وَبعد ذَلِك اخذ السُّلْطَان فِي الاستعداد برا وبحرا لفتح جَزِيرَة رودس الَّتِي لم يتَمَكَّن السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح من فتحهَا لتَكون حَلقَة اتِّصَال بَين الْقُسْطَنْطِينِيَّة ومصر من جِهَة الْبَحْر ولكي لَا يكون للمسيحيين مَرْكَز حُصَيْن فِي وسط بِلَاده تلجأ إِلَيْهِ عمارات الدول المعادية للدولة وَقت الْحَرْب واراد الاسراع فِي تتميم هَذَا الْعَمَل الْعَظِيم الَّذِي عجز عَنهُ لوُجُود مُلُوك أوروبا مشتغلين فِي جِهَات اخرى لَا يُمكنهُم مساعدة الرهبنة المحتلة لَهَا فَكَانَ ملك فرانسا فرانسوا
[ ٢٠٣ ]
الاول وشارل الْخَامِس الشهير بشارلكان ملك اسبانيا والمانيا مَعًا مشتغلين بمحاربة بعضهما والبابا لاون الْعَاشِر مشتغلا بمجادلة ومقاومة الراهب الالماني لوثر مؤسس مَذْهَب البروتستانت وبلاد المجر مضطربة فِي الدَّاخِل بِسَبَب
[ ٢٠٤ ]
عدم اتِّفَاق امرائها واعيانها وَصغر سنّ ملكهَا لويس الثَّانِي كل هَذِه الاسباب حملت السُّلْطَان على انتهاز هَذِه الفرصة لفتح هَذَا الْحصن المنيع لَكِن اقْتَضَت شفقته ان يُرْسل إِلَى رَئِيس الرهبنة قبل الشُّرُوع فِي الْحَرْب كتابا يعرض عَلَيْهِ اخلاء الجزيرة والانسحاب مِنْهَا بِكُل من مَعَه من المسيحيين الَّذين يؤثرون المهاجرة على الْبَقَاء متعهدا لَهُ بِعَدَمِ التَّعَرُّض لانفسهم ولاموالهم وَلما لم يقبل رئيسهم هَذَا الاقتراح امْر السُّلْطَان الْعِمَارَة البحرية فاقلعت قاصدة رودس وسافر هُوَ من طَرِيق الْبر إِلَى خليج مرمورا الْمُقَابل للجزيرة من جِهَة آسيا فوصلتها الدونانمة فِي ٢٦ يونيه سنة ١٥٢٢ وارسلت إِلَى الْبر مدافع الْحصار وامؤنة والذخائر وَوصل اليها السُّلْطَان فِي ٢٨ يوليه وبمجرد وُصُوله ابْتَدَأَ الْحصار بغاية الشدَّة ودافع من بهَا دفاع الابطال خُصُوصا الرهبان وَيُقَال ان النِّسَاء كَانَت تساعد الرِّجَال فِي الدفاع بالقاء الاحجار على المحاصرين وصب الزيوت الحارة على رُؤْسهمْ لَكِن لم يجد كل ذَلِك شَيْئا امام المدافع العثمانية الَّتِي تُوجد بعض قللها إِلَى الْآن فِي الجزيرة يستغرب رائيها من ضخامتها وَلما اعيت الْحِيَل رَئِيس هَذِه الرهبنة واسْمه فيليه
[ ٢٠٥ ]
دي ليل ادام الفرنساوي الاصل ونفدت مُؤْنَته وذخائره ارسل اثْنَيْنِ من رهبانه إِلَى السُّلْطَان فِي ٢ صفر سنة ٩٢٩ ٢١ دسمبر سنة ١٥٢٢ يطْلب مِنْهُ السماح لَهُم باخلاء الجزيرة فِي مُدَّة اثْنَي عشر يَوْمًا بِشَرْط ان تبتعد الجيوش العثمانية عَن الْمَدِينَة المحصورة مَسَافَة ميل من كل جهاتها حَتَّى لَا يحصل للمحصورين ضَرَر عِنْد خُرُوجهمْ فَقبل السُّلْطَان ذَلِك لَكِن فِي ٥ مِنْهُ دخل الْمَدِينَة فريق من الانكشارية رغم اوامر السُّلْطَان واحتلوا الْمَدِينَة وارتكبوا كَافَّة انواع القبائح حسب عَادَتهم فَغَضب السُّلْطَان وامر بمراعاة شُرُوط التَّسْلِيم وعاقب المفسدين فاعيد الامن وسادت السكينَة وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَابل السُّلْطَان رَئِيس الرهبنة وانعم عَلَيْهِ بخلعة سنية وَفِي يَوْم ١٣ صفر سنة ٩٢٩ اول يناير سنة ١٥٢٣ سَافَرت هَذِه الفئة الممحضة نَفسهَا للدفاع عَن الدّين المسيحي ومحاربة الْمُسلمين قاصدة جَزِيرَة مالطة الَّتِي تنازل لَهَا عَنْهَا الْملك شارلكان واستمرت هَذِه الرهبنة نازلة بهَا حَتَّى احتلها بونابرت عِنْد قدومه مصر سنة ١٢١٣ هـ سنة ١٧٩٨ م
وَبعد ذَلِك عَاد السُّلْطَان إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة ووفد اليها سفراء من قبل الروسيا والبندقية لتهنئته بالنصر وارسل اليه ايضا ملك الْعَجم سفيرا لهَذَا الْغَرَض وارسل مَعَه خَمْسمِائَة فَارس وَلما وصل إِلَى الاستانة امْر السُّلْطَان ان لايدخلها مَعَه الاعشرون فَقَط وَفِي شهر يونيه سنة ١٥٢٣ عزل الْوَزير الاول أَي الصَّدْر الاعظم بير مُحَمَّد باشا بِنَاء على دسائس الْوَزير احْمَد باشا طَمَعا فِي وظيفته لَكِن خَابَ مسعاه فقد عين
[ ٢٠٦ ]
السُّلْطَان مَكَانَهُ اُحْدُ خواصه ابراهيم باشا وَعين احْمَد باشا واليا على مصر لوفاة خير بك فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ السُّلْطَان محاصرا لجزيرة رودس وَلما وصل احْمَد باشا إِلَى الْقَاهِرَة اخذ فِي استمالة من بَقِي من امراء المماليك اليه باقطاعهم الاراضي واغضائه عَمَّا يرتكبون مِنْهُ انواع الاثام والمظالم وَلما تحقق من اخلاصهم اعلن الْعِصْيَان مرّة وَاحِدَة وَاسْتولى على القلعة بعد قتل حاميتها فارسل اليه السُّلْطَان امرا بعزله من ولَايَة مصر وبالعود إِلَى الاستانة وَتَسْلِيم الْولَايَة لخلفه قره مُوسَى فَقتل الرَّسُول وقره مُوسَى الْوَالِي الْجَدِيد ثمَّ خانه اُحْدُ وزرائه اسْمه مُحَمَّد بك واراد الْقَبْض عَلَيْهِ فهرب واختفى عِنْد عرب الْبَادِيَة فاقتفى اثره حَتَّى ضَبطه وَقَتله وارسل راسه إِلَى الاستانة فعين بدله قَاسم باشا الْوَالِي الاسبق وكوفئ مُحَمَّد بك بتقليده وَظِيفَة دفتردار الْولَايَة سنة ١٥٢٤
وَفِي ٢٤ رَجَب سنة ٩٣٠ ٢٨ مايو سنة ١٥٢٤ ولد للسُّلْطَان غُلَام سمي سليما وَهُوَ الَّذِي خَلفه باسم سليم الثَّانِي وَفِي ٢ شعْبَان ٥ يونيه احتفل بالاستانة بزواج الصَّدْر الاعظم من الانكشارية والسيباه الفرسان السَّوَارِي لارجاع الامن إِلَى ربوعها وترتيب ماليتها وتننظيم امورها فسافر وَوصل اليها فِي ٢٤ مارس سنة ١٥٢٥ واقام بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى اتم ماموريته وغادرها فِي ٢٢ شعْبَان سنة ٩٣١ ١٤ يونيه سنة ١٥٢٥ قَاصِدا الاستانة عَن طَرِيق الْبر مارا بِدِمَشْق وقيصرة وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي ٧ سبتمبر من السّنة نَفسهَا وقوبل بِكُل اجلال واحترام لعلو مَنْزِلَته عِنْد السُّلْطَان