هَذَا واهم مَا حصل فِي ايام السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث محاربة بِلَاد الْعَجم بِنَاء على ايعاز الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد باشا صقللي وانتهاز فرْصَة الاضطرابات الداخلية بهَا وَذَلِكَ انه لما توفّي الشاه طهماسب سنة ٩٨٤ هـ سنة ١٥٧٦ م تولى بعده ابْنه حيدر وَقتل بعد بضع سَاعَات قبل دفن ابيه ودفنا مَعًا ثمَّ تولى بعده اسماعيل ابْن طهماسب وَتُوفِّي مسموما سنة ٩٨٥ وَخَلفه اخوه محمدد خدابنده وَكَانَت الْبِلَاد منقسمة عَلَيْهِ فارسلت الجيوش السُّلْطَانِيَّة لمحاربته وَفتح مَا تيَسّر من بِلَاده وَجعل لاله مصطفى باشا قائدا لَهَا فَسَار بجيوشه قَاصِدا اقليم الكرج من بِلَاد الجركس فِي اواخر سنة ١٥٧٧ م وَكَانَت تَابِعَة إِلَى مملكة الْعَجم وَفتحهَا واحتل مَدِينَة تفليس عَاصِمَة الكرج بعد ان انتصر على جنود الشاه وتغلب على قائدهم
[ ٢٦١ ]
الْمُسَمّى دقماق بِالْقربِ من حصن جلدر فِي ٨ اغسطس سنة ١٥٧٨ وَعين امراء الكرج حكاما سناجق من قبل الدولة وَبعد ان قهر ثَانِيًا جيوش الْعَجم فِي ٨ سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة عَاد مصطفى باشا وجيوشه إِلَى مَدِينَة طرابرون لتمضية فصل الشتَاء الَّذِي لَا يُمكن اسْتِمْرَار الْقِتَال فِي غضونه لشدَّة الْبرد وتراكم الثلوج فِي هَذِه الاصقاع وَقسمت بِلَاد الكرج إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام وَهِي شيروان وتفليس وَتَكون القسمان الباقيان من بِلَاد الكرج الاصلية وحصنت مَدِينَة قارص بكيفية جَعلتهَا امْنَعْ معاقل الدولة على الْحُدُود وَمَا فتئت كَذَلِك حَتَّى احتلها الروس سنة ١٨٧٧ وَعين لكل مِنْهَا حَاكم عَام بكلر بك وَفِي اواسط الشتَاء اتت اربعة جيوش جرارة تَحت امرة الامير حَمْزَة ميرزا وهاجمت بِلَاد شيروان من كل فج حَتَّى اضْطر حاكمها عُثْمَان باشا إِلَى اخلاء مَدِينَة شيروان والاحتماء بِمَدِينَة دربند وَكَذَلِكَ حاصر الاعجام مَدِينَة تفليس نَفسهَا وَلم يقووا على استرجاعها لثبات حاميتها العثمانية حَتَّى اتى اليها المدد وَرفع عَنْهَا الْحصار عنْوَة سنة ١٥٧٩ وَفِي غُضُون ذَلِك قتل الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد باشا صقللي الَّذِي حَافظ على نُفُوذ الدولة بعد موت السُّلْطَان سُلَيْمَان وَتمكن بسياسته ودهائه من ابرام الصُّلْح مَعَ دوَل اوروبا المعادية لَهَا وانشأ عمَارَة بحريّة بعد وَاقعَة ليبنته وَفتحت جَزِيرَة قبرص بتعليماته وارشاداته وكوفئ على خدماته الجليلة بِالْقَتْلِ لَا لذنب جناه اَوْ جِنَايَة ارتكبها بل هِيَ دسائس حَاشِيَة السُّلْطَان قَضَت عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ غدرا تبعا لدسائس الاجانب الَّذين لَا يروق فِي اعينهم وجود مثل هَذَا الْوَزير يُدِير دولاب الاعمال على محور الاسْتقَامَة فدسوا اليه من قَتله تخلصا من صَادِق خدمته للدولة فَكَانَ مَوته ضَرْبَة شَدِيدَة ومحنة عَظِيمَة لَا سِيمَا وَقد كثر بعده تنصيب وعزل
[ ٢٦٢ ]
الصُّدُور فعين اولا من يدعى احْمَد باشا ثمَّ عزل فِي اغسطس سنة ١٥٨٠ وَعين بعده سِنَان باشا اُحْدُ القواد الْمَشْهُورين وَاحِد رُؤَسَاء الْجَيْش الْمُحَارب فِي بِلَاد الكرج وَتَوَلَّى قيادة هَذَا الْجَيْش بعد موت قائده الْعَام مصطفى الَّذِي قيل انه انتحر مسموما لعدم حُصُوله على منصب الصدارة وَلكنه عزل من منصبه بعد قَلِيل وَنفي إِلَى خَارج الْبِلَاد وَتَوَلَّى مَكَانَهُ سياوس باشا المجري الاصل فِي الصدارة الْعُظْمَى وفرهاد اَوْ فرحات باشا اُحْدُ القواد الْعِظَام قائدا عَاما للجيش الْمُحَارب فِي الكرج وَلم يات هَذَا الْقَائِد باعمال تذكر لعدم انقياد الانكشارية وامتثالهم لاوامر رُؤَسَائِهِمْ
اما عُثْمَان باشا حَاكم اقليم شيروان فَسَار إِلَى فتح بِلَاد طاغستان على شاطئ بَحر الخزر وَبعد ان اتم فتحهَا عقب موقعة عَظِيمَة انتصر فِيهَا على الاعجام نصرا مُبينًا فِي ٩ مايو سنة ١٥٨٣ سَار بطرِيق الْبر إِلَى بِلَاد القرم مخترقا جبال قَاف اَوْ القوقاز وسهول روسيا الجنوبية لعزل خانها عقَابا لَهُ على امْتِنَاعه عَن ارسال المدد إِلَى الدولة الْعلية لمحاربة الْعَجم فوصل اليها بعد ان عانى من المشقات اقصاها وَمن الصعوبات مُنْتَهَاهَا لوعورة الطَّرِيق ومناوشة الروس لَهُ إِلَى مَدِينَة كافا عَاصِمَة الخان مُحَمَّد كراي فَجمع الخان جَيْشًا عَظِيما من الفرسان القوزاق الْمَشْهُود لَهُم بالبسالة والاقدام وحاصر عُثْمَان باشا وجيوشه الَّتِي اضناها التَّعَب وانهكها السّير وَلَوْلَا عصيان اخيه اسلام كراي عَلَيْهِ لوعده بالامارة من قبل الدولة الْعلية وتفرق جيوشه من حوله وَقَتله غدرا بدسيسة اخيه لانتصر على العثمانيين لَكِن خانه اخوه ودس اليه من قَتله طَمَعا فِي الامارة سنة ١٥٨٤ وَبعد ذَلِك رَجَعَ عُثْمَان باشا إِلَى الاستانة برا وقوبل بِكُل تكريم واعظام وَبعد ايام
[ ٢٦٣ ]
قَلَائِل عين صَدرا اعظم بدل سياوس باشا المجري وسر عَسْكَر الْجَيْش الكرج وَكَانَ تَعْيِينه فِي سنة ٩٩٢ هـ ١٥٨٤ م
فَسَار فِي جَيش عَرَمْرَم مؤلف من مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ الف مقَاتل قَاصِدا بِلَاد اذربيجان فاخترقها بِدُونِ كثير مقاومة ثمَّ قصد مَدِينَة تبريز عَاصِمَة الْعَجم فَدَخلَهَا بعد ان انتصر على حَمْزَة ميرزا وَترك فِيهَا حامية قَوِيَّة وَبعد ان استمرت الْحَرْب سجالا بَين الدولتين نَحْو سِتّ سنوات توفّي فِي خلالها الصَّدْر الاعظم عُثْمَان باشا سر عَسْكَر الْجَيْش تمّ الصُّلْح وامضي بَينهمَا فِي ٢١ مارس سنة ١٥٨٥ على ان تتنازل الْعَجم للدولة العثمانية عَن اقليم الكرج وشيروان ولورستان وجزء من اذربيجان ومدينة تبريز وَتَوَلَّى بعده خَادِم مسيح باشا صَدرا اعظم سنة ٩٩٣ وَفِي السّنة التالية اعيد سياوس باشا إِلَى هَذَا المنصب الخطير وَبِذَلِك هدأت الاحوال وانقطعت الحروب على سَائِر حُدُود المملكة تَقْرِيبًا
الا ان هَذِه السكينَة لم تكن لترضي الانكشارية الَّذين كَانُوا يفضلون اسْتِمْرَار الحروب للنهب وَالسَّلب وارتكاب مَالا خير فِيهِ فَكَانَت إِذا انْقَطَعت الحروب تمردوا وارتكبوا هَذِه القبائح فِي بِلَاد الدولة المعسكرين بهَا بل وَفِي نفس الاستانة فَلَمَّا بَلغهُمْ ان المخابرات سائرة بَين الدولة والعجم للوصول إِلَى الصُّلْح ثَارُوا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وطلبوا تَسْلِيم الدفترادار نَاظر الْمَالِيَّة وَمُحَمّد باشا بكلر بك الرومللي لقتلهما بِدَعْوَى انهما ارادا ان يصرفا اليهم نقودا نَاقِصَة الْعيار وحاصروهما فِي منزلهما إِلَى ان قتلوهما شَرّ قتلة وَلم يقو السُّلْطَان على مَنعهم وتمردوا مرّة اخرى سنة ١٥٩٣ فِي الاستانة واخرى فِي مَدِينَة بود وَقتلُوا واليها وَفِي الْقَاهِرَة وَفِي تبريز مِمَّا يطول شَرحه ووصلت بهم القحة إِلَى آخرهَا وَلذَلِك اشار سِنَان باشا الَّذِي اعيد إِلَى منصة الوزارة فِي سنة ٩٩٧ باشغالهم بمحاربة بِلَاد المجر واوعز إِلَى حسن باشا وَالِي بِلَاد البشناق بوسنه ان يجتاز حُدُود بِلَاد المجر اعلانا للحرب لَكِن هَل يُرْجَى نجاح اَوْ فلاح حَقِيقِيّ من جيوش بلغ عِنْدهَا عدم النظام الدرجَة القصوى
[ ٢٦٤ ]
حَتَّى استطالت لقتل الْوُلَاة وعزل الْحُكَّام كلا وَلَو كَانَ قائدها الاسكندر المقدوني اَوْ ابراهيم باشا الْمصْرِيّ اَوْ نابليون الفرنساوي وَرب معترض يعْتَرض علينا فِي تَسْمِيَة ابراهيم باشا بالمصري مَعَ انه لم يُولد بهَا فنجاوبه ان ابراهيم باشا نشر الرَّايَة المصرية فِي بِلَاد الْعَرَب وَالشَّام وجنوب الاناطول والسودان وانتصر بالمصريين لَا بغيرهم وَلم يكن ذَلِك مِنْهُ الا لاعلاء شَأْن الوطن الْمصْرِيّ واستقلاله فِي الدَّاخِل وَنشر نُفُوذه فِي الْخَارِج وَلذَلِك حق لنا ان نُسَمِّيه الْمصْرِيّ بل الْمصْرِيّ الوحيد بعد وَالِده مُحَمَّد عَليّ باشا الْكَبِير ولنرجع إِلَى ذكر حروب الدولة مَعَ المجر فَنَقُول ان الْحَرْب كَانَت تَارَة لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ وطورا للْآخر فَقتل حسن باشا وَالِي الهرسك وَانْهَزَمَ وَالِي بود وَفتحت جيوش النمسا الَّتِي انْحَازَتْ إِلَى المجر عدَّة قلاع عثمانية ثمَّ استردها سِنَان باشا الصَّدْر الاعظم سنة ١٥٩٥ وَفِي هَذَا الْموقع يجب علينا وعَلى كل عثماني التأسف والتحسر على عدم خُرُوج السُّلْطَان بِنَفسِهِ إِلَى الْحَرْب وتحجبه عَن اعين جيوشه وَعدم قيادتهم بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة إِلَى ساحات النَّصْر فلولا ذَلِك لكَانَتْ الْغَلَبَة دَائِما لَهُم باذنه تَعَالَى فقد عودهم ﷿ النَّصْر على الاعداء فِي زمن اجداده سُلَيْمَان وسليم الاول وَمن قبلهم لَان وجود الْخَلِيفَة الاعظم فِي رَأس جيوشه يبث فيهم روحا جَدِيدَة فيتحدون مَعَه قلبا وقالبا ويسيرون مَعَه إِلَى النَّصْر الْمُبين والفوز الْعَظِيم وَكم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة باذن الله وَمِمَّا زَاد احوال المملكة ارتباكا اشهار الفلاخ والبغدان وترنسلفانيا الْعِصْيَان بالاتحاد وتحالفهم مَعَ رودلف الثَّانِي ملك النمسا وامبراطور المانيا على محاربة الدولة والحصول على الِاسْتِقْلَال فَسَار اليهم الصَّدْر الاعظم سِنَان باشا فِي سنة ١٥٩٥ وَدخل مَدِينَة بوخارست عَاصِمَة الفلاخ عنْوَة ثمَّ انتصر عَلَيْهِ مخائيل امير الفلاخ الملقب فِي كتب الافرنج بالشجاع وَدخل مَدِينَة ترجوفتس وَقتل حاميتها ورئيسها فاخذ العثمانيون فِي الانسحاب والتقهقر خلف نهر الدانوب تَبِعَهُمْ مخائيل الفلاخي وانتصر عَلَيْهِم مرّة ثَانِيَة بِالْقربِ من مَدِينَة جورجيوا
[ ٢٦٥ ]
عِنْد عبورهم النَّهر وَفتح الْمَدِينَة وعدة مَدَائِن اخرى اهمها مَدِينَة نيكوبلي
وَفِي هَذِه الاثناء ولي فرهاد باشا منصب الصدارة فِي سنة ٩٩٩ ثمَّ اعيد سياوس باشا ثَالِثا اليها سنة ١٠٠٠ ثمَّ اصيب السُّلْطَان بداء عياء وَتُوفِّي مسَاء ٨ جُمَادَى الاولى سنة ١٠٠٣ ١٩ يناير سنة ١٥٩٥ وَله من الْعُمر خَمْسُونَ سنة وَكَانَت مُدَّة ملكه احدى وَعشْرين سنة تَقْرِيبًا وَكَانَ شَاعِرًا مجيدا فطنا لبيبا الا انه كَانَ كثير الْميل لاقتناء الْجَوَارِي الحسان عَاملا بمشورتهن وَكَانَ من ضمن حظياته جَارِيَة بندقية الاصل من عائلة شهيرة بهَا اسْمهَا بافو سباها قراصين الْبَحْر وبيعت فِي السراي السُّلْطَانِيَّة وَسميت صَفِيَّة اصطفاها السُّلْطَان لنَفسِهِ وتدخلت كثيرا فِي السياسة الخارجية ساعدت بلادها الاصلية كثيرا وَهِي وَالِدَة السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث
[ ٢٦٦ ]
١٣