وَبعد تَمام النَّصْر واستخلاص مَدِينَة وارنه رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى عزلته لكنه لم يلبث فِيهَا هَذِه الْمرة ايضا لَان عَسَاكِر الانكشارية ازدروا بملكهم الْفَتى مُحَمَّد الثَّانِي وعصوه ونهبوا مَدِينَة ادرنة عَاصِمَة الدولة فَرجع اليهم السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي فِي اوائل سنة ١٤٤٥ م واخمد فتنتهم وخوفا من رجوعهم إِلَى اقلاق رَاحَة الدولة اراد ان يشغلهم بِالْحَرْبِ فاغار على بِلَاد اليونان وساعده على ذَلِك تَقْسِيم ايمانويل ملك الرّوم بِلَاده بَين اولاده بَان اعطى مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وضواحيها إِلَى ابْنه حنا وبلاد موره وجزء من تساليا لِابْنِهِ قسطنطين وَهُوَ آخر مُلُوك الرّوم وَلما علم قسطنطين بعزم السُّلْطَان مُرَاد على فتح بِلَاده حصن برزخ كورنته وَبنى فِيهِ قلاعا جعلت اجتيازه غير مُمكن لَكِن لم يعق هَذَا السُّور المنيع الجيوش العثمانية بل سلط عَلَيْهِ السُّلْطَان مدافعه ذكر المؤرخون ان هَذَا اول اسْتِعْمَال للمدافع فِي جيوش الدولة الْعلية حَتَّى احدث فِيهَا ثلمًا دخلت مِنْهُ الجيوش إِلَى مَدِينَة كورنته فَفَتحهَا
وَلم يتم فتح بِلَاد موره لازدياد عصيان اسكندر بك واثارته الْفِتَن فِي بِلَاد البانيا وَاكْتفى بِضَرْب الجزيه على اهلها هَذِه الْمرة وَلما هدأ باله من جِهَة اسكندر بك عاود الكرة عَلَيْهَا واسكندر بك هَذَا هُوَ اُحْدُ اولاد جورج كستريو امير البانيا الشمالية الَّذين سبق ذكر اخذ السُّلْطَان لَهُم رهينة وَضم بِلَاد ابيهم اليه بعد مَوته وَكَانَ قد اسْلَمْ اَوْ بالحري تظاهر بالاسلام لنوال مَا يكنه صَدره واظهر الاخلاص للسُّلْطَان حَتَّى قربه اليه وَفِي سنة ١٤٤٣ حينما كَانَ السُّلْطَان مشتغلا بمحاربة
[ ١٥٨ ]
هونياد وَملك الصرب الزم كَاتب اول الْملك على ان يمْضِي لَهُ امرا بتوجيه ادارة مَدِينَة آق حِصَار من اعمال بِلَاد البانيا اليه واخذ هَذَا الامر بعد ان قتل ممضيه خوفًا من افشاء سره وَسَار إِلَى هَذَا الْبَلَد ودخله وَفِي الْحَال استدعى اليه رُؤَسَاء قبائل الارنؤد واظهر لَهُم مشروعه وَهُوَ استخلاص البانيا من يَد الاتراك فوافقوه على مَا وسوسه لَهُم وامدوه بِالْمَالِ وَالرِّجَال فَسَار مَعَهم وطرد العثمانيين من اغلب بِلَاد اجداده وانتصر على الْقَائِد عَليّ باشا سنة ١٤٤٣ وساعده على امتداد نُفُوذه تنازل السُّلْطَان مُرَاد واشتغاله بمحاربة المجر لَكِن لما تمّ النَّصْر للسُّلْطَان فِي وَاقعَة وارنه واستتب الامن فِي بِلَاد اليونان امكنه جمع جَيش جرار لقمع هَذَا الخائن فقصده بِمِائَة الف مقَاتل واسترد مِنْهُ مدينتين من اهم مدن البانيا سنة ١٤٤٧ ثمَّ تَركه حِين بلغه خبر اغارة هونياد المجري على بِلَاد الصرب ليعيد لنَفسِهِ مَا فقد من الشّرف فِي وَاقعَة وارنه وَكَانَ مَعَه فِي هَذِه الدفعة اربعة وَعِشْرُونَ الف رجل مِنْهُم عشرَة آلَاف من الفلاخ فاصطدم الْجَيْش العثماني بقيادة السُّلْطَان نَفسه مَعَ جَيش هونياد فِي وَادي قوص اوه فانتصر عَلَيْهِ السُّلْطَان نصرا مُبينًا فِي ١٨ شعْبَان سنة ٨٥٢ ١٧ اكتوبر سنة ١٤٤٨ كَمَا انتصر السُّلْطَان مُرَاد الاول على لازار ملك الصرب سنة ١٣٨٩ فِي هَذَا الْموقع ثمَّ عَاد السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي لمحاربة اسكندر بك بالبانيا وحاصر مَدِينَة آق حِصَار مُدَّة وَلما لم يجد سَبِيلا إِلَى فتحهَا لضعف جيوشه بِسَبَب هَذِه الحروب المتواصلة اراد ان يتَّفق مَعَ اسكندر بك عل الصُّلْح بَان يقلده السُّلْطَان امارة بِلَاد البانيا فِي مُقَابلَة جِزْيَة سنوية وَلما لم يقبل اسكندر بك هَذَا الاقتراح رفع السُّلْطَان الْحصار عَن الْمَدِينَة وَعَاد إِلَى ادرنه عَاصِمَة ممالكه ليجهز جيوشا جَدِيدَة كَافِيَة لقمع هَذَا الثائر لكنه توفّي فِي يَوْم ٥ محرم سنة ٨٥٥ ٧ فبراير سنة ١٤٥١ وَتَوَلَّى بعده ابْنه السُّلْطَان ابو الْفَتْح مُحَمَّد الثَّانِي ونقلت جثته إِلَى مَدِينَة بورصه وسنه ٤٩ سنة وَمُدَّة حكمه ٣٠ سنة
[ ١٥٩ ]
٧