من القضايا المسلمة أن التعليم من جملة الصنائع والمعارف، وأن الصنائع والمعارف تختلف، في الإجادة والإتقان، حسبما نرى بأعيننا، وندرك بعقولنا، وليس خطي هذا خط غيري، ولا إنشائي هذا كإنشاء غيري، إذ قد يوجد من هو أكثر مني وأفضل، ويوجد من هو أدنى وأقل، ذلك أن المواهب المدنية مختلفة، والمدارك الإنسائية متباينة، وإن للتربية والتعليم لتأثيرا على حسب المنشأ والمحيط، ومن المحال أن يخرج عن ذلك أحد غير الأنبياء المختارين والمعصومين ومعنى المنشأ والمحيط الجماعة والجمهور والقبيل الذي يقوم فيه الإنسان وهو معنى الحضارة والعمران والحضارة والعمران على حسب الأمم والأمم على حسب سادتها وقادتها فيرجع الأمر إلى تأثير التربية والتعليم ويؤيد هذا كله الحديث "كل مولود يولد على فطرة الإسلام
[ ١٤٩ ]
فأبواه يهودانه وينصرانه" ثم أن لكثرة الأمة وقوتها تأثيرا في الأحوال وهو معنى الحديث أيضا "تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" ومعنى هذا التمهيد لنثبت مصلحة الإجادة والإتقان الذين بارك فيهما النبي ﷺ بدعائه: «بارك الله فيمن عمل شيئا وأتقنه» وإذا أثبت لزوم الصنعة والإجادة والإتقان وقيل ذلك لزوم الابتداء ولزوم الابتداء هو لزوم التعليم وهذه الأشياء كلها تستلزم الإصلاح أي قابلة للزيادة والنقصان على حسب مهارة المعلمين وفوق كل ذي علم عليم.
إشكال أوردته على جملة من الطلبة والمعلمين والمتعلمين منذ ثمانية عشر عاما وهو ما لنا نرى التلاميذ الذين يتعلمون في المدارس الإفرنجية يخرجون في مدة اثنتي عشرة سنة يحسنون فنون منها الخط والكتابة والإنشاء والحساب والجغرافيا وتاريخ أوروبا ومعرفة رجالهم العظماء ويتقنون لسانا غير لسانهم ولغة غير لغتهم ونحوا غير نحوهم وصرفا غير صرفهم وفقها غير فقههم وأدبا غير أدبهم وغير ذلك من العلوم النافعة ونرى الذين يتعلمون في مدارسنا - زوايانا - يمضون أكثر من اثنتي عشرة سنة ولا يحسنون فنا واحدا من الفنون المذكورة في لسانهم ويا ترى ما السبب في ذلك؟ وما هذا العكس والنحس في التعليم الإسلامي؟ فوجم الإخوان وربما حسبني بعضهم شديد الجسارة غير هياب قليل الأدب لأقابل بين التعليمين وأقارن بينهما وأصرح بهذا كله بصورة استفهام إنكاري فأحببت: إن ذلك واضح له سبب وإذا تبين السبب زال العجب فالسبب الوحيد في ذلك حسن التعليم والإجادة في صناعته والأخذ بطرقه المفيدة النافعة وللتعاليم أبواب ثلاثة وهي بيوت الله يقول ﴿واتوا البيوت
[ ١٥٠ ]
من أبوابها﴾ ذكر لي إنسان أنه حضر ثمانية عشر مرة دراسة المقدمة الأجرومية الشهيرة وما فهم منها شيئا ثم حضرها عن طالب علم آخر مرة واحدة وما غاب عنه شيء من محتوياتها فاستفاد في نصف شهر ما لم يستفده في أعوام وهذا من حسن الصناعة والإجادة لا البركة فقط فإن الإفرنج كثيروا التحول والانتقال من صالح في الأفعال إلى أصلح ولا يضيعون فرصة بدت، ولا مصلحة ظهرت، وبذلك نراهم يدركون عدة فنون ومعارف في مدة اثنتي عشرة سنة مثل أن يدرك العربي المسلم - لو أصلحنا مدارسا وزوايانا - حفظ القرآن وتفسير الحديث والأصلين النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة وعلم الكلام والتاريخ والجغرافيا والكتابة والإنشاء والهيئة والفلك ومسك الدفاتر والاقتصاد السياسي والاقتصاد الإداري والطب والحكمة في المدة المذكورة اثنتي عشرة سنة وقد كان المتقدمون في الصدر الأول كما ذكرنا ثم اقتضى سوء الحال جحود أبائنا وتقهقرهم فما يمنع أن نرجع نحن ونتدارك ما كان لأوائلنا أرى وأنا زاولت التعليم مدة وتعاطيته بإخلاص ولي على ذلك شهادة مرضية وكان الأستاذ المرحوم خلقة الحفاظ ببلادنا الزواوة الشيخ محمد سعيد يقول مشافهة وفي ظهر الغيب من تعلم عندك سنة خير ممن يتعلم عندك غيرك عشرة أعوام وأود أن أجعلك مديرا عاما للتعليم العام في بلاد الجزائر كلها بالإصلاح.
طرق التعليم