ولعل أبو يعلى الزواوي قد أدرك تماما أبعاد التطابق الثقافي بين العرب والبربر، فبعد أن أبرز التطابق في السلالة وفي النظام الاجتماعي وفي الدين، وفي اللغة - وقد أتينا نحن بشواهد لاحقة أثبتت ما ذهب إليه وأكدته - فإنه
[ ٤٤ ]
ينتقل بنا إلى تطابق آخر وهو تطابق العادات والتقاليد، أي تطابق الأخلاق والطباع والسيكولوجية الجماعية، فما يعتبر محمودا عند الزواوة نجده محمودا عند العرب وما هو مذموم عند هؤلاء مذموم عند أولائك.
بل يبدي أبو يعلى الزواوي من العلمية والفهم العميق للمجتمع البشري ما لا نجده عند بعض الباحثين الأوروبيين، فهو لا يعني بالتطاق نسخا مكررة أو يستخرج نسخا مشوهة، فثمة اختلافات هي كاختلاف خنصرك هن بنصرك أو كاختلافك عن توأمك وهذه هي الشعوب فمن قال أن أهالي الألزاس والبريتان نسخة مكررة عن أهالي مرسيليا ..
يقول أبو يعلى في الصفحة ٢٦ (فالزواوة إذن عرب مستعربة وعرب عربا بأصلهم المتقدم ثم أن كثيرا من الأخلاق والعادات والطباع في البربر متماثلة متمازجة بطبائع العرب كاتخاذ البيوت من الشعر والوبر، والطين والحجر، والظعن والإقامة، وكسب الشاء، وحلق الرأس، والشجاعة، والكرم، والقرى، والانتجاع والارتياد، وركوب الخيل وكسب النعم، الإبل والبقر والغنم إلى غير ذلك مما لا يكاد يستقرأ وكلها أحكام الاستعراب والله يحكم لا معقب لحكمه وهو جل شأنه سريع الحساب).
وإذا طبقنا هنا القاعدة العلمية التي تقول: "إن أخلاق الناس تنتجها أوضاعهم الاقتصادية" فإن الوضع الثقافي والأخلاقي للبربر الأمازيغ المتشابه (كل هذا التشابه) مع الوضع الأخلاقي والثقافي للعرب لا يمكن أن يكون قد نتج عن حالة استعمارية، بل هو ناتح بالضرورة عن تشابه أو تطابق اقتصادي، فالبربر والعرب عموما هم أصحاب نظام اقتصادي واحد سماته الأساسية
[ ٤٥ ]
الرعي والزراعة والتجارة وقد وقفوا على أبواب التصنيع في بغداد والقيروان ودمشق وتلمسان وفاس والقاهرة .. والاستعمار يقوم أصلا على "التصادم الاقتصادي".
غير أننا نجد في التاريخ العربي هنا نقطة صدام بين الدولة والأمة، فقد كانت الأمة عربية والدولة إسلامية، إذ سيطرت على الدولة العربية فئات إسلامية من خارج الأمة العربية كالفرس والديلم والمماليك والأتراك، فتوقف التصنيع في بدايته وبدأت الغزوات المغولية والصليبية وبدأت الأمة العربية تتقهقر في المشرق والمغرب على حد سواء، فإذا كانتا الغزوات الصليبية قد بدأت في المشرق وانتهت في المغرب فإن الاستعمار الاستيطاني بدأ في الجزائر ليصل إلى فلسطين.
لقد أسهم ذلك العراك بين الدولة والأمة في تقهقر الطرفين: الأمة العربية والدولة الإسلامية، تقهقرا اقتصاديا وثقافيا مريعا، وهنا نجد التشابه بين المشرق والمغرب في حالة التقهقر كما وجدناه في حالة التقدم .. فهما دائما في وضع اقتصادي واحد ووضع ثقافي واحد .. لذلك فالأخلاق واحدة.
ولعلنا هنا نفهم أن أحد أسباب انهيار الدولة العربية الإسلامية هو ذلك التصادم الاقتصادي الذي نشأ تحت ستار الوحدة الإيديولوجية "الإسلامية" فحين سيطرت الأعراق غير العربية على هذه الدولة باسم الدين وبدأت تبدوا وكأنها "قومية استعمارية" بدءا من البرامكة وانتهاء بالشكل الأوضح لهذا التصادم على يد الأتراك الطورانيين. فتطور الصراع داخل الدولة العثمانية وصار صراعا قوميا واضحا بين العرب والأتراك وبدأ العرب يغيرون مفهومهم
[ ٤٦ ]
للدولة .. ولعل البداية كانت هنا في جزائرنا منذ عشرينيات القرن التاسع عشر وامتدت إلى لبنان ثم تطورت على يد الأمير عبد القادر خلال المقاومة الباسلة التي أبداها شعبنا ضد الاحتلال الفرنسي وأخذ هذا المفهوم، مفهوم الدولة العربية شكله المتبلور عام ١٨٧٧ حين انتخبب زعماء المشارفة الأمير عبد القادر ليؤسس دولة عربية مسلحة مستقلة عن تركيا المسلمة يساعده في ذلك أولئك الرجال البربر الذين ساندوه وساعدوه بسيوفهم في حماية نصارى الشام العرب من المسلمين غير العرب (أتراك وأكراد) الذين دفعت بهم تركيا وفرنسا وبريطانيا إلى أتون الحرب الأهلية عام ١٨٦٠، ولا يمكن للبربر أن يقودوا حركة التحرير القومي العربي في المشرق العربي سواء بزعامة الأمير عبد القادر أو غيره لو نظر إليهم المشارقة أو نظروا هم لأنفسهم ككيان آخر خارج التشكيل العربي سواء من الناحية السلالية العرقية أو من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الدينية والاجتماعية التنظيمية أو من ناحية الأخلاق.
ويبدوا لي في هذا الفصل المخصص لمحامد الزواوة وخصائصهم أن الشيخ أبو يعلى قد فلت من فخ وقع ويقع فيه غيره الكثير من العرب والعجم والروم. ألا وهو فخ المقارنة بين الشعوب والأمم وتعداد مناقب هذا الشعب وإظهارها .. والحال هو أن كل شعوب الأرض متساوية وكلها أصيلة، وكلها تحمل ذات المناقب والمحامد فليس هناك شعب يقول عن نفسه أنه بخيل مثلا أو جبان. فكل شعوب الأرض هي بنظر نفسها عظيمة وهذه هي صفة الإنسان السوي الصحيح، فالإنسان مهما كان فردا أو شعب فاليهودي لا يعتبر نفسه
[ ٤٧ ]
بخيلا وكذلك الاسكتلندي، سواء الفرد منهم أو الشعب، بل الآخرون هم الذين يرون فيه ذلك ولعل مسألة ذكر نقائص الشعوب دون محامدها هي أمر تجنبته الثقافة العربية الإسلامية وحصارها، فليس في هذه الحضارة كتاب مثل رواية "شكسبير" الانجليزي المومومة "تاجر البندقية" التي تصف اليهودي بالبخيل وليس هناك كاتب عربي مثل الفرنسي "موباسان" الذي يصف البربر الجزائريين بالهمجية، طبعا يشير لهم كعرب، فلم تكن في وقته قد بدأت سياسة تفتيت الجزائريين.
ولأن أمر الحضارة والثقافة العربية كذلك، فإن شيخنا الزواوي فلت من هذا الفخ الذي يقود إلى الانغلاق، حتى يتحول الاعتزال القومي إلى تعصب واستعلاء! والانغلاق يؤدي إلى الجهل، والجهل إلى الأنانية، والأنانية إلى الفناء! فلت أبو يعلى الزواوي وعدد (من خلال الحديث النبوي الشريف) الفضائل التي يتمتع بها الروم وهي ذات الفضائل التي يمكن أن يتمع بها أي شعب آخر، لأنها موجودة في كل شعب وفي كل فرد فإن صارت هي الغالبة في نفس الفرد ارتفع شأنه بين الأفراد، وما ينطبق على الفرد بين الأفراد ينطبق على الشعب بين الشعوب ولكن الاستعمار خبيث فالرغبة في استعباد الآخر وظلمه صفة منحطة وخبيثة في الفرد وكذلك في الشعب .. ولأن الاستعمار الفرنسي "وكل الاستعمار" هو أبشع وأحط الصفات، راح من أجل أن يطيل عمره ويواصل استعباد الشعوب، يبحث عن نقائص هذه الشعوب وتناقضاتها، ويركز هذه النقائص في نفسية أفرادها، فالعرب كل العرب، والفيتناميون كل الفيتناميين، والأفارقة كل الأفارقة، والألمان كل الألمان،
[ ٤٨ ]
والإنجليز كل الإنجليز، هم أمام الفرنسي همج متخلفون، متوحشون، أدمغتهم لا تشتغل ومعاقون فسيولوجيا، وليسوا لطفاء المعشر، وليس لديهم لغة جميلة معبرة أو أدب رفيع، فكلنا يذكر مثلا الصراع بين الفرنسية والألمانية والإنجليزية وكان الفرسيون يصفون اللغتين الأخريين كما شعبيهما بأقذع الأوصاف وأقبحها .. علما بأن اللغات الثلاث والشعوب الثلاث ذات أصل لاتيني واحد! وقد تمكت الألمانية من الانتصار في صراعها على الفرنسية، أما الإنجليزية فاخترقت الفرنسية وها هي تكاد تحتويها حث اشتهرت الألمانية كلغة أدب وفلسفة واشتهرت الإنجليزية كلغة علم وتجارة. ومن أجل أن يطيل الاستعمار عمره بين ظهرانينا راح يفصل بين العرب والبربر بما شاء له من أساليب الفرقة والفصل ثم يقيم بينهم نوعا من التفاضل والتفاخر فالتنابز فالضغائن فالأحقاد فالحروب .. وهذا ما يجعله هو السيد الذي يسود الطرفين دائما وأبدا .. فلذلك ألفت كتب وقيلت أطروحات في هذه المفاضلات السخيفة بين العرب والبربر فهناك من يقول أن العربي هو الأكرم فينبري آخر ويقول أن العربي كسول لا يعمل لأنه ابن الصحراء فيأتي آخر يقول أن البربري لا يعرف سوى الالتفاف بالبرنوس وتدخين الحشيش .. ولو أراد الواحد أن يعدد الكتب والمقالات التي أقامت هذا النوع المنحط من "الثقافة" لوضع فهرسا طويلا خاصة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وم الملاحظ أن الكتب والمقالات الفرنسية تشكل العدد الأكبر في هذا الفهرس الذي لا يشرف الإنسان فردا أو شعوبا ولا يشرف اللغة الفرنسية نفسها بل يحط من قدرها، والحقيقة أن الذين يفعلون ذلك إنما يخدعون
[ ٤٩ ]
شعوبهم، فموباسان وفيكتور هيجو وألبير كامو وغيرهم من الفرنسين الذين احتقروا الجزائريين بربرا وعربا مثلهم مثل شكسبير الإنجليزي الذي احتقر اليهود وروديارد كيلنغ الذي احتقر الهنود، مثلهم مثل اليهودي في التوراة الذي احتقر كل شعوب الأرض .. إنما هؤلاء جميعا يحتقرون أنفسهم ويضللون شعوبهم وينقلون الاعتزاز الوطني والقومي إلى الانغلاق عبر الاستهلاك وصولا إلى الأنانية والفناء.
وهكذا فإن شيخنا كان متحصنا بثقافته العربية الإسلامية التي لا تقبل الميز بين الشعوب، فذكر محامد الزواوة كجزء من محامد العرب، وذكر محامد العرب كجزء من محامد الزواوة، وذكر الجميع بأن للروم وللأعاجم محامدهم، وهذه صفة الإنسان "الأممي" بالمعنى الواسع والحقيقي .. فمهما اختلفنا اليوم في النظرة إلى الإسلام كفلسفة أو دين فإن الحقيقة تظل هي الحقيقة فالإسلام هو أول دين أممي يعلن صراحة عن أمميته وأن لا فرق بين البشر أبيضهم وأسودهم عربهم وعجمهم .. فهذه هي الحقيقة حتى وإن لم يطبقها المسلمون، سواء كان الإسلام دينا "اخترعه" محمد أو "أنزل" من السماء .. وسواء كان "تقدميا" أو "رجعيا" فالحقيقة تظل هي الحقيقة، والإنسان الأممي والدين الأممي لا يمكن أن يكون إرهابيا.
والواقع أن الاستعمار وسيلته الأولى هي احتقار الشعوب وإقناعها بأنها أقل شأنا منه، وإذا كان الاستعمار الفرنسي يضم كل عمل عربي بالرداءة خدمة عرب فإن المستعبدين الأتراك كانوا يقولون: (إن حافر حصان التركي أفضل من أي بني عربي) ولا زال الإنجليزي حتى اليوم يعتبر الهندي بقرة ..،
[ ٥٠ ]
والاستعمار يحتقر الشعوب ويسعى لأن يقتنع هي بحضارتها ثم يعمد في نفس الوقت إلى أن تحتقر فئات الشعب الواحد بعضها بعضا ويشجع على ذلك فيقوم رجاله من العساكر والإداريين والمبشرين بنشر هذه الأفكار الخبيثة، فيقولون للقبائل أنكم أفضل من الشاوية وأكثر تمدنا وأن الشاوي بغل همجي، ويقولون للشاوية أن القبائل عنصريين يأكلون الخنزير ولا يغارون على شرفهم .. ثم يعمدون إلى تحريض هؤلاء ضد العرب والعرب ضد بعضهم وضد هؤلاء.
وليس الاستعمار الفرنسي وحده الذي يفعل ذلك بل الاستعمار الإنجليزي أيضا، ففي الخليج العربي والعراق مثلا حرض السنة ضد الشيعة والأكراد ضد العرب .. بل وصل الأمر في بلاد الشام إلى تحريض أهل المدن على أهل الريف كما في مصر بحري ضد الصعيد .. بل وفي منطقة الزواوة موضوع هذا الكتاب نجد الاستعمار قد دق الأسافين بين زواوة بجاية وزواوة تيزي وزو يعد قبائلي ومرابط.
وللأسف الشديد فإن مثل هذه السخافات التي تخطتها الشعوب جميعا .. وهي تصنع مجد الإنسان على وجه هذه المعمورة، تجد لها عند بعض أدعياء الثقافة والتقدمية والعصرنة من الجزائريين أذانا صاغية، فهناك بعض منهم ينضم إلى الأكاديمية البربرية في باريس وهو يعلم أهدافها الخبيثة وبعض منهم ينضم إلى معهد العالم العربي فيها وهو يعلم أهدافه الخبيثة بل هناك نفر ينضم إلى المؤسستين في نفس الوقت وينتج إنتاجا أقل ما يمكن وصفه به أنه إنتاج يخدم أفكارا تجاوزتها البشرية فلم تعد عصرانية ولم تعد تقدمية ولم تعد
[ ٥١ ]
ثقافية، فالذي يسعى لأن يقتتل الجزائريون تحت يافطة عرب - بربر كالذي يسعى لاقتتالهم تحت يافطة مسلمون - نصارى أو يافطة عصرانيون - أصوليون، فقد اقتتل اللبنانيون مدة ١٥ سنة تحت هذه اليافطات وكانت النتيجة تدمير لبنان بكل فئاته.
وهذا بالضبط ما يراد بالجزائر، وبالطبع لن يشرف البربر أو العرب في الجزائر أن يتقاتلوا تحت أي عنوان كان فضلا عن هذا العنوان العنصري البغيض. والحقيقة أن ما يراد بالجزائر هو ما يراد بالوطن العربي كله، فالحضارة الأوروبية التي بدأت تدخل مرحلة التدهور بعد أن وصلت قمة الهرم، أخذت تخشى نمو الحضارة العربية من جديد سواء بثوب عصراني حداثي علماني أو بثوب إسلامي سلفي أو متجدد. فمن الواضح أن العرب استجابوا للتحدي وتحررت أوطانهم، وقد سجل لهم التاريخ أنهم أكثر شعوب الأرض مقاومة للظاهرة الاستعمارية .. وكانت الجزائر على رأس هذه الاستجابة للتحدي .. لذلك فالحضارة الأوروبية وبدوافع شتى لا تخلوا من صليبية أيضا تسعى لأن تمنع نمو العرب، فبعد أن فتتهم إلى أكثر من ٢٣ دولة واقتطعت أجزاء منهم ومن أراضيهم أعطتها لتركيا وإيران وإثيوبيا وتنزانيا وحتى أسبانيا وأقامت إسرائيل فإنها تسعى لتفتيتهم إلى قوميات متناحرة متقاتلة فالشاوية في قتال مع القبائل وهؤلاء مع الشلوح وفي مصر الصعايدة مع النوبيين والمسلمين مع الأقباط، والعرب في لبنان مع الفينيقيين وهكذا دوايك. إذ أن الاستعمار يخلق ثقافات متضادة المزاج تمهيدا للحروب الأهلية.
[ ٥٢ ]
وفي اعتقادي أن الزواوي في حديثه عن الصفات البيولوجية والعادات الاجتماعية للزواوة ومقارنتها مع صفات وعادات العرب وضع يده على نقطة مهمة وهي وحدة المزاج البربري - العربي، وهي وحدة لا نكاد نجدها مع الشعوب المسلمة الأخرى فالمزاج الفارسي مثلا يختلف اختلافا بينا عن المزاج العرب حتى أن الدول الإسلامية التي قامت في المنطقة وكانت ذات مزاج فارسي لم تعمر طويلا سواء في المغرب أو في المشرق فالدولة الفاطمية مثلا أقصر عمرا من الدولة الأموية والدولة العباسية بينما عمرت الدولة الأموية وهي أكثر الدول الإسلامية عروبة عمرت في المغرب العربي أكثر من ٧٠٠ عام، وينطبق الأمر نفسه على الأتراك الذين لم تعمر دولتهم في الشرق أكثر من خمسمائة عام لنكتشف بعد ذلك أن التركي والعربي رغم أن الإسلام -السني- يجمع بينهما إلا أنهما لا يملكان نفس المزاج، وينطبق هذا على الأكراد أيضا.
وبهذه الملاحظة الذكية يكون أو يعلى قد فسر لنا -ربما من حيث لا يقصد - لماذا كان البربر والعرب يملكان تاريخا واحدا.