ومروان هَذَا هُوَ رَابِع عشر خلفاء بني امية وَآخرهمْ اذ ظَهرت فِي ايامه الدعْوَة للعباسيين فِي خُرَاسَان بمسعى ابو مُسلم الْخُرَاسَانِي وَذَلِكَ انه كَانَ يُوجد بالاقطار الاسلامية احزاب قوبة ضد بني امية فَمِنْهَا حزب يَقُول باحقية اولاد سيدنَا عَليّ بن ابي طَالب بالخلافة وَآخر يَقُول بِاسْتِحْقَاق اولاد الْعَبَّاس عَم النَّبِي ﷺ وَظهر حزب العلويين اكثر من مرّة فِي مُدَّة الامويين فَعَاد بالخيبة لظُهُوره فِي اوائل خلافتهم وَقُوَّة شوكتهم فَقتل الْحُسَيْن سنة ٦١ وَقتل زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن سنة ١٢٢ وَفِي هَاتين الواقعتين قتل كثير من اولادهم واقاربهم حَتَّى ضعف حزبهم وتفرق من حَولهمْ اما بني الْعَبَّاس فاستعملوا التؤدة وَالصَّبْر وَلم يفاجئوا الامويين فِي بَدْء ظُهُورهمْ بل بثوا اعوانهم فِي جَمِيع الْجِهَات لاستمالة النَّاس إِلَى بيعتهم ووجهوا همتهم إِلَى جِهَات الشرق مثل الْعرَاق وايران وخراسان وَمَا جاورها لبعدها عَن مَرْكَز خلَافَة الامويين وَعدم تعلقهم بهم تعلق اهل الشَّام ومصر وثابروا على هَذِه الخطة إِلَى ان ضعف حَال الامويين وتضعضع شانهم وَوَقع الشقاق والانقسام بَينهم حَتَّى تولى الْخلَافَة ثَلَاثَة فِي سنة وَاحِدَة وهم الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك وَيزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك واخوه ابراهيم وَلم يقْعد العباسيين عَن هَذَا الثَّبَات موت الْقَائِم بِهَذِهِ الدعْوَة وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بل قَامَ بهَا بعده وَلَده ابراهيم الامام وَلما شاع خبر مساعيهم قبض مَرْوَان على ابراهيم الْمَذْكُور وحبسه فِي حران حَتَّى مَاتَ وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ١٢٩ فَقَامَ بالدعوة اخوه ابو الْعَبَّاس الَّذِي لقب فِيمَا بعد بالسفاح وفيهَا اظهر ابو مُسلم الْخُرَاسَانِي الدعْوَة للعباسيين بِبِلَاد خُرَاسَان وَحَارب نصر بن سيار الْعَامِل عَلَيْهَا من قبل الامويين وانتصر عَلَيْهِ
[ ٣٨ ]
وَدخل مَدِينَة مرو وَفِي صفر سنة ١٣٢ اتى ابو الْعَبَّاس إِلَى الْكُوفَة واختفى بهَا إِلَى يَوْم الْجُمُعَة ١٢ ربيع الاول وَفِيه خرج إِلَى الْجَامِع وَبَايَعَهُ النَّاس بالخلافة ثمَّ اتى مَرْوَان لمحاربته فَهزمَ بالزاب وَتَبعهُ عَسَاكِر العباسيين إِلَى ان قتل فِي بوصير بِمصْر فِي اواخر ذِي الْحجَّة سنة ١٣٢ وَبِذَلِك تمّ انْتِقَال الْخلَافَة إِلَى بني الْعَبَّاس
[ ٣٩ ]
وَلم يجْعَلُوا مقرّ ملكهم مَدِينَة دمشق بل اقام ابو الْعَبَّاس بِالْكُوفَةِ وَكَذَلِكَ اخوه ابو جَعْفَر الْمَنْصُور إِلَى ان بنى مَدِينَة بَغْدَاد وَذَلِكَ لعدم ثقتهم بِأَهْل الشَّام لميلهم إِلَى بني امية لَكِن انْتِقَال مقرّ الْخلَافَة إِلَى الْعرَاق كَانَ سَببا فِي فَصم عرى الروابط بَين الْخلَافَة والولايات الْبَعِيدَة مثل الاندلس وافريقيا تونس والجزائر فانفصلت تدريجيا كَمَا ترى
وَلم يهدأ بَال الْعَبَّاس من جِهَة الامويين الا بعد ان قتل مِنْهُم نَحْو تسعين رجلا قتلوا ضربا بالعمد ثمَّ بسطت عَلَيْهِم الانطاع ومدت الموائد واكل النَّاس وهم يسمعُونَ انينهم حَتَّى مَاتُوا وامر بنبش قُبُورهم واحراق عظامهم وَلم يفلت من بني امية على مَا قيل الا من هرب إِلَى الاندلس وَكَانَ من ضمنهم عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم فاستولى على الاندلس وَبقيت فِي عقبه لسنة ٤٢٠ ولقب الْعَبَّاس بالسفاح لِكَثْرَة سفكه الدِّمَاء وَمَات فِي ذِي الْحجَّة سنة ١٣٦ وَدفن فِي الانبار وَقد عهد بالخلافة بعده إِلَى اخيه ابي جَعْفَر الْمَنْصُور ثمَّ من بعده إِلَى عِيسَى ابْن اخيه مُوسَى وَفِي سنة ١٣٧ بَايع عَم الْمَنْصُور وَهُوَ عبد الله بن عَليّ لنَفسِهِ فارسل اليه الْمَنْصُور ابا مُسلم الْخُرَاسَانِي فَهَزَمَهُ وهرب عبد الله وَبَقِي مختفيا إِلَى سنة ١٣٩ حَتَّى ظفر بِهِ الْمَنْصُور وَقَتله وَفِي شعْبَان سنة ١٣٧ قتل المصور ابا مُسلم الْخُرَاسَانِي مَعَ انه سَبَب حُصُول العباسيين على الْخلَافَة بسعيه واجتهاده قَتله لخوفه من امتداد نُفُوذه وَالْخُرُوج عَلَيْهِ واختلاس الْخلَافَة لنَفسِهِ وَفِي سنة ١٤١ حصلت فتْنَة الراوندية الَّذين قَالُوا بالوهية ابي جَعْفَر الْمَنْصُور
[ ٤٠ ]
فحاربهم حَتَّى قَتلهمْ عَن آخِرهم وَفِي سنة ١٤٥ بَايع اهل الْمَدِينَة مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْحسن بن الْحُسَيْن الملقب بِالنَّفسِ الزكية بالخلافة فارسل اليه ابو جَعْفَر عِيسَى ابْن مُوسَى فحاربه وَقَتله مَعَ كثير من اهل بَيته فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي اثناء ذَلِك كَانَ اخوه ابراهيم قد قصد الْبَصْرَة وَطلب الْبيعَة من اهلها لاخيه مُحَمَّد النَّفس الزكية فَبَايعُوهُ ثمَّ ارسل من استولى على الاهواز وواسط وَلما اتاه خبر قتل اخيه سَار بجموعه قَاصِدا الْكُوفَة فلاقاه عِيسَى بن مُوسَى وَكَانَ قد عَاد من الْمَدِينَة بعد موت مُحَمَّد فحاربه حَتَّى قَتله وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الْفِتْنَة وامن الْمَنْصُور جَانب العلويين وَفِي اثناء هَذِه الْفِتَن توفّي بِبَغْدَاد الامام الاعظم ابو حنيفَة النُّعْمَان ﵁ ثمَّ تفرغ الْمَنْصُور لبِنَاء مَدِينَة بَغْدَاد وانتقل اليها وَتُوفِّي فِي ٦ ذِي الْحجَّة سنة ١٥٨ وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَلم يتبع مَا اوصى بِهِ الْعَبَّاس بل اوصى بالخلافة لِابْنِهِ مُحَمَّد الْمهْدي وخلع عِيسَى ابْن اخيه مُوسَى من ولَايَة الْعَهْد
وَمن اهم اعمال مُحَمَّد الْمهْدي تنظيمه الْبَرِيد وتعميمه بَين الْمَدَائِن الْعَظِيمَة وغزو الرّوم مرَّتَيْنِ بِمَعْرِفَة ابْنه هرون الرشيد وَفِي ايامه ظهر بعض الزَّنَادِقَة فِي حلب فَجَمعهُمْ الْمهْدي وقتلهم عَن اخرهم ومزق كتبهمْ واستمرت خِلَافَته عشر سِنِين وشهرا وَتُوفِّي فِي ٢٢ محرم سنة ١٦٩ بماسندان وعمره ٤٣ سنة فاخذ وَلَده هَارُون الْبيعَة لاخيه مُوسَى الْهَادِي الَّذِي كَانَ يحارب بجرجان وَفِي خلَافَة مُوسَى الْهَادِي بن مُحَمَّد الْمهْدي ظهر الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحسن
[ ٤١ ]
ابْن عَليّ بن ابي طَالب وَادّعى الْخلَافَة بِالْمَدِينَةِ فَاجْتمع عَلَيْهِ كثير وَبَايَعُوهُ فحاربه العباسيون وقتلوه مَعَ كثير من رفقائه واهل بَيته فِي ذِي الْحجَّة سنة ١٦٩ وفر من الْقَتْل ادريس بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب إِلَى بِلَاد الْمغرب سنة ١٧٠ وعمره اربعة وَعِشْرُونَ سنة على مَا قيل وَهُوَ مؤسس عائلة الادريسيين بمراكش وَتُوفِّي مُوسَى الْهَادِي فِي ١٤ ربيع الاول فَتَوَلّى بعده اخوه شقيقه هرون الرشيد وعمره ٢٢ سنة وَكَانَت وِلَادَته بِالريِّ فِي ذِي الْحجَّة سنة ١٤٨ وامهما الخيزران وَهِي ام ولد
وهرون الرشيد هُوَ خَامِس خلفاء بني الْعَبَّاس وَفِي مدَّته بلغت دولتهم اعلى دَرَجَات الْكَمَال وَفِي ايامه ظهر يحيى بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ ابْن ابي طَالب وَبَايَعَهُ خلق كثير فِي سنة ١٧٦ فارسل اليه هرون الرشيد الْفضل ابْن يحيى الْبَرْمَكِي فِي جَيش عَظِيم ففضل الْفضل المسالمة على الْحَرْب وَكَاتب يحيى وامنه على نَفسه فَطلب ان يكْتب لَهُ الرشيد بالامان بِخَطِّهِ فَفعل وعَلى ذَلِك حضر يحيى إِلَى بَغْدَاد فاكرمه الرشيد ثمَّ سجنه حَتَّى مَاتَ وَفِي هَذِه السّنة حصلت بِدِمَشْق فتْنَة عَظِيمَة بَين المضرية واليمنية قتل فِيهَا كَثِيرُونَ وَفِي سنة ١٧٩ توفّي الامام مَالك ﵁ وَهُوَ ثَانِي الائمة الاربعة
وَفِي سنة ١٨٤ ولي ابراهيم بن الاغلب على افريقيا وَبقيت لَهُ فِي ذُريَّته
[ ٤٢ ]
إِلَى ان ظهر الفاطميون واستقلوا بِملك افريقيا ومصر كَمَا ترَاهُ فِي آخر هَذِه الْمُقدمَة وَفِي سنة ١٨٧ تحول الرشيد عَن البرامكة لما راى امتداد نفوذهم وَزِيَادَة اموالهم واملاكهم وميل النَّاس اليهم وَكَثْرَة عطاياهم فخشى من ان تطمح انظارهم إِلَى مَا فَوق ذَلِك اَوْ يقصدوه وعائلته بِسوء طَمَعا فِي تولي الْخلَافَة فلهذه الاسباب اصر على الايقاع بهم فَقتل جَعْفَر بن يحيى فِي الانبار عِنْد عودة الرشيد من الْحَج فِي اول صفر سنة ١٨٧ وارسل راسه وجثته إِلَى بَغْدَاد فَنصبت بهَا اياما ثمَّ ارسل من احاط يحيى الْبَرْمَكِي وَولده الْفضل وصادرهم فِي جَمِيع اموالهم من مَنْقُول وثابت وَبِذَلِك انْقَضتْ وزارة البرامكة بعد ان بقيت فيهم سبع عشرَة سنة واما مَا يذكرهُ بعض المؤرخين ويجعلونه سَببا للايقاع بالبرامكة فَغير صَحِيح
وَفِي سنة ١٩٠ توفّي يحيى بن خَالِد بن برمك بِالْحَبْسِ وَكَذَلِكَ توفّي بِالْحَبْسِ وَلَده الْفضل فِي محرم سنة ١٩٣ وَفِي ٣ جُمَادَى الثَّانِي من هَذِه السّنة توفّي الْخَلِيفَة هرون الرشيد فِي مَدِينَة طوس اثناء سَفَره فصلى عَلَيْهِ ابْنه صَالح واخذ الْبيعَة لاخيه مُحَمَّد الامين وارسل يُخبرهُ بذلك وَكَانَ الرشيد قد عهد بالخلافة بعده لوَلَده الامين ثمَّ لِلْمَأْمُونِ ثمَّ لِابْنِهِ الْقَاسِم ولقبه بالمؤتمن لَكِن جعل امْر استمراره فِي ولَايَة الْعَهْد وعزله فِي يَد الْمَأْمُون ان شَاءَ اسْتَخْلَفَهُ وان شَاءَ عهد بالخلافة لغيره فَلم يتبع الامين هَذَا الْعَهْد بل ابطل ذكر اخيه الْمَأْمُون فِي الْخطْبَة فِي سنة ١٩٥
[ ٤٣ ]
وَأمر بِأَن يخْطب لِابْنِهِ مُوسَى ولقبه النَّاطِق بِالْحَقِّ وَكَانَ الْمَأْمُون بخراسان فَلَمَّا بلغه خبر هَذَا التَّغْيِير لم يقبله وَاجْتمعَ حوله وَبَايَعَهُ كل من تحول عَن الامين لانهماكه فِي الملاذ واحتجابه عَن النَّاس وَصَرفه اوقاته فِيمَا لَا يعود على الْخلَافَة بِخَير فَجهز الامين جَيْشًا لمحاربة اخيه الْمَأْمُون واستمرت هَذِه الْفِتْنَة إِلَى سنة ١٩٧ هـ وفيهَا تغلبت جيوش الْمَأْمُون على جيوش الامين وحوصر الامين فِي بَغْدَاد مُدَّة وَقتل اخيرا فِي ٢٥ محرم سنة ١٩٨ وعمره ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة وبويع بالخلافة لاخيه الْمَأْمُون وَهُوَ سَابِع بني الْعَبَّاس
وَكَانَ من اعماله خلع اخيه الْقَاسِم من ولَايَة الْعَهْد بِمَا لَهُ من الْحق بِمُقْتَضى عهد ابيه الرشيد واقام مَكَانَهُ فِي سنة ٢١٠ عَليّ الرِّضَا بن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن زين العابدين بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن ابي طَالب وخلع شعار بني الْعَبَّاس وَهُوَ السوَاد وَلبس الخضرة شعار العلويين وامر جنده بذلك فنقم عَلَيْهِ العباسيون باخراجهم عَن الْخلَافَة وَتَآمَرُوا على عَزله وَكَانَ بمرو فَعَزله اهل بَغْدَاد وَبَايَعُوا ابراهيم بن الْمهْدي العباسي فِي محرم سنة ٢٠٢ وَلما بلغ الْمَأْمُون خبر خُرُوج اهل بَغْدَاد عَلَيْهِ سَار اليها من مرو وَمَعَهُ عَليّ الرِّضَا وَفِي صفر سنة ٢٠٣ توفى على الرِّضَا فَجْأَة بِالطَّرِيقِ بِمَدِينَة طوس فصلى عَلَيْهِ الْمَأْمُون وَدَفنه بجوار قبر وَالِده الرشيد ثمَّ ارسل إِلَى اهل بَغْدَاد يُخْبِرهُمْ بِمَوْتِهِ وبعودته إِلَى مَا عهد بِهِ ابوه فَتفرق النَّاس من حول ابراهيم بن الْمهْدي ودخلها عَسْكَر الْمَأْمُون لكِنهمْ لم يظفروا بِهِ بل اختفى وَبَقِي مختفيا إِلَى ان ضبط فِي ربيع الآخر سنة ٢١٠ وَعفى عَنهُ
[ ٤٤ ]
الْمَأْمُون وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة ٢٢٤ وَفِي اوائل سنة ٢٠٤ عَاد الْمَأْمُون وانقطعت الْفِتَن وَترك الخضرة وَعَاد إِلَى لبس السوَاد شعار بني الْعَبَّاس وعادت الاحوال إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ وَفِي هَذِه السّنة توفّي بِمصْر الامام مُحَمَّد بن ادريس الملقب بالشافعي ثَالِث الائمة الاربعة وَفِي سنة ٢١٢ قَالَ الْمَأْمُون بِخلق الْقُرْآن وجبر النَّاس على القَوْل بذلك واضطهد كل من خَالفه وَهُوَ الَّذِي امْر مُحَمَّد بن آلوسي بن شَاكر واخويه احْمَد وَالْحُسَيْن بتحقيق طول خطّ نصف النَّهَار لمعْرِفَة مِقْدَار مُحِيط الكرة الارضية بالضبط فَقَامُوا بِهَذِهِ المأمورية العلمية خير قيام وقاسوا اُحْدُ خطوط الطول فِي سهل سنجار ثمَّ اعادوا المقاس ثَانِيًا فِي وطئة الْكُوفَة وَهَذَا دَلِيل على سبق الْعَرَب للافرنج فِي معرفَة كروية الارض وَفِي ايامه ترجمت اغلب كتب اليونان العلمية والفلسفية وَبلغ التمدن اعلى الدَّرَجَات وَفِي سنة ٢١٦ زار مصر وَتُوفِّي فِي ١٩ رَجَب سنة ٢١٨ بعد ان اوصى لاخيه ابي اسحق مُحَمَّد المعتصم بِاللَّه وَدفن بطرسوس وسنه سبع واربعون سنة وَمُدَّة خِلَافَته عشرُون سنة وَنصف تَقْرِيبًا فَبَايع النَّاس المعتصم الا بعض الْجنُود فَبَايعُوا الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون فاستدعى
[ ٤٥ ]
المعتصم الْعَبَّاس فَبَايعهُ وَخرج للجند ونصحهم بمبايعة المعتصم فَبَايعُوهُ وَهِي اول مرّة تدخل الْجند فِي امْر الْخلَافَة
وَمن اعمال المعتصم بِنَاء مَدِينَة سامراء وَفتح عمورية الَّتِي كَانَ يقدسها الرّوم وَفِي اثناء عودته من عمورية بلغه ان الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون يكيد لَهُ وَيَنْوِي قَتله فامر بسجنه فسجن وَمَات بعد قَلِيل قيل ان الْمُوكل بحراسته منع عَنهُ المَاء حَتَّى مَاتَ وارسل المعتصم اُحْدُ قواد جيوشه واسْمه الافشين خيذر لمحاربة بابك الْمَجُوسِيّ الَّذِي استولى على جبال طبرستان مُدَّة عشْرين سنة تَقْرِيبًا فحاربه وَقبض عَلَيْهِ واحضره امام المعتصم فَقتله وَفِي سنة ٢٢٦ غضب المعتصم على الافشين فَقتله
وَفِي ١٨ ربيع الاول سنة ٢٢٧ توفّي المعتصم وعمره ثَمَان واربعون سنة تَقْرِيبًا وَهُوَ اول من اضيف اسْم الله تَعَالَى إِلَى لقبه وبويع بعده ابْنه الواثق بِاللَّه هرون وَلما تولى الواثق حصلت فتْنَة بِدِمَشْق فارسل اليها جَيْشًا اعاد السكينَة اليها وَكَانَ لَهُ وَزِير تركي اسْمه اشناس اعطى اليه الواثق عَلَامَات الامارة وَهِي تَاج ووشاحين وَمن ثمَّ ابْتَدَأَ وُفُود قبائل التّرْك إِلَى بِلَاد الْعرَاق ودخولهم فِي الْوَظَائِف الْعَالِيَة خُصُوصا الجندية الامر الَّذِي اوجب تدخلهم فِي امور الْخلَافَة واستيلاءهم على السلطة الفعلية وَتُوفِّي اشناس التركي سنة ٢٢٩ وَمِمَّا اوجب ضعف دولة العباسيين جعلهم
[ ٤٦ ]
بِلَاد خُرَاسَان وراثية تَقْرِيبًا فِي عائلة طَاهِر بن عبد الله
وَتُوفِّي الواثق فِي ٢٤ ذِي الْحجَّة سنة ٢٣٢ وَاخْتلف فِيمَن يعين بعده فَقَالَ فريق بمبايعة ابْنه مُحَمَّد وَقَالَ آخر بِعَدَمِ صلاحيته لصِغَر سنه واخيرا اتّفق على مبايعة المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم وَهُوَ عَاشر خلفاء بني الْعَبَّاس وَفِي مدَّته توفّي الامام احْمَد بن حَنْبَل اُحْدُ الائمة الاربعة فِي سنة ٢٤١ وَشرع المتَوَكل فِي نقل مَرْكَز حكومته إِلَى دمشق وَنقل اليها دواوينه وَلم يقم بهَا الا شَهْرَيْن فِي سنة ٢٤١ ثمَّ عَاد إِلَى سامراء وَقتل المتَوَكل سنة ٢٤٧ قَتله بعض مماليكه بِاتِّفَاق مَعَ ابْنه الْمُنْتَصر وبغا الصَّغِير الشرابي وَقيل انه قتل فِي مجْلِس شرابه وَقتل مَعَه وزيره الْفَتْح بن خاقَان فِي لَيْلَة الاربعاء ٣ شَوَّال سنة ٢٤٧ وَمُدَّة خِلَافَته خمس عشرَة سنة تَقْرِيبًا وعمره نَحْو اربعين سنة ثمَّ حصلت الْبيعَة لِابْنِهِ الْمُنْتَصر لَكِن لم تطل مدَّته بل توفّي فِي يَوْم الاحد ٤ ربيع الاول سنة ٢٤٨ وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وَنصف وَمُدَّة خِلَافَته سِتَّة شهور
وبويع بعده احْمَد المستعين بِاللَّه ابْن مُحَمَّد المعتصم وَلم يرغب رجال الدولة خُصُوصا الاتراك مبايعة اُحْدُ اولاد المتَوَكل وَبِذَلِك ازْدَادَ تدخلهم فِي انتخاب الْخُلَفَاء وعزلهم بل وقتلهم حَتَّى صَار الامر بيدهم وزادت الْفِتَن بَين الْعَرَب والاتراك فِي خلَافَة المستعين وتأيد نُفُوذ عائلة طَاهِر بن عبد الله بخراسان وَلما توفّي طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بن عبد الله فِي رَجَب سنة ٢٤٨ عين المستعين وَلَده مُحَمَّد بن طَاهِر وَكَذَلِكَ لما توف بغا التركي ولى ابْنه مُوسَى مَكَانَهُ فَصَارَت الْوَظَائِف وراثية تَقْرِيبًا فِي بعض العائلات الاجنبية وَفِي خلَافَة المستعين ظهر يَعْقُوب بن اللَّيْث الصفار وتحرك من سجستان قَاصِدا هرات للاستيلاء عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ ظهر الْحسن بن
[ ٤٧ ]
زيد بن مُحَمَّد بن اسماعيل بن زيد بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب بطبرستان واستقل بهَا إِلَى ان توفّي سنة ٢٨٧ وَكَانَ يلقب بالداعي إِلَى الْحق وَحكم بعده النَّاصِر للحق الْحسن بن عَليّ وَكَانَ يعرف بالاطروش وَتُوفِّي سنة ٣٠٤ وانقرض بِمَوْتِهِ ملك العلويين بطبرستان
فَكَانَت الاحوال فِي غَايَة الِاضْطِرَاب مُدَّة حكم المستعين وَكثر الْفساد وسعي كل عَامل فِي الِاسْتِقْلَال بِمَا ولي عَلَيْهِ وضعفت الْحُكُومَة حَتَّى صَارَت العوبة فِي ايدي اصحاب الدسائس وزادت الْفِتَن بَين احزاب الاتراك فِي سنة ٢٥١ حَتَّى حاصروا المستعين بقصره بسامراء فهرب مِنْهَا إِلَى بَغْدَاد فَبَايع العصاة المعتز بِاللَّه بن المتَوَكل الَّذِي ارسل اخاه ابا احْمَد طَلْحَة فِي خمسين الف تركي لمحاربة المستعين بِبَغْدَاد ثمَّ اتّفق كبار الدولة على خلع المستعين حسما للمشاكل وحقنا للدماء فخلعوه واخبروه بذلك فَقبل وَبَايع المعتز بِاللَّه وخطب لَهُ فِي بَغْدَاد يَوْم الْجُمُعَة ٤ محرم سنة ٢٥٢ ثمَّ قتل المستعين بامر المعتز بعد ان منع من السّفر إِلَى مَكَّة وَحبس وَفِي مُدَّة المعتز حصلت جملَة فتن بَين الْعَسْكَر الاتراك فَقتلُوا قائدهم وصيف سنة ٢٥٣ وَلم يعاقبهم الْخَلِيفَة بل اعطى كل مَا كَانَ لَهُ إِلَى بغا الشرابي ثمَّ امْر بقتْله سنة ٢٥٤ وَفِي هَذِه السّنة ولى احْمَد بن طولون على مصر فاستقل بهَا مَعَ حفظ السِّيَادَة الاسمية للعباسيين إِلَى ان توفّي سنة ٢٧٠ وَخَلفه ابْنه خمارويه الملقب
[ ٤٨ ]
بَابي الجيوش وَفِي سنة ٢٥٥ استولى يَعْقُوب الصفار على كرمان ثمَّ على بِلَاد فَارس وَدخل شيراز وَكتب للخليفة يعْتَرف لَهُ بالسيادة وارسل اليه هَدَايَا عَظِيمَة فَاكْتفى الْخَلِيفَة وفقد بذلك جَمِيع املاكه الْوَاقِعَة شَرق بَغْدَاد تَقْرِيبًا كَمَا فقد مصر وكما اسْتَقل الامويون بالاندلس والادريسيون بالمغرب الاقصى بِحَيْثُ صَارَت الاقاليم التابعة للعباسيين لَا تزيد عَن ربع مَا كَانَ قبلهم لدولة بني امية
وَفِي ٢٦ رَجَب سنة ٢٥٥ ثار عَلَيْهِ الاتراك من الْجند لعدم مقدرته على اداء مَا يطلبونه من الاموال فاهانوه واشهدوا على خلعه وَبَايَعُوا الْمُهْتَدي مُحَمَّد بن الواثق وَهُوَ رَابِع عشر الْخُلَفَاء العباسيين وَفِي ٢ شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة مَاتَ المعتز جوعا بِمَنْع الطَّعَام وَالشرَاب عَنهُ وَفِي مدَّته ابْتَدَأَ ظُهُور شخص اسْمه عَليّ بن مُحَمَّد وَادّعى الانتساب للعلويين وَجمع قبائل الزنوج النازلين بِالْقربِ من الْبَصْرَة وَصَارَ يعثو هُوَ وَرِجَاله فِي الارض إِلَى ان قتل سنة ٢٧٠ وَلم تطل خلَافَة الْمُهْتَدي بل خصلت حروب بَينه وَبَين الاتراك بِسَبَب قَتله اُحْدُ قوادهم الْمَدْعُو بايكيال وظفروا بِهِ اخيرا وقتلوه فِي ١٨ رَجَب سنة ٢٥٦ واخرجوا ابا الْعَبَّاس احْمَد بن
[ ٤٩ ]
المتَوَكل من السجْن وَبَايَعُوهُ ولقب الْمُعْتَمد على الله وَهُوَ خَامِس عشرهم وَفِي مدَّته توفّي الامام البُخَارِيّ فِي لَيْلَة عيد الْفطر سنة ٢٥٦ والامام مُسلم فِي سنة ٢٦١ واستفحل امْر يَعْقُوب الصفار فاستولى على بَلخ وكابل والاهواز ثمَّ توفّي فِي ١٩ شَوَّال سنة ٢٦٥ وَخَلفه اخوه عَمْرو وَكتب للخليفة بِالطَّاعَةِ فولاه جَمِيع الْبِلَاد الَّتِي كَانَت تَحت يَد اخيه وَعظم شَأْن الْحسن بن زيد الْعلوِي بطبرستان وَاسْتولى على جرجان ثمَّ توفّي سنة ٢٧٠ وَتَوَلَّى اخوه مُحَمَّد بن زيد وَعصى الْعَرَب فِي حمص حاكمهم التركي وقتلوه وَاسْتولى الزنوج على الْبَصْرَة وَقتلُوا كثيرا من اهلها ودخلوا مَدِينَة وَاسِط ووصلت طلائعهم إِلَى بَغْدَاد نَفسهَا فازدادت الْخلَافَة ضعفا على ضعف وتخللت الفوضى جَمِيع اجزائها واستبد القواد والحكام لعدم وجود رادع اَوْ مراقب