وَبعد ذَلِك بِقَلِيل قتل توران شاه بفارسكو فِي ٢٨ محرم سنة ٦٤٨ قَتله ركن الدّين بيبرس اُحْدُ المماليك الَّذين جمعهم وَالِده السُّلْطَان الصَّالح لحراسته وَسَمَّاهُمْ البحرية وَاتَّفَقُوا على تَوْلِيَة امهِ شَجَرَة الدّرّ فَخَطب باسمها ثمَّ فِي صفر حصل الِاتِّفَاق بَين الْمُسلمين وَملك فرنسا على اطلاقه من الاسر بِشَرْط رد مَدِينَة دمياط اليهم فَدَخلَهَا الْمُسلمُونَ فِي صفر سنة ٦٤٨ مايو سنة ١٢٥٠ وَنزل ملك فرنسا إِلَى الْبَحْر مَعَ من بَقِي من رِجَاله فِي الْيَوْم التَّالِي عائدين إِلَى بِلَادهمْ وَبِذَلِك انْتَهَت الحروب الصليبية وَبَقِي الْبَيْت الْمُقَدّس فِي يَد الْمُسلمين إِلَى الْآن
هَذَا ثمَّ عزلت شَجَرَة الدّرّ وَولي مَكَانهَا الْمعز ايبك التركماني مَمْلُوك زَوجهَا السُّلْطَان الصَّالح وَهُوَ اول المماليك البحرية فِي ٣٠ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٦٤٨ وَتزَوج بشجرة الدّرّ وَبِذَلِك انْتهى ملك الايوبيين بِمصْر ثمَّ قتل بايعاز شَجَرَة الدّرّ فِي ٢٣ ربيع الاول سنة ٦٥٥ فَلم يوليها المماليك بل ولوا نور الدّين عَليّ بن المعزو ايبك وحبسوا شَجَرَة الدّرّ ثمَّ قتلوها فِي ١٦ ربيع الآخر سنة ٦٥٥ وَكَانَت تركية وَقيل ارمنية
وَفِي اثناء ذَلِك تقدم التتر نَحْو بَغْدَاد تَحت امرة هولاكو خَان حفيد جنكيزخان ودخلوها عنْوَة فِي ٣٠ محرم سنة ٦٥٦ وَقتلُوا الْخَلِيفَة المستعصم وكل من قبضوا عَلَيْهِ من بني الْعَبَّاس والامراء وَالْعُلَمَاء وَكَانَ دُخُولهمْ اليها بدسيسة
[ ٨٣ ]
الْوَزير مؤيد الدّين بن العلقمي فانتهت دولة العباسيين بِبَغْدَاد بعد ان استمرت خَمْسمِائَة واربع وَعشْرين سنة وتشتت من نجا من العباسيين ثمَّ وصل التتر إِلَى بِلَاد الشَّام واخربوها واضمحل الاسلام وَتَفَرَّقَتْ اجزاؤه إِلَى ان ظَهرت دولة العثمانيين بالاناضول فاعادت اليه رونقه السَّابِق وضمت مَا تفرق من ممالكه وَصَارَت هِيَ الدولة الوحيدة الاسلامية امام الْعَالم الاوروبي وسترى فِي هَذَا الْكتاب مَا لاقته فِي سَبِيل تقدمها من الْمَوَانِع وذللته من العقبات مَعَ بَيَان اسباب ارتقائها وانحطاطها وَمَا وصلت اليه فِي هَذِه الايام من التَّأَخُّر والتقهقر
ثمَّ اخذ التتر يتقدمون إِلَى جِهَات الشَّام ففتحوا اغلب مدنه ونهبوها وَقتلُوا اهلها حَتَّى خيف على مصر من وُصُول اذاهم اليها وَلذَلِك اجْمَعْ الامراء على عزل سلطانها نور الدّين على لصِغَر سنه وَعدم مقدرته على صد هجمات التتر فعزل فِي يَوْم السبت ١٧ ذِي الْقعدَة سنة ٦٥٧ وَولي مَكَانَهُ المظفر سيف الدّين قطز المعزي وَهُوَ مَمْلُوك الْمعز أيبك التركماني ثمَّ قتل قطز الْمَذْكُور بعد سنة قَتله ركن الدّين بيبرس البندقداري فِي ١٥ ذى الْقعدَة سنة ٦٥٨ وَخَلفه فى الْملك وتلقب بِالظَّاهِرِ وَهُوَ من مماليك الْملك الصَّالح نجم الدّين ايوب وَفِي ايامة وَفد الى مصر الإِمَام احْمَد بن الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِأَمْر الله فِي ١٩ رَجَب سنة ٦٥٩ واثبت نسبه بِحُضُور الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام شيخ الاسلام فَبَايعهُ الظَّاهِر بيبرس بالخلافة ولقب الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَبَايَعَهُ الْخَلِيفَة بالسلطنة وفوض اليه امور الْبِلَاد فَعَادَت بذلك الْخلَافَة إِلَى الاسلام بعد انقطاعها نَحْو ثَلَاث سنوات ثمَّ جمع الظَّاهِر جَيْشًا وارسله مَعَ الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر إِلَى بَغْدَاد فحاربه التتر فِي الانبار فِي اواخر سنة ٦٥٩ وهزموا من كَانَ مَعَه من الْجند وَلم يُوقف للخليفة على اثر بعد ذَلِك
وَبعد انْقِطَاع خَبره اتى إِلَى مصر فِي سنة ٦٦٠ الامام احْمَد بن عَليّ بن ابي بكر ابْن الْخَلِيفَة المسترشد ابْن الْخَلِيفَة المستظهر وَثَبت نسبه بِحُضُور الْعلمَاء فَبَايعهُ
[ ٨٤ ]
الظَّاهِر على ان تبقى الاحكام بِيَدِهِ ولقب بالحاكم بِأَمْر الله ثمَّ امْر الظَّاهِر بِأَن ينقش اسْم الْخَلِيفَة مَعَ اسْمه على العملة وَيذكر اسْمه فِي الْخطْبَة قبل اسْم السُّلْطَان واقام الْخَلِيفَة بِمصْر وَصَارَت الْقَاهِرَة مقرا للخلفاء العباسيين إِلَى ان انْتَقَلت الْخلَافَة إِلَى العثمانيين فِي سنة ٩٢٣ كَمَا سَيَجِيءُ وَالْحَاكِم بامر الله هُوَ اول العباسيين بِمصْر لَان احْمَد الْمُسْتَنْصر لم يقم بهَا بل كَانَ يقْصد ارجاع الْخلَافَة لبغداد كَمَا كَانَت فحال التتر دون مشروعه وطالت خلَافَة الْحَاكِم بامر الله بِمصْر مُدَّة اربعين سنة تَقْرِيبًا وَتُوفِّي فِي ١٨ جُمَادَى الاولى سنة ٧٠١ هجرية وَدفن بمشهد السيدة نفيسة ﵂
وبويع بعده ابْنه المستكفي بِاللَّه ابو الرّبيع سُلَيْمَان وَهُوَ ثَانِي العباسيين بِمصْر وَفِي اثناء هَذِه الاربعين سنة ظَهرت الدولة العثمانية بِبِلَاد الاناضول سنة ٦٩٩ وتعاقب سِتَّة سلاطين على مصر وملحقاتها فَتوفي الظَّاهِر بيبرس فِي ١٨ محرم سنة ٦٧٦ بِقرب دمشق وَدفن بهَا وَتَوَلَّى بعده ابْنه الْملك السعيد ابو الْمَعَالِي مُحَمَّد وَمِمَّا يذكرهُ التَّارِيخ للسُّلْطَان الظَّاهِر انه اسْتردَّ اغلب بِلَاد الشَّام الَّتِي كَانَت بَاقِيَة مَعَ الافرنج واهمها انطاكية ويافة وحلب وطرسوس وطبرية وصفد وَغَيرهَا وَضم
[ ٨٥ ]
لملكه مَدَائِن دمشق وبعلبك وَبَيت الْمُقَدّس وَكثير غَيرهَا ثمَّ خلع الْملك السعيد فِي ربيع اول سنة ٦٧٨ وَتَوَلَّى اخوه الْملك الْعَادِل سيف الدّين ابْن الظَّاهِر بيبرس وَكَانَ الْقَائِم بتدبير مَمْلَكَته الواسعة قلاوون الالفي من مماليك الصَّالح نجم الدّين ايوب فَخلع السُّلْطَان فِي ١٢ رَجَب سنة ٦٧٨ وتقلد هُوَ الْملك اغتصابا وتلقب بالمنصور سيف الدّين واستقامت لَهُ الاحوال وَلم يَجْسُر اُحْدُ على خلعه كَمَا خلع اولاد الظَّاهِر بيبرس لاقتنائه عدَّة آلَاف من المماليك واسكانهم فِي ابراج القلعة وَلذَلِك اطلق عَلَيْهِم اسْم البرجية وَتُوفِّي السُّلْطَان قلاوون فِي ٦ ذِي الْقعدَة سنة ٦٨٩ وَولي بعده ابْنه صَلَاح الدّين خَلِيل ولقب بالاشرف وَهُوَ الَّذِي هدم قُبُور الْخُلَفَاء الفاطميين وَبنى مَكَانهَا الخان الْمُسَمّى الْآن بالخان الخليلي بِقرب المشهد الْحُسَيْنِي وَقتل الاشرف فِي الْمحرم سنة ٦٩٣ وَتَوَلَّى بعده اخوه الْملك النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاوون فِي ١٨ مِنْهُ وعمره تسع سِنِين وكسور ثمَّ خلع النَّاصِر بعد سنة فِي ١١ محرم سنة ٦٩٤ وَتَوَلَّى بعده كتبغا اُحْدُ مماليك ابيه قلاوون وتلقب بالعادل
[ ٨٦ ]
وَهُوَ الْعَاشِر من مُلُوك الاتراك وخلع فِي نصف صفر سنة ٦٩٦ وَخَلفه حسام الدّين لاجين وَهُوَ ايضا من مماليك قلاوون وتلقب بالمنصور وَقتل فِي ١٠ ربيع الآخر سنة ٦٩٨ واعيد النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَاسْتمرّ فِي الْملك هَذِه الدفعة إِلَى سنة ٧٠٨ وفيهَا خلع نَفسه من المملكة لاستئثار الامراء بالاحكام قهرا عَنهُ وَترك الديار المصرية واقام بالكرك وبويع بعده ركن الدّين بيبرس وتلقب بالمظفر وَذَلِكَ فِي ٢٣ شَوَّال سنة ٧٠٨ وَفِي السّنة التالية اتّفق بَاقِي الامراء على عَزله واعادة الْملك النَّاصِر ثَالِثا وَكَتَبُوا لَهُ بذلك فَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة ودخلها فِي موكب حافل يَوْم الْخَمِيس ٢ شَوَّال سنة ٧٠٩ وَاسْتمرّ هَذِه الدفعة فِي الْملك إِلَى ان توفّي لَيْلَة الْخَمِيس ٢٠ ذِي الْحجَّة سنة ٧٤١ وَهُوَ الَّذِي امْر بِحَفر الخليج الناصري الَّذِي يخترق الْقَاهِرَة الْآن وَخلف اُحْدُ عشر ولدا غير الْبَنَات تولى مِنْهُم السلطنة ثَمَانِيَة وَهُوَ ابو بكر وَاحْمَدْ وكجك وَشَعْبَان واسماعيل وحاجي وَحسن وَصَالح وَفِي آخر مدَّته غضب على الْخَلِيفَة المستكفي ونفاه إِلَى مَدِينَة قوص بالصعيد فِي سنة ٧٣٨ واقام بهَا إِلَى ان توفّي فِي شعْبَان سنة ٧٤٠ موصيا بالخلافة بعده لِابْنِهِ ابي الْعَبَّاس احْمَد لَكِن لم يتبع السُّلْطَان النَّاصِر هَذَا الْعَهْد بل بَايع ابو اسحق ابراهيم ابْن اخ المستكفي ولقبه الواثق بِاللَّه وَلما توفّي النَّاصِر وَتَوَلَّى بعده ابْنه الْملك
[ ٨٧ ]
الْمَنْصُور سيف الدّين ابو بكر خلع الواثق بِاللَّه فِي الْمحرم سنة ٧٤٢ وَبَايع ابا الْعَبَّاس احْمَد بن المستكفي الَّذِي كَانَ عهد اليه ابوه بالخلافة ولقب الْحَاكِم بامر الله وَبَقِي فِي الْخلَافَة إِلَى ان مَاتَ سنة ٧٥٤
هَذَا ولنذكر مَا حصل فِي ملك مصر فِي هَذِه الاثناء فَنَقُول ولي مصر وملحقاتها بعد النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون ابْنه الْمَنْصُور ابو بكر ثمَّ قتل فِي صفر سنة ٧٤٣ وَتَوَلَّى بعده اخوه الاشرف عَلَاء الدّين كجك وخلع فِي هَذِه السّنة وَتَوَلَّى بعده اخوه النَّاصِر شهَاب الدّين احْمَد فِي شَوَّال سنة ٧٤٢ وخلع كَذَلِك فِي محرم سنة ٧٤٢ وَتَوَلَّى بعده اخوه الْملك الصَّالح عَلَاء الدّين ابو الْفِدَاء اسماعيل رَابِع اولاد النَّاصِر وَلم يخلع كإخوته بل توفّي فِي ١١ ربيع الاول سنة ٧٤٦ وَتَوَلَّى بعده اخوه الْملك الْكَامِل شعْبَان خَامِس اولاد النَّاصِر وخلع ثمَّ قتل فِي اوائل جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٤٧ وَتَوَلَّى بعده اخوه المظفر حاجي ثمَّ قتل كغالب اخوته فِي رَمَضَان سنة ٧٤٨ وبويع بعده اخوه الْملك النَّاصِر ابو المحاسن حسن فِي ١٤ رَمَضَان وَهُوَ صَاحب الْجَامِع الْعَظِيم الْكَائِن بِالْقربِ من القلعة وعزل اولا فِي ١٧ جمادي الْآخِرَة سنة ٧٥٢ وبويع اخوه الْملك صَلَاح الدّين ثامن اولاد النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ١٨ مِنْهُ وَهُوَ آخر من ولي السلطنة من اولاده وَفِي مدَّته توفّي الْخَلِيفَة الْحَاكِم سنة ٧٥٤ وحصلت الْبيعَة لِابْنِهِ ابي بكر المعتضد بِاللَّه وَهُوَ خَامِس
[ ٨٨ ]
الْخُلَفَاء العباسيين فِي مصر وَبقيت خِلَافَته لسنة ٧٦٣ وَفِي خلالها عزل الْملك صَلَاح الدّين صَالح فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شَوَّال سنة ٧٥٥ وحجز فِي دَار الْحَرِيم إِلَى ان توفّي سنة ٧٦٢ واعيد اخوه الْملك النَّاصِر حسن الَّذِي سبق عَزله فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٥٢ ثمَّ قتل فِي يَوْم الاربعاء ٩ جُمَادَى الاولى سنة ٧٦٢ وَتَوَلَّى الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن اخي الْملك المظفر حاجي بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَهُوَ الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بِمصْر
وَبعد سنة من تَوليته توفّي الْخَلِيفَة المعتضد بِاللَّه ابو بكر فِي لَيْلَة الاربعاء ١٨ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٦٣ وعهد قبل وَفَاته بالخلافة لوَلَده مُحَمَّد فَبَايعهُ السُّلْطَان وتلقب بالمتوكل على الله وَفِي خِلَافَته عزل السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد فِي ٤ شعْبَان سنة ٧٦٤ وَولي الْملك الاشرف ابي الْمَعَالِي زين الدّين شعْبَان بن مجد الدّين حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون ثمَّ قتل الْملك الاشرف فِي ذِي الْقعدَة سنة ٧٧٨ وَتَوَلَّى ابْنه الْملك الْمَنْصُور عَلَاء الدّين عَليّ وعمره سبع سِنِين واشهر وَتُوفِّي فِي ٢٣ صفر سنة ٧٨٣ وَلم يتَجَاوَز الثَّالِثَة عشرَة من عمره وَولي بعده اخوه الْملك الصَّالح امير حَاج وَهُوَ آخر بني قلاوون خلعه الاتابكي برقوق بِاتِّفَاق مَعَ الْخَلِيفَة المتَوَكل والقضاة وَشَيخ الاسلام فِي يَوْم الاربعاء ١٩ رَمَضَان سنة ٧٨٤