وَكَانَ خير خلف لخير سلف فانه كَانَ متصفا بالشجاعة والاقدام وَحسن الرَّأْي واص الة التَّدْبِير وَاسْتمرّ على خطة ابيه من عدم التساهل مَعَ الجندية ومجازاة من يَقع مِنْهُ اقل امْر مخل بالنظام باشد الْعقَاب ومحاربة اعداء الدولة بِدُونِ فتور اَوْ ملال حَتَّى يزِيل من اذهانهم مَا خامرها من تضعضع احوال الدولة وَقرب زَوَالهَا وَلذَلِك لم يقبل مَا فاتحته بِهِ دولة النمسا وجمهورية البندقية من الصُّلْح
[ ٢٩٤ ]
وقاد الجيوش بِنَفسِهِ وَعبر نهر الطونة لمحاربة النمسا وَوضع الْحصار امام قلعة نوهزل فِي يَوْم ١٣ محرم سنة ١٠٧٤ ١٧ اغسطس سنة ١٦٦٣ وَمَعَ ان هَذِه القلعة كَانَت مَشْهُورَة فِي جَمِيع اوروبا بالمناعة وَعدم امكان أَي اُحْدُ التغلب عَلَيْهَا وَفتحهَا فقد اضْطر كوبريلي احْمَد باشا حاميتها إِلَى التَّسْلِيم بِشَرْط خُرُوج من بهَا من الْجنُود بِدُونِ ان يمسهم ضَرَر تاركين مَا بهَا من الاسلحة والذخائر واخلوها فعلا فِي ٢٥ صفر سنة ١٠٧٤ ٢٨ سبتمبر سنة ١٦٦٣ بعد البدء فِي حصارها بِسِتَّة اسابيع وَلذَلِك اضْطَرَبَتْ اوروبا باجمعها لهول هَذَا الْخَبَر الَّذِي دوى فِي آذان مُلُوك اوروبا ووزرائها كالرعد حَتَّى وضعُوا اصابعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت وَكَانَ هَذَا الْفَتْح الْمُبين اشد تاثيرا على ليوبولد امبراطور النمسا اكثر من غَيره لدُخُول الجيوش العثمانية فِي بِلَاده وانتشارها فِي اقليمي مورافيا وسيليزيا فاتحين غازين حَتَّى خيل لَهُ ان السُّلْطَان سُلَيْمَان قد بعث من رمسه لفتح
[ ٢٩٥ ]
ويانه عَاصِمَة دولته وَلذَلِك وسط البابا اسكندر السَّابِع فِي طلبه المساعدة لَهُ من لويز الرَّابِع عشر ملك فرنسا وَكَانَ قد عرض عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْحَرْب امداده باربعين الف من الالمانيين المحالفين لَهُ فابى خوفًا من اظهار الضعْف فسعى البابا جهده لَدَى ملك فرنسا حَتَّى قبل بارساله سِتَّة آلَاف جندي فرنساوي واربعة وَعشْرين الف من محالفيه الالمانيين تَحت قيادة الكونت دي كوليني
وانضم هَذَا الْجَيْش إِلَى الْجَيْش النمساوي الْقَائِد لَهُ الكونت دي ستروتزي وابتدأت المناوشات بَين الجيشين المتحاربين فَقتل الْقَائِد الْعَام النمساوي وَخَلفه الْقَائِد الشهير مونت كوكوللي وَكَانَ قد انْضَمَّ إِلَى الْجَيْش الفرنساوي عدد عَظِيم من شُبَّان الاشراف تَحت رئاسة الدوك دي لافوياد وَفِي الاوائل كَانَ النَّصْر فِي جَانب العثمانيين فاحتل كوبريلي احْمَد باشا مَدِينَة سرنوار وعسكر على شاطئ نهر يُقَال لَهُ نهر راب والاعداء معسكرون امامه وَبعد ان حاول عبوره وصده النمساوي الفرنساوي جمع كل قواه فِي يَوْم ٨ محرم سنة ١٠٧٥
[ ٢٩٦ ]
اول اغسطس سنة ١٦٦٤ وَعبر النَّهر عنْوَة وَبعد قَلِيل انتصر على قلب جَيش الْعَدو وَلَوْلَا تدخل الفرنساويين وخصوصا الاشراف مِنْهُم لتم للعثمانيين النَّصْر لَكِن لم يُمكن الانكشارية الثَّبَات امام جنود الْعَدو الاكثر مِنْهُم عددا فانهم كلما قتل مِنْهُم صف تقدم الآخر وَبِذَلِك انْتهى الْيَوْم بِدُونِ انتصار تَامّ لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ فان العثمانيين حَافظُوا على مراكزهم بِدُونِ تقدم للامام وَسميت هَذِه الْوَاقِعَة بواقعة سان جوتار نِسْبَة لكنيسة قديمَة حصلت الْحَرْب بِالْقربِ مِنْهَا وَبعد ذَلِك تبادلت المخابرات توصلا للصلح وَبعد عشرَة ايام ابرمت بَين الطَّرفَيْنِ معاهدة اهم مَا بهَا اخلاء الْجَيْش لاقليم ترنسلفانيا وَتَعْيِين ابافي حَاكما عَلَيْهَا تَحت سيادة الدولة الْعلية وتقسيم بِلَاد المجر بَين الدولتين بَان يكون للنمسا ثَلَاث ولايات وللباب العالي اربعة مَعَ بَقَاء حصني نوفيجراد ونوهزل تابعين للدولة الْعلية
هَذَا وَلَو ان الْحَرْب انْتَهَت على حُدُود النمسا الا ان فرنسا مَا زَالَت مراكبها تطارد سفن الْمغرب بِحجَّة انها تغزو سفنها وَمَا زَالَت هَذِه حجتهم حَتَّى استولوا على اقليمي الجزائر وتونس فِي هَذَا الْقرن وَاسْتمرّ هَذَا الْحَرْب مُدَّة بِغَيْر صفة رسمية وَفِي سنة ١٦٦٦ ارسل الْوَزير الفرنساوي كولبر الَّذِي خلف مازارين سفيرا للدولة لاصلاح ذَات بَينهمَا لَكِن لم يصب فِي الانتخاب فانه ارسل ابْن المسيو دي لاهي الَّذِي حَبسه الْوَزير كوبريلي احْمَد باشا فِي ادرنه كَمَا سبق ذكره
[ ٢٩٧ ]
وَلذَلِك لم تفد ماموريته شَيْئا بل ابى الصَّدْر تَجْدِيد الامتيازات الفرنساوية التجارية وحرمها حق امرار بضائعها من مصر فالسويس إِلَى الْهِنْد وَزِيَادَة على ذَلِك منحت إِلَى جمهورية جنوا امتيازات خُصُوصِيَّة شَبيهَة بامتيازات انكلترا وَلذَلِك جاهرت فرنسا بمساعدة مَدِينَة كانديا عل محاربة العثمانيين فَسَار الصَّدْر سنة ١٦٦٧ بِنَفسِهِ لتتميم فتح هَذِه الْمَدِينَة الحصينة الَّتِي كَادَت تعيي الدولة وَاسْتمرّ الْحصار والقتال مُدَّة اكثر من سنتَيْن لامداد فرنسا لَهَا بِالْمَالِ وَالرِّجَال والسفن الحربية واخيرا اضطرت الحامية إِلَى التَّسْلِيم فسلمها قائدها موروزيني فِي ٢٩ ربيع الثَّانِي سنة ١٠٨٠ ٢٦ سبتمبر سنة ١٦٦٩ بعد ان امضى مَعَ الصَّدْر معاهدة بالنيابة عَن جمهورية البندقية تقضي بالتنازل للدولة الْعلية عَن جَزِيرَة كريد مَا عدا ثَلَاث قرى وَهِي قره بوزا وسودا وَسَبَيْنَا لونجا وصدقت البندقية عَلَيْهَا فِي فبرايرسنة ١٦٧٠ وَفِي هَذِه الاثناء كَانَ المسيو دي لاهي سفير فرانسا مُقيما بالاستانة يسْعَى جهده فِي الْحُصُول على تَجْدِيد الامتيازات فَلم يفلح
وَفِي سنة ١٦٧٠ ارسل لويز الرَّابِع عشر سفيرا غَيره يدعى الماركي دي نوانتل بعمارة بحريّة حربية بِقصد ارهاب الصَّدْر وتهديده بِالْحَرْبِ إِذا لم يذعن لطلبات فرانسا لَكِن لم ترهبه هَذِه التظاهرات بل قَابل السفير بِكُل سُكُون وَقَالَ لَهُ ان تِلْكَ المعاهدات لم تكن الا منحا سلطانية لَا معاهدات اضطرارية وَاجِبَة التَّنْفِيذ وانه ان لم يرتح لهَذَا الْجَواب فَمَا عَلَيْهِ الا الرحيل وَلما وصل هَذَا الْجَواب إِلَى ملك فرنسا اراد اعلان الْحَرْب على الدولة وَلَوْلَا نصائح الْوَزير كولبر لركبت فرانسا هَذَا الْمركب الخشن وجلبت لنَفسهَا ضَرَرا فادحا بقفل ابواب الشرق امام مراكبها بل تمكن كولبر بِحِكْمَتِهِ وسياسته ومعاملة الدولة الْعلية باللين والخضوع من تَجْدِيد المعاهدات الْقَدِيمَة فِي سنة ١٦٧٣ وفوض ثَانِيًا إِلَى فرنسا حق حماية بَيت الْمُقَدّس كَمَا كَانَ لَهَا ذَلِك من ايام السُّلْطَان سُلَيْمَان وَبِذَلِك عَادَتْ العلاقات إِلَى سَابق ضفائها بَين الدولتين وَمِمَّا زَاد حُدُود الدولة اتساعا ومنعة من جِهَة الشمَال خضوع
[ ٢٩٨ ]
جَمِيع القوزاق الساكنين بالجزء الجنوبي من بِلَاد الروسيا إِلَى الْخَلِيفَة الاعظم مُحَمَّد الرَّابِع بِدُونِ حَرْب بل حبا فِي الدُّخُول فِي حمى حامي دولة الاسلام وَلذَلِك اغارت بولونيا على ولَايَة اوكرين فاستنجد حاكمها الاكبر بالعثمانيين فانجده السُّلْطَان وَسَار بِنَفسِهِ فِي جَيش جرار وَوصل فِي قَلِيل من الزَّمن إِلَى حصن رامنيك فِي ٢٣ ربيع آخر سنة ١٠٨٣ ١٨ اغسطس سنة ١٦٧٢ واحتل هَذَا الْحصن عنْوَة بعد محاصرة استمرت عشرَة ايام وَكَذَلِكَ احتل مَدِينَة لمبرج الشهيرة فَطلب سلطانهم ميشل الصُّلْح على ان يتْرك اقليم اوكرين للقوزاق وَولَايَة بودوليا للدولة الْعلية وَيدْفَع لَهَا جِزْيَة سنوية قدرهَا مِائَتَان وَعِشْرُونَ الف بندقي ذَهَبا فَقبل السُّلْطَان هَذِه الشُّرُوط وامضيت بَينهمَا فِي ٢٥ جُمَادَى الاولى سنة ١٠٨٣ ١٨ سبتمبر سنة ١٦٧٢ أَي بعد اعلان الْحَرْب بِشَهْر وَاحِد وَسميت هَذِه المعاهدة بمعاهدة بوزاكس
لَكِن لم تقبل الامة البولونية بِهَذَا الْوِفَاق بل اصرت على اسْتِمْرَار الْقِتَال وارسلت قائدهم الشهير سوبيسكي بجيوش جرارة لمحاربة العثمانيين فاسترد مَدِينَة لمبرج
[ ٢٩٩ ]
واظهارا لممنونية الامة انتخبته ملكا عَلَيْهَا بعد موت ميشل سنة ١٦٧٣ واستمرت الْحَرْب بَين الدولتين سجالا إِلَى سنة ١١٦٧ وفيهَا جدد الْملك سوبيسكي الصُّلْح بعد ان فقد مُعظم جيوشه فِي هَذِه الحروب المستمرة وتنازل للدولة الْعلية عَمَّا كَانَ تنازل لَهَا عَنهُ الْملك ميشل الا بعض مدن قَليلَة الاهمية وَكَانَت هَذِه المعاهدة خَاتِمَة اعمال كوبريلي احْمَد باشا الَّذِي توفّي بعد اتمامها بِقَلِيل فِي ٢٤ رَمَضَان سنة ١٠٨٧ ٣٠ اكتوبر سنة ١٦٧٦ عَن وَاحِد واربعين سنة قضى مِنْهَا خمس عشرَة سنة فِي منصب الصدارة الْعُظْمَى بِكُل امانة وصداقة سائرا فِي ذَلِك على خطة وَالِده المرحوم كوبريلي مُحَمَّد باشا وتقلد منصب الصدارة بعده زوج اخته قره مصطفى وَلم يكن كُفؤًا للسير فِي الطَّرِيق الَّذِي رسمه كوبريلي الْكَبِير وَولده بل اتبع مصْلحَته الذاتية وَبَاعَ المناصب الْعَالِيَة والمعاهدات والامتيازات المجحفة بالدولة حَالا واستقبالا بِدَرَاهِم مَعْدُودَة وبسوء سياسته كدر خواطر القوزاق وابعدهم عَن الدولة حَتَّى ان خَان اقليم اوكرين عصاها جهارا فِي فبراير سنة ١٦٧٧ واستنجد بالروسيا الَّتِي كَانَت آخذة اذ ذَاك فِي تنظيم داخليتها وَتقدم وَكَانَت تتوق للدخول ضمن الْمُجْتَمع الاوروبي فامدته بِالرِّجَالِ وحاربت عَسَاكِر الدولة اسْتمرّ الْحَرْب بَين القوزاق والروس من جِهَة والعثمانيين من جِهَة اخرى بَين اخذ ورد حَتَّى سنة ١٦٨١ حَيْثُ تمّ الصُّلْح بَينهم على بَقَاء الْحَالة على مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل ابْتِدَاء الْحَرْب وَسميت هَذِه المعاهدة بمعاهدة رادزين
وَفِي هَذِه السّنة سَار قره مصطفى باشا إِلَى بِلَاد المجر لمحاربة النمسا بِنَاء على استدعاء تيليكي اُحْدُ اشراف المجر الَّذِي اثار الايالات المجرية التابعة للنمسا للتخلص من استبدادها الديني فان الامبراطور ليوبولد لكَونه كاتوليكيا كَانَ يامر بقتل كل من يلوح عَلَيْهِ ادنى ميل إِلَى مَذْهَب البروتستانت