البند الاول من الازم ان تقاد العساكر دَائِما إِلَى الْحَرْب وَيَنْبَغِي للامة الروسية ان تكون متمادية على حَالَة الكفاح لتَكون اليفة الوغاء وَترك وَقت لراحة العساكر اَوْ لاجل اصلاح الْمَالِيَّة وتوفيرها وان كَانَ ضَرُورِيًّا يلْزم ان يكون تنظيم المعسكرات متعاقبا وَتَكون مراقبة الْوَقْت الْمُوَافق للهجوم مُتَّصِلَة انا بَان وعَلى هَذِه الصُّورَة
[ ٣٣٠ ]
يَنْبَغِي لروسيا ان تتَّخذ زمن الصُّلْح والامان وَسِيلَة قَوِيَّة للحرب وَهَكَذَا زمن الْحَرْب للصلح وَذَلِكَ لاجل زِيَادَة قوتها وتوسيع مَنَافِعهَا
البند الثَّانِي فِي وَقت الْحَرْب يَنْبَغِي اتِّخَاذ جَمِيع الْوَسَائِل الممكنة لاستجلاب ضباط للجنود من بَين الْملَل والاقوام الَّذين هم اكثر مَعْلُومَات فِي اوروبا وَكَذَلِكَ فِي زمن الصُّلْح يتَعَيَّن استجلاب ارباب الْعلم والمعارف مِنْهُم ايضا وَيلْزم الاعتناء بِمَا يَجْعَل الامة الروسية تستفيد من مَنَافِع سَائِر الممالك ومحسناتها بِحَيْثُ انها لَا تضيع سعيا اصلا فِي تَحْسِين المحسنات الْمَخْصُوصَة بمملكتها
البند الثَّالِث عِنْد سنوح الفرصة يَنْبَغِي وضع الْيَد والمداخلة فِي جَمِيع الامور والمصالح الْجَارِيَة فِي اوروبا وَفِي اختلافاتها ومنازعتها وعَلى الْخُصُوص فِي وقوعات ممالك المانيا الْمُمكن الاستفادة مِنْهَا بِلَا وَاسِطَة بِسَبَب شدَّة قربهَا
البند الرَّابِع يَنْبَغِي اسْتِعْمَال اصول الرِّشْوَة لاجل القاء الْفساد والبغضاء والحسد دَائِما فِي داخلية ممالك لَهُ أَي بولونيا وتفريق كلمتهم واستمالة اعيان الامة ببذل المَال واكتساب النّفُوذ فِي مجْلِس الْحُكُومَة حَتَّى نتمكن من المداخلة فِي انتخاب الْملك وَبعد الْحُصُول على انتخاب من هُوَ من حزب روسيا من تِلْكَ الامة يَنْبَغِي حِينَئِذٍ دُخُول عَسَاكِر روسيا إِلَى دَاخل الْبِلَاد لاجل حمايتهم والتعصب لَهُم باقامة العساكر الْمَذْكُورَة مُدَّة مديدة هُنَاكَ إِلَى ان تحصل الفرصة لاتخاذ وَسِيلَة تمكننا من الاقامة وعندما تظهر مُخَالفَة فِي ذَلِك من طرف الدول الْمُجَاورَة فلاجل اخماد نَار الْفِتْنَة مؤقتا يَنْبَغِي ان نقاسم الْمُخَالفين فِي ممالك لَهُ ثمَّ نترقب الفرص لاسترجاع الحصص الَّتِي تكون قد اعطيت لَهُم
البند الْخَامِس يَنْبَغِي الِاسْتِيلَاء على بعض الْجِهَات من ممالك اسوج بِقدر الامكان ثمَّ نسعى فِي اغتنام وَسِيلَة لاستكمال الْبَاقِي مِنْهَا وَلَا نتوصل إِلَى ذَلِك الا بِوَجْه تضطر فِيهِ تِلْكَ الدولة إِلَى ان تعلن الْحَرْب على دولة الروسيا وتهاجمها وَالَّذِي يلْزم اولا هُوَ ان نصرف المساعي والهمة لالقاء الْفساد والنفرة دَائِما بَين اسوج والدانمرك بِحَيْثُ ان يكون الِاخْتِلَاف والمراقبة بَينهم دائمين باقيين
البند السَّادِس يجب على الاسرة الامبراطورية الروسية ان يتزوجوا دَائِما من بَنَات العائلة الملوكية الالمانية وَذَلِكَ لتكثير روابط الزَّوْجِيَّة والاتحاد بَينهم
[ ٣٣١ ]
واشتراكهم فِي الْمَنَافِع اذ بِهَدِّهِ الصُّورَة يُمكن اجراء نفوذهم فِي دَاخل المانيا ويربطون ايضا الممالك الْمَذْكُورَة لجِهَة منافعنا ومصالحنا
البند السَّابِع ان دولة انكلترة هِيَ الدولة الاكثر احتياجا الينا فِي امورها البحرية ولهذه الدولة فَائِدَة عَظِيمَة جدا ايضا فِي امْر زِيَادَة قوتنا البحرية فَلذَلِك من الْوَاجِب تَرْجِيح الِاتِّفَاق مَعهَا فِي امْر التِّجَارَة على سَائِر الدول وَبيع محصولات ممالكنا كالاخشاب وَسَائِر الاشياء إِلَى انكلترة وجلب الذَّهَب من عِنْدهم إِلَى ممالكنا واستكمال اسباب الروابط والمناسبات متماديا بَين تجار وملاحي الطَّرفَيْنِ فيتوسع بِهَذِهِ الْوَسِيلَة امْر التِّجَارَة وسير السفن فِي ممالكنا
البند الثَّامِن على الروسيين ان ينتشروا يَوْمًا فيوما شمالا فِي سواحل بَحر البلطيق وجنوبا فِي سواحل الْبَحْر الاسود
البند التَّاسِع يَنْبَغِي التَّقَرُّب بِقدر الامكان من استانبول والهند وَحَيْثُ انه من القضايا الْمسلمَة ان من يحكم على استانبول يُمكنهُ حَقِيقَة ان يحكم على الدُّنْيَا باسرها فَلذَلِك من اللَّازِم احداث المحاربات المتتابعة تَارَة مَعَ الدولة العثمانية وَتارَة مَعَ الدولة الايرانية وَيَنْبَغِي ضبط الْبَحْر الْأسود شَيْئا فَشَيْئًا وَذَلِكَ لأجل انشاء دَار صناعات بحريّة فِيهِ والاستيلاء على بَحر البلطيق ايضا لانه الزم موقع لحُصُول الْمَقْصُود وللتعجيل بِضعْف بل بِزَوَال دولة ايران لنتمكن من الْوُصُول إِلَى خليج الْبَصْرَة وَرُبمَا نتمكن من اعادة تِجَارَة الممالك الشرقية الْقَدِيمَة إِلَى بِلَاد الشَّام والوصول مِنْهَا إِلَى بِلَاد الْهِنْد الَّتِي هِيَ بِمَثَابَة مخزن للدنيا وبهذه الْوَسِيلَة نستغني عَن ذهب انكلترة
البند الْعَاشِر يَنْبَغِي الاهتمام بالحصول على الِاتِّفَاق والاتحاد مَعَ دولة اوستريا النمسا والمحافظة على ذَلِك وَمن اللَّازِم التظاهر بترويج افكار الدولة الْمشَار اليها من جِهَة مَا تبتغي اجراؤه من النّفُوذ فِي الْمُسْتَقْبل فِي بِلَاد المانيا واما بَاطِنا فَيَنْبَغِي لنا ان نسعى فِي تَحْرِيك عروق حسد وعداوة سَائِر حكام المانيا لَهَا وتحريك كل مِنْهُم لطلب الِاسْتِعَانَة والاستمداد من دولة روسيا وَمن اللَّازِم اجراء نوع حماية للدول الْمَذْكُورَة بِصُورَة يتسنى لَهَا فِيهَا الحكم على تِلْكَ الدول فِي الْمُسْتَقْبل
[ ٣٣٢ ]
البند الْحَادِي عشر يَنْبَغِي تحريض العائلة المالكة فِي اوستريا على طرد الاتراك وتبعيدهم من قِطْعَة الروملي وحينما نستولي على استانبول علينا ان نسلط دوَل اوروبا الْقَدِيمَة على دولة اوستريا حَربًا اَوْ نسكن حسدها ومراقبتها لنا باعطائها حِصَّة صَغِيرَة من الاماكن الَّتِي نَكُون قد اخذناها من قبل وَبعده نسعى بِنَزْع هَذِه الْحصَّة من يَدهَا
البند الثَّانِي عشر يَنْبَغِي ان نستميل لجهتنا جَمِيع المسيحيين الَّذين هم من مَذْهَب الرّوم المنكرين رياسة البابا الروحية والمنتشرين فِي بِلَاد المجر والممالك العثمانية فِي جنوبي ممالك لَهُ ونجعلهم ان يتخذوا دولة روسيا مرجعا ومعينا لَهُم وَمن اللَّازِم قبل كل شَيْء احداث رياسة مذهبية حَتَّى نتمكن من اجراء نوع نُفُوذ وحكومة رَهْبَانِيَّة عَلَيْهِم فنسعى بِهَذِهِ الْوَاسِطَة لِاكْتِسَابِ اصدقاء كثيرين ذَوي غيرَة نستعين بهم فِي ولَايَة كل من اعدائنا
البند الثَّالِث عشر حينما يصبح الاسوجيون متشتتين والايرانيون مغلوبين واللاهيون محكومين والممالك العثمانية مضبوطة ايضا حِينَئِذٍ نجمع معسكراتنا فِي مَحل وَاحِد مَعَ الْمُحَافظَة على الْبَحْر الاسود وبحر البلطيق بقوتنا البحرية وَعند ذَلِك نظهر اولا لدولة فرنسا كَيْفيَّة مقاسمة حكومات الدُّنْيَا باسرها بَيْننَا ثمَّ لدولة اوستريا ويعرض ذَلِك على كل من الدولتين الْمشَار اليهما كل مِنْهُمَا على حِدة بِصُورَة خُفْيَة جدا لقبُول ذَلِك وَحَيْثُ انه لَا بُد من احداهما تقبل بِهَذِهِ الصُّورَة فَعِنْدَ ذَلِك يَنْبَغِي مداراة واحترام كل مِنْهُمَا ونجعل من كَانَ مِنْهُمَا قَابلا بِمَا عرضناه عَلَيْهِمَا وَاسِطَة لتنكيل الاخرى واذ تكون دولة روسيا حِينَئِذٍ قد ضبطت جَمِيع الممالك الشرقية وَيكون مثل ذَلِك أعظم قطع أوروبا حَدِيثَة الدُّخُول فِي يَد تصرفها فَعنده يسهل عَلَيْهَا ان تقهر وتنكل فِيمَا بعد اية دولة بقيت فِي الميدان من الدولتين المذكورتين
البند الرَّابِع عشر على فرض الْمحَال ان كلا من الدولتين الْمشَار اليهما لم
[ ٣٣٣ ]
تقبل بِمَا عرضته عَلَيْهِمَا روسيا فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ لروسيا ان تصرف الافكار لمراقبة مَا يحدث من النزاع وَالْخلاف بَينهمَا فاذا وَقع ذَلِك فَلَا بُد ان يحصل تَعب للطرفين ويشتبك هَذَا مَعَ الآخر وَفِي ذَلِك الْوَقْت يجب على روسيا ان تنْتَظر الفرصة الْعَظِيمَة وتسوق حَالا معسكراتها المجتمعة اول باول على المانيا فتهجم فِي تِلْكَ الْجِهَات ثمَّ تخرج قسمَيْنِ كليين من السفن احدهما من بَحر ازاق المملوء بالعساكر الوافرة المجتمعة من اقوام الاناضول المتنوعة وَالثَّانِي من ليمان خليج ارخانكل الكائنة فِي الْبَحْر المتجمد الشمالي فتسير هَذِه السفن وتمر فِي الْبَحْر الابيض وَالْبَحْر الْمُحِيط الشمالي مَعَ الاسطول الْمُرَتّب فِي الْبَحْر الاسود وبحر البلطيق وتهجم كالسيل على سواحل فرنسا واما المانيا فانها تكون اذ ذَاك مَشْغُولَة بِحَالِهَا وَبِمَا ذَكرْنَاهُ تصبح المملكتان الواسعتان المذكورتان مغلوبتين على هَذِه الصُّورَة فالقطعة الَّتِي تبقى من اوروبا تدخل بالطبع تَحت الانقياد بسهولة وَبِدُون محاربة وَتصير جَمِيع قِطْعَة اوروبا قَابِلَة لِلْفَتْحِ والتسخير اهـ
وَمَعَ كل هَذَا فقد ارادت الدولة اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ واوعزت إِلَى كريم كراي خَان القرم ان يفتح بَابا للحرب فصدع بالامر ولكي يَجْعَل الْحق من جِهَة الدولة احتال على بعض القوزاق التَّابِعين للروسيا حَتَّى اوقعهم فِي حبالة نصبها لَهُم وادت بهم إِلَى التَّعَدِّي على حُدُود الدولة الْعلية والاغارة على احدى المدن التابعة لَهَا وَقتل بعض سكانها فاشهرت الدولة الْحَرْب على الروسيا وافتتحها كريم كراي بَان اغار بخيله وَرجله على اقليم سربيا الجديدة الَّذِي عمرته الروسيا مَعَ ان المعاهدات الَّتِي بَينهَا وَبَين الدولتين وعمرته الروسيا لمنع وُصُول المساعدة من خَان القرم إِلَى بولونيا عِنْد مَسِيس الْحَاجة
وَكَانَت نتيجة اغارة كريم كراي على هَذِه الْولَايَة خراب كثير من المستعمرات الروسية وعودته بِكَثِير من الاسرى وَتُوفِّي قبل ان تَنْتَهِي الْحَرْب
[ ٣٣٤ ]
ثمَّ سَار الْوَزير نشانجي مُحَمَّد امين باشا الَّذِي تولى الصدارة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٨٢ بجيوشه للدفاع عَن مَدِينَة شوكزيم الَّتِي حاصرها الْبُرْنُس جالتسين الروسي فَلم ينجح لعدم اتِّبَاعه الاوامر العسكرية الْوَارِدَة اليه من السُّلْطَان المهتم بِنَفسِهِ بامور الْحَرْب وَلَو لم يقد الجيوش بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة وَكَانَ جَزَاء الْقَائِد الْمَذْكُور ان قتل بامر السُّلْطَان فِي ٩ ربيع الآخر سنة ١١٨٣ وارسل راسه إِلَى الاستانة عِبْرَة لغيره من القواد وَعين مَكَانَهُ فِي الوزارة والسر عسكرية مولدواني على باشا وَكَانَ اشد اهتماما من سلفه بامور الْجند واكثر اطلاعا على ضروب الْقِتَال لَكِن عاكسته الطبيعة وَكَانَت هِيَ السَّبَب فِي تقهقره فانه حِين كَانَ يعبر مَعَ جيوشه نهر دينستر على جسر من المراكب ليهاجم الْجَيْش الروسي المعسكر على الضفة الاخرى زَادَت مياه النَّهر بَغْتَة وفاضت على شواطئه بكيفية مريعة حَتَّى استولى الْجزع على العساكر المارين فَوْقه وهموا بِالرُّجُوعِ إِلَى معسكرهم وتبعهم بعض من كَانَ قد وصل إِلَى الشاطئ الآخر فغرقت المراكب وَاسْتشْهدَ نَحْو سِتَّة الآف جندي وَصَارَ من بَقِي مِنْهُم على الشاطئ الروسي هدفا لمدافعهم وبنادقهم الَّتِي صوبت اليهم من كل فج حَتَّى قتلوا عَن آخِرهم فِي ١٧ جُمَادَى الاولى سنة ١١٨٣ ١٨ سبتمبر سنة ١٧٦٩ م
وَبعد هَذَا الانهزام الَّذِي لم يكن فِيهِ للروس من فَخر الْتزم مَوْلُود واني باشا بالتقهقر بعد اخلاء مَدِينَة شوكزيم فَدَخلَهَا الْبُرْنُس جالتسين واحتل على الْفَوْر ايالتي الفلاخ والبغداد
وَفِي هَذِه الاثناء كَانَت رسل الروس تعْمل على اثارة الخواطر فِي بِلَاد موره حَتَّى إِذا استعد الاهالي للثورة خرجت بعض المراكب الروسية من بَحر بلطيق قاصدة بِلَاد اليونان بعد الطّواف حول اوروبا الغربية واستولت على مَدِينَة كورون لتشجيع الاروام على الْعِصْيَان لَكِن لم تلبث هَذِه الْفِتْنَة ان اطفئت وَخرجت
[ ٣٣٥ ]
مراكب الروس من ميناء كورون قاصدة جَزِيرَة ساقز فالتقت بالمراكب العثمانية فِي الْمضيق الْمَار بَين الجزيرة وساحل آسيا وَبعد ان اسْتمرّ الْقِتَال عدَّة سَاعَات انتصر العثمانيون وَرَجَعُوا بعد تَمام النَّصْر إِلَى ميناء جشمه فَتَبِعهُمْ حراقتان من مراكب الروس ظن العثمانيون انهم فارون من دونانمة الْعَدو وآتون للانضمام اليهم فَلم يعارضوهم فِي الدُّخُول إِلَى الميناء فبمجرد دُخُولهمْ باشتعال مَا كَانَ بهَا من البارود فِي يَوْم ١١ ربيع الاول سنة ١١٨٤ ٥ تموز يوليو ١٧٧٠ م
وَبعد ذَلِك قصد الاميرال الروسي الفنستون الهجوم على مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة لعدم وجود مَا يمنعهُ من الاستحكامات من الْمُرُور فِي بوغاز الدردنيل وَلَكِن لم يُوَافقهُ الْقَائِد ارلوف على ذَلِك ففضل احتلال جَزِيرَة لمنوس قبل ذَلِك لتَكون قَاعِدَة لأعمالهم الحربية فحاصرها وَتمكن فِي أثْنَاء ذَلِك البارون دي توت المجري الَّذِي دخل فِي خدمَة الدولة الْعلية من تحصين مضيق الدردنيل وَبِنَاء القلاع فِيهِ على ضفتيه وتسليحها بالمدافع الضخمة حَتَّى صَار الْمُرُور مِنْهُ من رَابِع المستحيلات ثمَّ حول عدَّة مراكب تجارية إِلَى سفن حربية بِوَضْع المدافع فِيهَا وَزِيَادَة على ذَلِك كلفه السُّلْطَان مصطفى الثَّالِث بانشاء مسبك لصب المدافع بالاستانة وبترتيب الطوبجية على النظامات الجديدة فَقَامَ بالامر خير قيام واسس مدرسة لتخريج ضباط للطوبجية واركان حَرْب متعلمين الْفُنُون العسكرية الحديثة واخرى لتربية ضباط للبحرية كَانَ مركزها بالترسانة تخرج مِنْهَا فِي قَلِيل من
[ ٣٣٦ ]
الزَّمن عدَّة قباطين قَادِرين على اخذ الارتفاعات ورسم بعض الشواطئ بالطرق الهندسية المضبوطة
وَكَانَت نتيجة هَذِه الاصلاحات الَّتِي تمت بِسُرْعَة غَرِيبَة ان هاجم القبطان حسن بك مَعَ بعض السفن الحربية سفن الروس المحاصرة لجزيرة لمنوس سنة ١٧٧١ والزمها رفع الْحصار عَنْهَا بعد مقاتلة خَفِيفَة وكوفئ حسن بك على هَذَا الِانْتِصَار بتعيينه قبطان باشا الدونانمات العثمانية ورقي إِلَى رُتْبَة باشا وَمن جِهَة اخرى لم يفلح الروس فِي طرابزون الَّتِي ارادوا الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا وبالاختصار كَانَ النَّصْر حَلِيف الْجنُود العثمانية برا وبحرا الا فِي بِلَاد القرم فقد احتلها الْبُرْنُس دلجوروكي الروسي ثمَّ اعلن بانفصالها عَن الدولة واستقلالها تَحت سيادة وحماية الروسيا واقام من يدعى جاهين كراي خَانا عَلَيْهَا باسم كاترينه الثَّانِيَة
وَفِي ٩ ربيع الاول سنة ١١٨٦ ١٠ يونيو سنة ١٧٧٢ م تهادن الْفَرِيقَانِ بِنَاء على توَسط النمسا والروسيا وامضيت الْهُدْنَة فِي مَدِينَة جورجيو من مدن البلغاريا وارسل كل مِنْهُمَا مندوبيه للمخابرة فِي شان الصُّلْح إِلَى مَدِينَة فوكشان بِولَايَة البغدان فَاجْتمع المؤتمر اول اجْتِمَاع فِي ٩ جُمَادَى الاولى سنة ١١٨٦ ٨ اغسطس سنة ١٧٧٢ وَبعد ان اتّفق الْجَمِيع على مد اجل المهادنة إِلَى ٢٣ جُمَادَى الثَّانِي سنة ١١٨٦ ٢١ سبتمبر سنة ١٧٧٢ طلب مندوبو كاترينه الِاعْتِرَاف باستقلال تتار القرم وحرية الملاحة لسفن الروسيا التجارية فِي الْبَحْر الاسود وَجَمِيع بحار الدولة الْعلية وَلما لم تقبل الدولة هَذِه الشُّرُوط انفض الْجمع على غير جدوى ثمَّ مدت المهادنة سَبْعَة اشهر وَاجْتمعَ المؤتمر ثَانِيًا فِي مَدِينَة بخارست فِي ١٣ شعْبَان سنة ١١٨٦ ٩ نوفمبر سنة ١٧٧٢ وَفِيه طلبت كاترينه بِلِسَان مندوبها طلبات اكثر اجحافا بِحُقُوق الدولة وارسلت بهَا بلاغا نهائيا فِي ٢٣ ذِي الْقعدَة سنة ١١٨٦ ١٥ نوفمبر سنة ١٧٧٣ م وَهِي
اولا ان تتنازل الدولة للروسيا عَن حصن كريش ويكي قلعه
[ ٣٣٧ ]
حفظا لاستقلال التتار
ثَانِيًا ان تمنح المراكب الروسية تجارية كَانَت اَوْ حربية حريَّة الملاحة فِي الْبَحْر الاسود وبحر جزائر اليونان
ثَالِثا تَسْلِيم مَا بَقِي من حصون القرم مَعَ الدولة الْعلية إِلَى التتار
رَابِعا اعطاء جرجوارغيكا وَالِي الفلاخ وَكَانَ اسيرا فِي الروسيا هَذِه الْولَايَة لَهُ ولورثته الشرعيين بِشَرْط دفع جِزْيَة مُعينَة كل ثَلَاث سنوات مرّة
خَامِسًا التنازل عَن مَدِينَة قلبورن للروسيا وَهدم حصون مَدِينَة اوكزاكوف اوزي
سادسا ان يعْطى لقب باديشاه إِلَى قَيْصر اَوْ قيصرة الروسيا فِي المعاهدات والمخاطبات السياسية
سابعا ان يكون للروسيا حق حماية جَمِيع المسيحيين الارثوذكسيين فِي بِلَاد الدولة
فَيظْهر للمطلع على هَذِه الشُّرُوط ان كاترينه مَا كَانَت تظن قبُول الدولة لَهَا بل جَعلتهَا طَريقَة لاستمرار الْحَرْب وَلذَلِك رفضتها الدولة بِكُل شمم فِي ٢٨ ذِي الْحجَّة سنة ١١٨٦ ٢٢ مارس سنة ١٧٧٣ واصدرت اوامرها للجيوش باستئناف الْقِتَال بِكُل شدَّة خُصُوصا فِي بِلَاد الطونه فَانْهَزَمَ الروس امام مَدِينَة روستجوق وَكَذَلِكَ امام مَدِينَة سلستيريا الَّتِي حاولوا الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا فِي ٣٠ مايو سنة ١٧٧٣ بعد ان قتل مِنْهُم ثَمَانِيَة آلَاف جندي وبمناسبة هَذَا الِانْتِصَار منح السُّلْطَان لقب غَازِي للقائد عُثْمَان باشا الَّذِي حمى الْمَدِينَة فتقهقر الروس
[ ٣٣٨ ]
وَفِي رجوعهم مروا بِمَدِينَة بازارجق وَلما لم يَجدوا بهَا حامية قتلوا جَمِيع من فِيهَا من شُيُوخ وَنسَاء واطفال وبمجرد مَا شعروا بقدوم الْجنُود المظفرة انسحبوا مِنْهَا بِكُل سرعَة تاركين امتعتهم حَتَّى قَالَ المؤرخ همر ان العثمانيين وجدوا اللَّحْم فِي الْقُدُور على النَّار وَهَذَا مِمَّا يدل على مَا وَقع فِي قُلُوب الْجنُود الروسية من الرعب من الاسود العثمانية الَّتِي لَوْلَا عدم كفاءة اَوْ قلَّة صداقة بعض قوادهم لما علمُوا للتقهقر اَوْ الْهَزِيمَة اسْما