونس فاشتغل خير الدّين باشا طول الشتَاء بانشاء المراكب
وَفِي اوائل صيف سنة ١٥٣٤ بعد مَا سَافر السُّلْطَان سُلَيْمَان قَاصِدا مَدِينَة تبريز كَمَا مر خرج خير الدّين بمراكبه من بوغاز الدردنيل غير قَاصد تونس مُبَاشرَة بل عرج فِي طَرِيقه على جَزِيرَة مالطة وَبَعض موانيء جنوب ايطاليا لغزو مراكبها واهلها بِدُونِ احتلالها حَتَّى لَا يعلم قَصده الاصلي وَهُوَ فتح تونس ثمَّ قصد مَدِينَة تونس فِي اوائل سنة ١٥٣٥ واعلن الاهالي انه آتٍ لعزل السُّلْطَان مولَايَ حسن آخر سلالة بني حَفْص وَكَانَ الاهالي ناقمين عَلَيْهِ لميله لشارلكان وتنصيب اخيه حسن الرشيد مَكَانَهُ وَبِذَلِك احتل مَدِينَة تونس وثغرها الْمُسَمّى حلق الْوَادي بِدُونِ كثير عناء باسم السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني
وَلما وصل الامبراطور شارلكان خبر سُقُوط تونس اتَّحد مَعَ رهبنة القديس حنا الاورشليمي الَّتِي نزلت بِجَزِيرَة مالطة بعد فتح جَزِيرَة رودس على استرجاع
[ ٢٣٢ ]
تونس واعادة مولَايَ حسن الى تخت ملكه وجهز عمَارَة قَوِيَّة قادها هُوَ بِنَفسِهِ وَنزل مَعَ اشراف اسبانيا من ثغر برشلونة فِي ٢٩ مايو سنة ١٥٣٥ وَوصل الى حلق الْوَادي فِي ١٦ يونيه وحاصرها هِيَ ومدينة تونس مُدَّة شهر تَقْرِيبًا وَفتحهَا فِي ١٤ يوليو وَاسْتولى على مَا بقلعتها وثغرها من المدافع والمراكب وَفِي يَوْم ٢١ يوليو دخلت جيوش شارلكان الْمَدِينَة وَصرح لَهُم بنهبها فَقتلُوا ونهبوا وفسقوا وارتكبوا كل انواع الْمُحرمَات وهدموا الْمَسَاجِد وحرقوا ومزقوا اغلب الْكتب النفيسة وَفِي اول اغسطس دَخلهَا شارلكان وَمنع الْجَيْش عَن هَذِه الاعمال فاستتب الامن وسادت السكينَة وَفِي ثَمَانِيَة مِنْهُ امضيت معاهدة بَين شارلكان ومولاي حسن الَّذِي اعيد الى ملكه تقضي عَلَيْهِ باخلاء سَبِيل الارقاء المسيحيين والاباحة لجَمِيع المسيحيين بالاستيطان فِي اقليم تونس واقامة شَعَائِر دينهم بِدُونِ مُعَارضَة وان يتنازل لشارلكان عَن مَدَائِن بونه وَبني زرت وَحلق الْوَادي وان يدْفع لَهُ مبلغ اثنى عشر الف دوكا مصاريف الْحَرْب وان يقدم لَهُ سنويا اثنى عشر حصانا وقدرها من المهارة الْعَرَبيَّة عَلامَة امتنانه بِشَرْط انه لَو خَالف احدى هَذِه الشُّرُوط يدْفع اول مرّة خمسين الف دوكا وَفِي الثَّانِيَة مائَة الف وَفِي الثَّالِثَة يسْقط حَقه فِي الْملك وَفِي ١٧ اغسطس سَافر الامبراطور شارلكان تَارِكًا فِي حلق الْوَادي الف جندي اسبانيولي وَعشرَة مراكب حربية اما خير الدّين باشا فانه لما راى تحزب الاهالي وميلهم لسلطانهم الْمَعْزُول وَعدم وجود الْجنُود الكافية مَعَه وَبعده عَن مَرْكَز السلطنة لامداده فِي الْوَقْت اللَّازِم ارتحل بجُنُوده على مراكبه
[ ٢٣٣ ]