وَفِي سنة ١٢١٣ سنة ١٧٩٨ امرت الجمهورية الفرنساوية بونابرت
[ ٣٧٢ ]
الْقَائِد الشهير بِالْمَسِيرِ إِلَى مصر لفتحها بِغَيْر اعلان حَرْب على الدولة الْعلية واوصته بكتمان هَذَا الامر حَتَّى لَا تعلم بِهِ انكلترا فتسعى فِي احباطه مَعَ ان الْقَصْد مِنْهُ لم يكن الا منع مُرُور تِجَارَة الانكليز من مصر إِلَى الْهِنْد وَبِالْعَكْسِ فَجهز فِي مَدِينَة طولون جَيْشًا مؤلفا من ٣٦ الف مقَاتل اغلبهم من العساكر المدربين فِي الحروب الَّتِي جرت بَين فرنسا وايطاليا وانتهت بمعاهدة كامبوفورميو وَعشرَة آلَاف بحري تحملهم دونانمة مركبة من ٣٠ سفينة حربية ٧٢ قراويت و٤٠٠ مركب حمل واضاف إِلَى جَيْشه ١٢٢ عَالما على اخْتِلَاف الْعُلُوم والمعارف لدرس الْقطر الْمصْرِيّ والبحث عمل يلْزم لاصلاحه واستغلاله
وَفِي ١٩ مايو سنة ١٧٩٨ رَحل بونابرت بِهَذَا الْجَيْش بِدُونِ ان يعلم احدا بوجهته فوصل جَزِيرَة مالطه فِي ١٠ يونيو واحتلها بعد ان دَافع من فِيهَا من رُهْبَان القديس حنا الاورشليمي وَفِي ١٧ محرم سنة ١٢١٣ ١ يوليو وصل امام مَدِينَة الاسكندرية وَانْزِلْ عساكره على بعد ارْبَعْ فراسخ مِنْهَا وَبعد ان دَخلهَا عنْوَة ترك بهَا الْقَائِد كليبر وَسَار هُوَ قَاصِدا مَدِينَة الْقَاهِرَة عَن طَرِيق الصَّحرَاء الممتدة غرب فرع رشيد فقابله مُرَاد بيك بشرذمة من المماليك عِنْد مَدِينَة شبراخيت بالبحيرة فِي ٢٩ محرم الْمُوَافق ١٣ مِنْهُ فَهَزَمَهُ بونابرت وواصل السّير حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة انبابة مُقَابل الْقَاهِرَة وحصلت بَينه وَبَين ابراهيم بيك وَمُرَاد بيك امراء المماليك وَاقعَة الاهرام الشهيرة فِي ٧ صفر الْمُوَافق ٢١ يوليو الَّتِي اظهر فِيهَا المماليك من الشجَاعَة مَا ادهش الفرنساويين وَبعد ان بذلوا وسعهم فِي الدفاع عَن مصر لااقول بِلَادهمْ بل غنيمتهم تقهقروا امام المدافع الفرنساوية فَدخل بونابرت وجيوشه مَدِينَة الْقَاهِرَة بعد ان اعلن بهَا انه لم يَأْتِ لفتح مصر بل انه حَلِيف الْبَاب العالي اتى لتوطيد سلطته ومحاربة المماليك العاصين اوامره كَمَا قَالَ الانكليز عِنْد دُخُولهمْ مصر سنة ١٨٨٢
وارسل الْقَائِد دسكس إِلَى الصَّعِيد لاقتفاء اثر مُرَاد بك فَتَبِعَهُ حَتَّى وصل جَزِيرَة فيله قصر انس الْوُجُود فِي ٢٥ رَمَضَان سنة ١٢١٣ ٢ مارس
[ ٣٧٣ ]
سنة ١٧٩٩ وَوجه فرقة اخرى احتلت مَدِينَة الْقصير على الْبَحْر الاحمر فِي ٢٤ ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة ٢٩ مايو من السّنة الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك صَار الْقطر الْمصْرِيّ من الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط إِلَى اقاصي الصَّعِيد فِي قَبضته ثمَّ اسس الْمجْلس العلمي للبحث عَمَّا يَجْعَل احتلاله بوادي النّيل دائميا
لَكِن لم يلبث ان وَصله خبر وَاقعَة ابي قير البحرية الَّتِي دمر فِيهَا نلسن امير الْبَحْر الانكليزي الشهير جَمِيع المراكب والسفن الحربية الفرنساوية فِي ١٧ صفر سنة ١٢١٣ اول اغسطس سنة ١٧٩٨ وتسلطن الانكليز على الْبَحْر الْمُتَوَسّط وَقطع المواصلات بَينه وَبَين فرنسا وَذَلِكَ ان وَقت خُرُوج المراكب الفرنساوية من طولون كَانَ نلسن الْمَذْكُور يحاصر مَدِينَة قادس باسبانيا فَترك الْحصار واخذ يبْحَث عَن الدونانمة الفرنساوية فَلم يعثر عَلَيْهَا الا بعد ان احتلت جَزِيرَة مالطة ومدينة الاسكندرية كَمَا سبق
وَلما علمت الدولة الْعلية باحتلال الفرنساويين الْقطر الْمصْرِيّ اخذت فِي الاستعداد لمحاربتهم لَا سِيمَا وانها كَانَت مطمئنة البال هادئة البلبال من جِهَة النمسا والروسيا اللَّتَيْنِ كَانَتَا مشتغلتين بمحاربة الجمهورية الفرنساوية خوفًا من امتداد مبادئها الْحرَّة إِلَى بلادهما فتفل عروشهما كَمَا حصل للويس السَّادِس عشر ملك فرنسا وَمن جِهَة اخرى عرضت عَلَيْهَا الدولة الانكليزية مساعدتها على اخراج الفرنساويين من مصر لَا رَغْبَة فِي حفظ املاك الدولة بل خوفًا على
[ ٣٧٤ ]
طَرِيق الْهِنْد من أَن تكون فِي قَبْضَة دولة قَوِيَّة يُمكنهَا معاكستها فَقبلت الدولة الْعلية مساعدتها بِكُل ارتياح وَكَذَلِكَ عرضت عَلَيْهَا الروسيا امدادها بمراكبها الحربية وانضمام دونانماتها إِلَى الدونانماتين العثمانية والانكليزية فَقبلت ايضا واعلنت الْحَرْب رسميا على فرنسا فِي ٢١ ربيع الاول سنة ١٢١٣ ٢ سبتمبر سنة ١٧٩٨ واخذت فِي جمع الجيوش بِمَدِينَة دمشق وبجزيرة رودس لارسالها إِلَى مصر واتت الدونانمة الروسية من الْبَحْر الاسود إِلَى بوغاز الاستانة وَخرجت إِلَى الْبَحْر الابيض مَعَ الدونانمة العثمانية وَذَلِكَ بِمُقْتَضى معاهدة ابرمت بَين هَذِه الدول الثَّلَاث الَّتِي اتّفقت لاول مرّة على عمل حَرْبِيّ مَعَ مَا بَين الدولة الْعلية والروسية من الْعَدَاوَة الْقَدِيمَة المستمرة
وَلما شعر بونابرت باجتماع الجيوش لمحاربته تحقق انه ان لم يفاجئ الدولة الْعلية فِي بِلَاد الشَّام قبل ان تتمّ استعداداتها الحربية تكون عواقب الْحَرْب وخيمة عَلَيْهِ وان من يحتل مصر لَا يكون آمنا عَلَيْهَا الا إِذا احتل الْقطر السوري فلهذه الدَّوَاعِي عزم بونابرت على فتح بِلَاد الشَّام وَقَامَ من مصر وَمَعَهُ ثَلَاثَة عشر الف مقَاتل قَاصِدا بِلَاد الشَّام من طَرِيق الْعَريش فاحتلها فِي اواخر شعْبَان سنة ١٢١٣ ثمَّ دخل مَدِينَة غَزَّة فِي ١٩ رَمَضَان وارتحل عَنْهَا فِي ٢٣ مِنْهُ وَوصل الرملة فِي ٢٥ مِنْهُ وَمِنْهَا إِلَى يافة فوصلها فِي سِتَّة وَعشْرين رَمَضَان ٧ مارس وَلما آنس مِنْهَا المقاومة حاصرها ودخلها عنْوَة فِي يَوْم اول شَوَّال ثمَّ رَحل مِنْهَا قَاصِدا مَدِينَة عكا وَقبل مزاولته ليافا ارْتكب امرا شنيعا لم يسْبق فِي التَّارِيخ وَهُوَ امْرَهْ بقتل جَمِيع الْجَرْحى والمرضى من عساكره حَتَّى لَا يعوقوه فِي سيره ثمَّ حاصر مَدِينَة عكا من جِهَة الْبر وهاجمها مرَارًا لَكِن لم يتَمَكَّن من فتحهَا لوصول المدد اليها تباعا من طَرِيق الْبَحْر واستيلاء الاميرال الانكليزي سدني سميث على مدافع
[ ٣٧٥ ]
الْحصار الَّتِي ارسلها من مصر لاطلاقها على الاسوار ولتيقظ احْمَد باشا الجزار قَائِد حاميتها لافساد الالغام الَّتِي ينشئها الفرنساويون لنسفها وَفِي اوائل ابريل بلغه تحرّك جَيش دمشق العثماني لانجاد مَدِينَة عكا فارسل الْقَائِد كليبر مَعَ فرقة من الْجَيْش لمحاربته وَمنعه من الْوُصُول اليها فَالتقى هَذَا الْقَائِد بالعثمانيين عِنْد جبل طابور واحاطوا بِهِ احاطة السوار بالمعصم وكادوا يفوزون لَوْلَا مَجِيء بونابرت اليه بِثَلَاثَة آلَاف مقَاتل ومهاجمته لَهُم من الْخلف فَتفرق الْجَيْش الْمُجْتَمع فِي جَزِيرَة رودس فَقطع بِعَدَمِ النجاح وَعَاد بِمن بَقِي من جيوشه إِلَى الْقَاهِرَة ودخلها فِي ٢١ مايو من السّنة الْمَذْكُورَة
وَفِي يوليو نزل جَيش رودس العثماني بَابي قير وتحصن بهَا وَكَانَ يبلغ عدده ١٨ الف مقَاتل فَسَار بونابرت من الْقَاهِرَة لمحاربتهم فتغلب عَلَيْهِم والتجأ من لم يقتل مِنْهُم إِلَى المراكب فِي ٢٤ صفر سنة ١٢١٤ ٢٨ يوليو واسر قائدهم الاكبر مصطفى باشا وَكَثِيرًا من الْجنُود
وَفِي ٢٢ اغسطس سَافر بونابرت من الاسكندرية قَاصِدا فرنسا خُفْيَة مَعَ بعض قواده حَتَّى لايضبطه الانكليز القاطعون بمراكبهم سبل الْبَحْر الابيض على الفرنساويين وَذَلِكَ أَن الاميرال الانكليزي ارسل اليه عدَّة نسخ من الجرائد الفرنساوية الْمَذْكُور بهَا خبر تغلب النمساويين على فرنسا وَوُقُوع الفوضى فِي داخليتها فاراد بونابرت الرُّجُوع اليها لاستمالة الخواطر اليه وتأليف حزب يعضده فِي الْوُصُول إِلَى غَرَضه وَهُوَ ان يعين رَئِيسا للجمهورية اَوْ اكثر من ذَلِك خُصُوصا وَقد نَالَ اسْما عَظِيما فِي محاربات ايطاليا والنمسا قبل مَجِيئه لمصر وَحَازَ فخرا اثيلا بِسَبَب فَتحه وَادي النّيل فغادره تَارِكًا الْقَائِد كليبر وَكيلا عَنهُ وَيُقَال انه اذنه باخلاء الْقطر لَو رأى تغلب القوى الخارجية عَلَيْهِ لعدم امكان مساعدته بِالْمَالِ أَو الرِّجَال نظرا لوُجُود السفن الانكليزية تشق عباب الْبَحْر الابيض طولا
[ ٣٧٦ ]
وعرضا فَبَقيَ الْجَيْش الفرنساوي بِمصْر بِدُونِ مراكب تحميه من نزُول الانكليز والعثمانيين على الثغور اَوْ تاتي اليه بالمدد اَوْ مُجَرّد الاخبار من فرنسا وَنقص عدده إِلَى خَمْسَة عشر الْفَا بعد من مَاتَ ببر الشَّام بالطاعون وَالْحَرب وَظَاهر ان هَذَا الْعدَد غير كَاف لحماية السواحل وَحفظ طَرِيق الصالحية والمحافظة على الامن فِي الدَّاخِل وَلذَلِك يئس الْقَائِد كليبر من حفظ مصر وَاتفقَ مَعَ الْبَاب العالي والاميرال سدني سميث فِي ٢٤ يناير سنة ١٨٠٠ على ان تنسحب العساكر الفرنساوية بسلاحها ومدافعها وَترجع فرنسا على مراكب انكليزية لَكِن بعد أَن ابْتَدَأَ الفرنساويون فِي اخلاء القلاع ارسل الاميرال كيث الانكليزي إِلَى كليبر يُخبرهُ ان الْحُكُومَة الانكليزية لم تقبل هَذَا الِاتِّفَاق الا إِذا القي الفرنساويون سِلَاحهمْ بَين ايادي الانكليز فاغتاظ الْقَائِد الفرنساوي لذَلِك وَسَار لمحاربة الْجَيْش التركي الَّذِي اتى إِلَى مصر تَحت قيادة الْوَزير يُوسُف باشا لاستلامها من الفرنساويين فتقابل الجيشان عِنْد المطرية فِي ٢٣ شَوَّال سنة ١٢١٤ ٢٠ مارس سنة ١٨٠٠ وَبعد محاربة عنيفة فَازَ كليبر بالنصر وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فَوَجَدَهَا فِي قَبْضَة ابراهيم بيك اُحْدُ الامراء المصرية وَكَانَ دَخلهَا حَال اشْتِغَال الفرنساويين بالمحاربة فاطلق القنابل عَلَيْهَا وَخرب مِنْهَا جُزْءا عَظِيما وَاسْتمرّ الْحَرْب فِي شوارعها نَحْو الْعشْرَة ايام مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي تَارِيخ الجبرتي تَفْصِيلًا عَن ذكر حوادث الشَّهْر الْمَذْكُور رَاجع جُزْء ثَالِث صحيفَة ٩٠ وَمَا بعْدهَا وَبعد ذَلِك سَاد الامن بِالْقَاهِرَةِ
وَفِي ١٤ يونيه سنة ١٨٠٠ ٢١ محرم سنة ١٢١٥ قتل شخص حَلَبِيّ اسْمه سُلَيْمَان الْقَائِد كليبر فِي بُسْتَان سراي الالفي بالازبكية الْمَوْجُود محلهَا الْآن فندق شبرد وهرب فَبَحَثُوا عَلَيْهِ حَتَّى وجدوه مختفيا ببستان مجاور للبستان الَّذِي حصل فِيهِ الْقَتْل فضبطوه وَبعد تَحْقِيق طَوِيل قَتَلُوهُ هُوَ ورفاق لَهُ ثَلَاثَة اتهموا مَعَه فِي الْقَتْل وَبعد دفن الْقَائِد كليبر عين مَكَانَهُ الجنرال منو وَكَانَ قد اعتنق الدّين الاسلامي وَتسَمى عبد الله منو
[ ٣٧٧ ]