يحار العاقل في أمر العادات عند الأمم عموما وعند المسلمين خصوصا واشتكى من ذلك أولو العلم من جميع الأمم والنحل: ذلك بأن من العادات ما لا يوافق الشرائع السماوية ومنها ما لا يوافق الذوق السليم كثقب الأنف وجعل الخرص فيه وتسويد الأسان والشفتين بالوسام وجعل الرجلين في قالب خاص لتبقيا صغيرتين وهلم جرا مما لا يستقصى (١) ومنها ما ليس بلازم، ومنها
_________________
(١) وليس شيء مما تقدم عند الزواوة وإنما سقناه تمهيدا فقط ما عدا الوشام فهم مثل العرب
[ ١٢٤ ]
ما هو مستحسن غير لازم، ومنها ما هو مستحسن ولازم، والناس أعلق من العلق بالعادات وقد جاء الإسلام العزيز بالضرب عن المخالف من العادات وإقرار الموافق فترك الناس بعض ذلك حينا من الدهر فرجعوا إليها بل أحدثوا زيادة بزيادة الأيام بالرغم من مناداة الفحول من العلماء والمصلحين بإنكار ذلك. هذا ولابد من ذكره ما يتيسر من العادات المستحسنة والمستهجنة في الزواوة فقول:
من العادات المستحسنة في الزواوة إنقياد الخصم والرضا بالتحكيم إلى أي حكم تم الرضا بما حكم به له أو عليه ثم لا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الحكم ويسلمه تسليما.
ومنها عدم التحكيم فيما تعلق بالعرض والشرف وليس في ذلك عندهم سوى القتل والانتقام لشرفه كلفه ذلك ما كلفه وإنه العار عندهم أن يقع التحكيم في ذلك وهو خلاف الشرع أحسنوا في الأولى وأساءوا في الثانية. ومنها اتخاذ كل قرية ذات جماعة صغيرة أو كبيرة إماما ومعلما ولكن لا يتمعلم سوى أبناء الشرفاء والمرابطين وكذلك في زواياهم المتقدم ذكرها إلى هذا العهد وهي عادة فاسدة مضرة في الهيئة الاجتماعية لو انتبهوا، ذلك بأن جهل الجهلاء مثل مرض المعدي خصوصا أن الأكثرية لغير المتعلمين ومنهم يتألف المحيط وبالطبع إن التأثير للمحيط والأغلبية وكأنهم أخذوها عن أوروبا القديمة فإن العلم محتكر عندهم للرهبان والملوك وأبناء الملوك ولكن أوروبا قد انتبهوا فضربوا عنها وهذا هو الفرق بيننا وبين أوروبا فإنهم ينتبهون ويرجعون أما نحن فمتمادون في سبات عميق فلا انتباه ولا رجوع ﴿بل
[ ١٢٥ ]
قالوا إنا وجدنا ﴾ الآية. ولكن لم يبلغنا أنها احتكارية أوهناك أدنى مانع غير العادة وكيفما كان الحال فهي ذميمة يجب الإقلاع عنها شرعا وطبعا إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم كما في الحديث الشريف وكما قالوا أن الإنفاق في كل شيء يستلزم النقصان إلا في العلم فإنه يستلزم الزيادة.
ومنها عدم حجاب من غير نساء المرابطين والشرفاء وأخيرا نساء العلماء فقط ولكن مسألة الحجاب عندنا معشر المسلمين قد لا يفصل فيها غير عمر بن الخطاب ﵁ والقرآن ينزل فيقول عمر ما قال في الخمر اللهم زدتا بيانا وافيا ذلك بأنا لم نفهم الحجاب المذكور في القرآن إلى الآن ففريق يقول بحبس المرأة في بيت مظلم وغلق الباب عليها وأخذ المفتاح في جيبه وأن لا ترى ولا ترى ولا تخاطب ولا تخاطب وأنها وصوتها ولباسها وعجرها وبجرها عورة وهذا حكم الغيرة لا الشريعة ولا الطبيعة لأنه مناف للصحة والمصلحة الحيوية والطبيعة العمرانية فالحجاب مثل هذا إيذان بالجمود والفناء والتعطيل وقد كان من نيتي وطبيعتي قبل أن أعرف الفرق بين الأمس واليوم، وقبل أن أرشد وأحسن العوم، وقبل أن تضطرني طبيعة الحياة بل القضاء والقدر، إلى الضرب في الأرض وأنا تارة مخير وتارة مسير، وقلت لبعض العارفين في الموضوع ذات يوم أي ابن العم والله إني لأود أن تكون والدتي العزيزة الشريفة المسلمة وأختي الشقيقة المسلمة وامرأتي وابنتي إما فوق هذا السماء أو تحت هذه الأرض وأن لا تذكر قط، فضلا عن أن تنظر، ولكني عبثا حاولت، وطبيعة حارت، وسنة كونية خالفت، أقرأت القرآن ووجدت فيه أن ابنتي شعيب ذهبتا في رعي الغنم وفي الماء واجتمع موسى بهما وتزوج
[ ١٢٦ ]
إحداهما وأنه لما جاء بزوجته قاصدا مصر طلب نارا ليوقدها لها لعلها تصطلي فذهل عنها بما لقي من الأقدار الإلهية ورجعت زوجته مع الرعاة من أهل مدين فاتل الآية ﴿فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ﴾ إلخ الآيات. وتذكر أن محمد ﷺ لما عزم على المهر صحبة أزواجه كلهن أو بعضهن حسب مقتضيات الأحوال وقد آذوه في سيدة نسائه عائشة ﵂ بالكذب والبهتان إلى أن أنزل الله في القضية القرآن بالبراءة فاتل ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسوه شرا لكم بل م خير لكم ﴾ إلخ الآية وضربت في الأرض بناته فزيب خرجت من مكة في طلب أبيها بالمدينة وتناولها زوجها وذوو زوجها بالخصام والشجار فأسقطوها من على الجمل فأجهضت حتى كان لها ذلك سبب الهلاك بعد أعوام قليلة وهاجرت ابنته رقية مع زوجها عثمان إلى الحبش وكان العامة من الحبش يتعرضون لها ويقولون بعضهم لبعض تعالوا تروا ابنة النبي العربي ما أجملها إلى أن اشتكت إلى الحكومة الحبشية النصرانية وتذكر قضية أبينا إبراهيم ﵇ مع فرعونه الذي عزم على أن يجبره ليعطي له زوجته سارة لأنه ذكرها له أنها أخته والقضية مشهورة في كتب السير والتاريخ ولكن إخواننا المسلمون أبووا الإخاء ذكرت أولا وتمنيت ثانيا وهو محال عند العارفين فإن الله تعالى لم يرد أن يجري ذلك بل أراد أن يجري الحق والدفاع عنه ونتبع نحن ذلك ولا يتبع هو جل شأنه ما نريد من الأهواء اقرأ
[ ١٢٧ ]
﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض﴾ وبالجملة فقد حررت ما تيسر في الموضوع في كتابي "مرآة المرأة المسلمة" وأزيد هنا أني لم أنكر الحجاب وإنما أردت الحجاب الشرعي بأن تختلط ولا تختلي امرأة أجنبية بأجنبي وأن يغلب الحجاب المعنوي على المادي أولى وأصوب وأسهل وأفيد وأن تحسن التربية والتعليم ببيان الفضيلة والرذيلة ونحو ذلك من الأخلاق الحسنة والعقائد الصحيحة.
ومنها احترام المرأة والعناية الشديدة عندهم بعدم مخاطبتها أو أحرى إذايتها وعدم ذكرها باسمها لأهلها أو زوجها.
ومنها تخلف المرأة في المشي إذا كانت مع الرجال وكذلك في الركوب وفي الصلاة وهذا موافق للشرع وللذوق ولكن تخلفها في الأكل والشرب طبيعة خلاف الشرع وخلاف المدنية.
ومنها تشغيل النساء في أعمال خارج البيت عدى الشرفاء والعلماء وقضية تشغيل النساء في الأمم وعند العرب بالخصوص فيها تفصيل أظن أنه يوافق الشرع العزيز على العادات التي لا حرمة فيها ويباح ما تضطر إليه الحياة كسقي الماء والاحتطاب والبيع والشراء وغير ذلك.
ومنها صعوبة الطلاق بما يشبه امتلاك المرأة وقد لا يفيد الخلع ولا الجبر ولا التحكيم وقد قدمنا أن التحكيم الذي هو عندهم مقبول لآدنى شيء إلا فيما يخص بالعرض وفي هذه من المنكر والقسوة ما يسخط الله ورسوله فلله در القائل:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
[ ١٢٨ ]
بل وصف الله تعالى قلوب صنف من عباده بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منها الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾. والحال أنه ليس من الشهامة إمساك المرأة جبرا يحبها وهي تبغضه ولا من الكرامة إذايتها، فسحقا وتعسا لرجل لا تحبه امرأته وهو ممسك لها، لبئس الحياة حياته.
ومنها عدم توريث قبائل تيزي وزو النساء بخلاف قسم بجاية وسبب عدم توريث في القسم الأول أنه على ما حدثني والدي ﵀ طارئ بعد وباء أوائل القرن السابع هلك فيه الكثير من العلماء فاتفقوا على أن يتولى العاصب إرث المخلف ويلتزم بالقيام بحقوق النساء وحمايتهن والنفقة عليهن ولو لم يترك لهن وليهن شيئا بدعوى أنه له الحق التداخل لما عسى أن يصيبه من المعسرة إلى غير ذلك من الأسباب ووجده مكتوبا أي هذا الاتفاق في دفتر لما كان شيخا في قرية - تافة نيث يحي - وذكر هذا الأمر الشيخ الحسين الورتلاني الشهير بالصلاح أنه حدث في القرن الثامن فقط وهذا يؤيد ما رويته عن الوالد قلت وكيفما كان لا يجوز مخالفة ركن عظيم في الشريعة كهذا لأنه بمقتضى الآية ويظهر لي أخيرا أنهم يعملون ذلك محافظة على تقسيم التركة وتبديد الثروة وكذلك يحكى عن الإنجليز ونقول لهم: (أنتم أعلم أم الله).
ومنها عدم تحاكم الزوجين إلى القاضي ولا إلى العالم يحكمون العرف في شأن الزوجية والعرف عندهم غير محدود وأكثر القبائل كما قدمنا قلما أن يتساهل في أخذ الخلع ولو بأضعاف ما بذل من الصداق ويعطلها مدة الحياة ولا يجبر
[ ١٢٩ ]
في أمثال هذه فإذا أجرم قتله لأنه يرى ذلك اعتداءا على حقه وعرضه ولا يقبل عقله أن الشريعة هي التي أجبرته لما رسخ في ذهنه أن امرأته خلص ملكه لا يشاركه فيها أحد من العالمين فالذي يطلقها عليه شاركه فيها وهذا من التعاليم الموارثة ونشأ عن قلة الإرشاد والوعظ ولم نجد من المتأخرين من يقوم بتدريس علم الأخلاق ويحسن تقويم المعوج منها فإن سادتنا المتصوفة مكتفون بأن من أخذ طريقتهم لا تتعدى عليه النار ويكتفون عن جبال كهذه وكذلك يفدوهم بذكر لا إله إلا الله سبعين ألف مرة وبصلاة آخر الجمعة من رمضان وجهلوا أن القيم على الكبيرة لا يفيده ما ذكر إن لم يتب ويقلع على أن لا يعود وأن الإيمان والإسلام أقوال وأعمال.
وفسر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق
وقيل شرط كالعمل وقيل بل شطر والإسلام الشرعي بالعمل
وقولنا القاضي نيابة عن الشريعة إلخ ما تقدم ذكرنا أن نقول أن القضاء ركن عظيم في الشريعة الإسلامية ولكنه مصاب برجال حولوه لا يستحقون ولاية الكنس والرش للشوارع ولا وقادين في الحمامات ولا بوابين للحانات كما يعلم هذا الخاص والعام والمصاب العظيم في الأمر العظيم لذا القضاء خطة عظيمة تستلزم التبحر في العلوم الشرعية والعدالة التامة بلا أدنى فسق ليكون نقيا وزاهدا فإن نص خليل في مذهبنا المالكي على حرمة تولية الجاهل وطالب دنيا فإذا بأكثرهم ممن عرفناهم أفسق من قردة فلا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا عفة فإن بعضهم ينشد لسان حاله:
[ ١٣٠ ]
(وكنت امرء من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي)
ومن عادات الزواوة عدم مصاهرة الشرفاء والمرابطين لغيرهم نعم إن الكفاءة معتبرة في الإسلام ولكن من الزوج أن تكون كفؤا للمرأة لا العكس والزواوة عمموا وهذا تشديد لا يليق.
ومنها أنهم إذا اقتتلوا أو تشاجروا فإن الشريف أو العالم الصالح يكون في الحياد التام ويدخل بين صفوف المتقاتلين للصلح ويدفع ذلك باليد وذا باليد ولا يجدون في أنفسهم شيئا ولا يؤذونه ولا يعارضونه وقد رأيت والدي ﵀ في قرية صوامع في بني بوشعايب في وسط معمعة في سعة ١٨٦٩م وأنا ابن أربع سنين داخلا علينا وهو ﵀ ملطخ بالدماء وأنا وأختي وأخته عمتي ووالدتي نبكي فأهدأ من روعنا وقال لا تبكوا مرة أخرى إذا رأيتموني بين المقتتلين فإنهم لا يؤذونني لأني داخل مصلحا لا مقاتلا وما يصيبني من الدم إنما هو لتناولي الجرحى ودفع الأقوياء عن الضعفاء إلخ. قلت أن عادة كهذه من المدنية بمكان ويجدر أن تسطر بماء الذهب فإن جمعية الصليب الأحمر التي أسستها دول أوروبا منذ أمد غير بعيد لم تكن بهذه المثابة في هذه الحرب الأخيرة وكذلك قداسة البابا لم يحترمه المقتتلون هذا الاحترام في هذه الحرب بل كادوا يتهمونه بالانحياز والميل إلى فريق دون فريق والحال أن مقامه عندهم مقام العصمة.
[ ١٣١ ]
ومنها أن الشرفاء والصلحاء في الزواوة يفصلون في الدماء ويحكمون في قضاياها ولا إعادة فيها ويعتبرون ذلك حكما ربانيا حتى إذا خالفهم أحد فدعوتهم عليه أو له مقبولة وهكذا شأن الزواوة في الانقياد للشرفاء والصلحاء والعلماء وتقدم أنهم انقادوا لدعوة الإدريسيين والفاطميين الشيعيين فهذه العادة التي قبلها وغيرهما من امتثالهم يحق أن تكون من المعلقات التي يفتخر بها الخلف بالسلف لو يعتني القوم بهذه المحامد ويتنافسون في خلالها ويطرحون الخلال الشائنة.
ومنها عف اللحية وينكرون أشد الإنكار حلقها ويضربون المثل في المغالطة فيقولون في المخدوع حلقوا له لحيته والمعنى أنه مغفل ولكن منذ مدة يسيرة سرت إليهم عادة حلق اللحية التي عمت الآن العالم الإسلامي وهي مخالفة للقواعد العربية من أخلاقهم وللسنة النبوية وعمل السلف الصالح وقال النسابة ابن الكلبي كان للعرب خاصة عشر خلال لم تكن في أمة من الأمم خمس منها في الرأس وخمس في الجسد فأما التي في الرأس فالفرق والسواك والمضمضة والإستنشاق وقص الشارب دون اللحية وأما التي في الجسد فتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء
ومنها تركهم الأظافر ليتخامشوا بها وهي عادة شنيعة تشوه الوجه المتحرم الذي ورد النهي عن ضربه لأن الله تعالى خلق آدم على صورته ولكن عامة الأمم تضرب للوجه ولم يتق أحد الوجه حتى الوالدان فإنهما يضربان أولادهم للوجه ويلطمانهم ويا حبذا لو وضعت قوانين لهذا الأمر.
[ ١٣٢ ]
ومن عادة بعض مرابطين الزواوة تذكير المرأة بلبس البرنوس حين السفر القصير سترة ونعيمة وهي عادة قبيحة مذمومة ورد النهي في ذلك ولعن الله المتشيهين والمتشبهات وأنه من مصادمة الطبيعة وسنن الكون كما قدمنا وأن كان قد يجوز التنكر وقد يضطر إليه في بعض الأحيان لأسباب ولكن إذا زال السبب زالت العلة وارتفعت والسب ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود لذاته. والخلاصة أن العادات كثيرة غالبها كما تقدم من المستحسنة والمستهجنة وإنما يلزم أن تعرض كلها على ميزانية الشريعة فما صادقت عليها الشريعة يقرر وما لا فلا. وإن الله لهادي الذين أمنوا إلى صراط مستقيم.