وانتهز الشاه عَبَّاس ملك الْعَجم هَذَا الاختلال فرْصَة لتوسيع املاكه من جِهَة حُدُود الدولة الْعلية فَكَانَ الامر حِينَئِذٍ بعكس مَا كَانَ عَلَيْهِ ايام المرحوم الْغَازِي السُّلْطَان سُلَيْمَان القانوني وَذَلِكَ ان رَئِيس الشرطة فِي مَدِينَة بَغْدَاد واسْمه بكير آغا ثار على الْوَالِي وَقَتله واستبد فِي الاحكام فارسلت لَهُ الدولة قائدا يدعى حَافظ باشا حاربه وحصره فِي دَار السَّلَام فسولت لبكير آغا نَفسه الخبيثة ان يخون الدولة وراسل الشاه عباسا وَعرض عَلَيْهِ تَسْلِيم الْمَدِينَة فَسَار الشاه بجُنُوده لاحتلالها وَفِي الْوَقْت نَفسه عرض بكير آغا على الْقَائِد العثماني ان يرد الْمَدِينَة للعثمانيين لَو اقرته الدولة على ولايتها فَقبل ذَلِك واحتلتها الْجنُود المظفرة قبل وُصُول شاه الْعَجم وَهُوَ لما وَصلهَا حاصرها ثَلَاثَة اشهر ثمَّ فتحهَا بخيانة ابْن بكير آغا الَّذِي سلمهَا لَهُ بِشَرْط تَعْيِينه حَاكما عَلَيْهَا من قبلهم لَكِن خَابَ سَعْيه فقد قَتله الشاه جَزَاء خيانته كَمَا قتل اباه وَفِي ذَلِك عِبْرَة لكل جَاهِل خائن يظنّ ان الاجنبي يعْتَقد فِيهِ الاخلاص ويكافئه لَو ساعده على ابتلاع وَطنه فَهَل يَرْجُو من بَاعَ وَطنه
[ ٢٨٠ ]
الْعَزِيز بيع الْمَتَاع خيرا من تِلْكَ الدولة كلا فانها تستعمله آلَة لنوال غرضها ثمَّ تلفظه لفظ النواة فَيرجع يعَض بنان النَّدَم على ضيَاع شرفه وتسويد صفحات تَارِيخه حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم وينكص على عَقِبَيْهِ مذموما مَدْحُورًا وبمناسبة سُقُوط بَغْدَاد فِي ايدي الْعَجم وَعدم اخباره السُّلْطَان بذلك سعى المُنَافِقُونَ بالصدر الاعظم كمانكش على باشا لَدَى السُّلْطَان وافهموه انها لم تسْقط الا لخيانته فحنق عَلَيْهِ وامر بقتْله وَولى مَكَانَهُ جركس مُحَمَّد باشا وَلم يلبث هَذِه الاخير ان توفّي وَعين بعده حَافظ احْمَد باشا سنة ١٠٣٣ هجرية سنة ١٦٢٤ م وَهُوَ الَّذِي اشْتهر فِي مكافحة اباظة باشا سنة والفوز عَلَيْهِ فِي وَاقعَة قيصرية ومحاصرته فِي ارضروم حَتَّى الْتزم بالخضوع للدولة واظهار الْوَلَاء لَهَا فعفت عَنهُ عَفْو كريم مقتدر واقرته فِي ولَايَته سنة ١٦٢٤ م فَسَار حَافظ باشا الصَّدْر الْجَدِيد إِلَى مَدِينَة بَغْدَاد لاستردادها وحاصرها فِي اوائل سنة ١٦٢٤ وضيق عَلَيْهَا الْحصار وَلما اسْتمرّ الْحصار مُدَّة بِدُونِ ان تنثني عَزِيمَة المحصورين تذمر الانكشارية واظهروا عدم الرَّغْبَة فِي الْحَرْب بكيفية اضطرته لرفع الْحصار عَن الْمَدِينَة وَالرُّجُوع إِلَى الْموصل وَمِنْهَا إِلَى ديار بكر حَيْثُ ثار الْجند مرّة ثاينة فعزل السُّلْطَان حَافظ باشا سنة ١٠٣٤ هجرية سنة ١٦٢٤ م وَعين بدله من يدعى خَلِيل باشا الَّذِي سبق تقلده هَذَا المنصب فِي عهد السلاطين احْمَد الاول ومصطفى الاول وَعُثْمَان الثَّانِي شَهِيد الانكشارية وَكَانَت فَاتِحَة اعماله انه استدعى اباظه باشا إِلَى مُعَسْكَره فَظن انه يُرِيد الْغدر بِهِ فَرفع راية الْعِصْيَان ثَانِيًا وَقتل حامية ارضروم من الانكشارية وانتصر على الْقَائِد حُسَيْن باشا وجيشه فَسَار اليه الصَّدْر خَلِيل باشا بِنَفسِهِ وحصره ثمَّ رفع عَنهُ الْحصار بعد شَهْرَيْن نوفمبر سنة ١٥٢٧ فعزل من الصدارة سنة ١٠٣٥ هجرية وَولى مَكَانَهُ خسرو باشا وَهُوَ عاود الكرة على ارضروم وادخل اباظه باشا فِي طَاعَة الدولة
[ ٢٨١ ]
وعينه واليا على البشناق بوسنة سنة ١٠٣٧ هـ سنة ١٦٢٨ م وَفِي هَذِه الاثناء كَانَت ثورات الْجنُود متتابعة بالاستانة وَفِي كل مرّة يطْلبُونَ قتل من يشاؤن من رُؤَسَاء الْحُكُومَة الْمُخَالفين لَهُم فِي الرَّأْي وَلَا يرى السُّلْطَان مندوحة من اجابة طلباتهم اسكاتا لَهُم وخوفا من ان يصل اليه اذاهم ثمَّ توفّي الشاه عَبَّاس وَتَوَلَّى ابْنه شاه ميرزا وَكَانَ حَدِيث السن فَدخل العشم فِي افئدة القواد العثمانيين وَسَار خسرو باشا من حِينه إِلَى بِلَاد الْعَجم رغما عَن تذمر جُنُوده وَوصل بعد العناء الشَّديد إِلَى مَدِينَة همذان فَدَخلَهَا فَجْأَة فِي ٢٦ شَوَّال سنة ١٠٣٩ ١٨ يونيو سنة ١٦٣٠ ثمَّ قصد مَدِينَة بَغْدَاد وانتصر اثناء عودته اليها ثَلَاث دفعات مُتَوَالِيَات على جيوش الْعَجم وَوصل اليها وابتدأ فِي محاصرتها فِي شهر سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة فدافع عَنْهَا قَائِد حاميتها دفاعا شَدِيدا وَصد هجوم العثمانيين عَنْهَا فِي ٧ ربيع الثَّانِي سنة ١٠٤٠ ١٤ نوفمبر سنة ١٦٣٠ ولهجوم الشتَاء رفع خسرو باشا عَنْهَا الْحصار وَرجع إِلَى مَدِينَة الْموصل لقَضَاء فصل الشتَاء وَفِي الرّبيع التَّالِي أَرَادَ معاودة الكرة على مَدِينَة بَغْدَاد فَلم تمتثل الْجنُود اوامره وَلذَلِك اضْطر إِلَى التقهقر إِلَى مَدِينَة حلب خوفًا من وُصُول الْعَدو اليه بالموصل وَهُوَ غير واثق من جُنُوده