ثم إن الله ﷿ أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه- وذلك يوم الجمعة- من السماء مع زوجته، وأنزل آدم- فيما قال علماء سلف أمة نبينا ص- بالهند.
ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك منهم:
٢٢٠- حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال:
أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: أهبط الله ﷿ آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند.
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: إِنَّ أَوَّلَ مَا أَهْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ أهبطه بدهنا أَرْضِ الْهِنْدِ.
حدثت عن عمار، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: أهبط آدم إلى الهند.
حَدَّثَنِي ابْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سلمة، عن عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
[قال على بن ابى طالب ع: أَطْيَبُ أَرْضٍ فِي الأَرْضِ رِيحًا أَرْضُ الْهِنْدِ، أُهْبِطَ بِهَا آدَمُ، فَعَلِقَ شَجَرُهَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ] .
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْهِنْدِ، وَحَوَّاءُ بِجِدَّةَ، فَجَاءَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى اجْتَمَعَا، فَازْدَلَفَتْ إِلَيْهِ حَوَّاءُ، فَلِذَلِكَ
[ ١ / ١٢١ ]
سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةَ، وَتَعَارَفَا بِعَرَفَاتٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ، وَاجْتَمَعَا بِجَمْعٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَمْعًا قَالَ: وَأُهْبِطَ آدَمُ عَلَى جَبَلٍ بِالْهِنْدِ يُقَالُ لَهُ بُوذُ.
حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى بَائِعِ الْقَتِّ، قَالَ: قَالَ لِي مُجَاهِدٌ: لَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ آدَمَ نَزَلَ حِينَ نَزَلَ بِالْهِنْدِ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وأما أهل التوراة فإنهم قالوا: أهبط آدم بالهند على جبل يقال له واسم، عند وإذ يقال له بهيل بين الدهنج والمندل: بلدين بأرض الهند قالوا:
وأهبطت حواء بجدة من أرض مكة.
وقال آخرون: بل أهبط آدم بسرنديب، على جبل يدعى بوذ، وحواء بجدة من أرض مكة، وإبليس بميسان، والحية بأصبهان وقد قيل: أهبطت الحية بالبرية، وإبليس بساحل بحر الأيلة.
وهذا مما لا يوصل إلى علم صحته إلا بخبر يجيء مجيء الحجة، ولا يعلم خبر في ذلك ورد كذلك، غير ما ورد من خبر هبوط آدم بأرض الهند، فإن ذلك مما لا يدفع صحته علماء الإسلام وأهل التوراة والإنجيل، والحجة قد ثبتت بأخبار بعض هؤلاء وذكر أن الجبل الذي اهبط عليه آدم ع ذروته من أقرب ذرا جبال الأرض إلى السماء، وأن آدم حين أهبط عليه كانت رجلاه عليه ورأسه في السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم، فكان آدم يأنس بذلك، وكانت
[ ١ / ١٢٢ ]
الملائكة تهابه، فنقص من طول آدم لذلك.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله ﷿ آدم من الجنة كان رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله تعالى في دعائها وفي صلاتها، فخفضه الى الارض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله ﷿ في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فصار موضع قدمه قرية، وخطوته مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله تعالى الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى ابراهيم الخليل ع فبناه، فذلك قوله تعالى:
«وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ» .
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، فكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعا، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم، إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي فانطلق اليه آدم ع، فخرج ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوة مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك، فاتى آدم ع البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء
[ ١ / ١٢٣ ]
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما حط من طول آدم ع إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا أَنْشَأَ يَقُولُ: رَبِّ، كُنْتُ جَارَكَ فِي دَارِكَ، لَيْسَ لِي رَبٌّ غَيْرُكَ، وَلا رَقِيبٌ دُونَكَ، آكُلُ فِيهَا رَغَدًا، وَأَسْكُنُ حَيْثُ أَحْبَبْتُ، فَأَهْبَطْتَنِي إِلَى هَذَا الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ، فَكُنْتُ أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلائِكَةِ، وَأَرَاهُمْ كَيْفَ يَحُفُّونَ بِعَرْشِكَ، وَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ وَطِيبَهَا، ثُمَّ أَهْبَطْتَنِي إِلَى الأَرْضِ، وَحَطَطْتَنِي إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَقَدِ انْقَطَعَ عَنِّي الصَّوْتُ وَالنَّظَرُ، وَذَهَبَ عَنِّي رِيحَ الْجَنَّةِ فَأَجَابَهُ اللَّهُ ﷿: لِمَعْصِيَتِكَ يَا آدَمُ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَعَالَى عُرْيَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ كَبْشًا مِنَ الضَّأْنِ مِنَ الثَّمَانِيَةِ الأَزْوَاجِ الَّتِي أَنْزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَخَذَ كَبْشًا فَذَبَحَهُ، ثُمَّ أَخَذَ صُوفَهُ فَغَزَلَتْهُ حَوَّاءُ، وَنَسَجَهُ هُوَ وَحَوَّاءُ، فَنَسَجَ آدَمُ جُبَّةً لِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ لِحَوَّاءَ دِرْعًا وخمارا، فلبسا ذلك، واوحى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى آدَمَ أَنْ لِي حَرَمًا بِحِيَالِ عَرْشِي، فَانْطَلِقْ فَابْنِ لِي فِيهِ بَيْتًا، ثم حف به كما رايت ملائكى يَحُفُّونَ بِعَرْشِي، فَهُنَالِكَ أَسْتَجِيبُ لَكَ وَلِوَلَدِكَ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي طَاعَتِي، فَقَالَ آدَمُ: أَيْ رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ، لَسْتُ أَقْوَى عَلَيْهِ وَلا أَهْتَدِي لَهُ! فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا، فَانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مَكَّةَ، فَكَانَ آدَمُ إِذَا مَرَّ بِرَوْضَةٍ وَمَكَانٍ يُعْجِبُهُ قَالَ لِلْمَلَكِ: انْزِلْ بنا هاهنا، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: مَكَانَكَ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَكَانَ كُلُّ مَكَانٍ نَزَلَ بِهِ صَارَ عُمْرَانًا، وَكُلُّ مَكَانٍ تَعَدَّاهُ صَارَ مَفَاوِزَ وَقِفَارًا، فَبَنَى الْبَيْتَ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَطُورِ زَيْتُونٍ وَلِبْنَانَ وَالْجُودِيِّ، وَبَنَى قَوَاعِدَهُ مِنْ حِرَاءَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ خَرَجَ بِهِ الْمَلَكُ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا الَّتِي تَفْعَلُهَا النَّاسُ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، فَمَاتَ عَلَى بُوذَ
[ ١ / ١٢٤ ]
حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بَائِعِ الْقَتِّ، قَالَ: قَالَ لِي مُجَاهِدٌ: لَقَدْ حدثنى عبد الله ابن عباس ان آدم ع نَزَلَ حِينَ نَزَلَ بِالْهِنْدِ، وَلَقَدْ حَجَّ مِنْهَا أَرْبَعِينَ حِجَّةً عَلَى رِجْلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَجَّاجِ، أَلا كَانَ يَرْكَبُ؟ قَالَ: فَأَيُّ شيء كان يحمله! فو الله إِنَّ خَطْوَهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ لَيَبْلُغُ السَّمَاءَ، فَاشْتَكَتِ الْمَلائِكَةُ نَفَسَهُ، فَهَمَزَهُ الرَّحْمَنُ هَمْزَةً، فَتَطَأْطَأَ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو مَعْمَرٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ نَافِعٌ:
سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اوحى الى آدم ع وَهُوَ بِبِلادِ الْهِنْدِ:
أَنْ حُجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَحَجَّ آدَمُ مِنْ بِلادِ الْهِنْدِ، فَكَانَ كُلَّمَا وَضَعَ قَدَمَهُ صَارَ قَرْيَةً، وَمَا بَيْنَ خُطْوَتَيْهِ مَفَازَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، وَقَضَى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى بِلادِ الْهِنْدِ فَمَضَى، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَأْزِمَيْ عَرَفَاتٍ، تَلَقَّتْهُ الْمَلائِكَةُ، فَقَالُوا: بِرَّ حَجَّكَ يَا آدَمُ! فَدَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ عُجْبٌ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلائِكَةُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: يَا آدَمُ، إِنَّا قَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، قَالَ: فَتَقَاصَرَتْ إِلَى آدَمَ نَفْسُهُ.
وذكر ان آدم ع أُهْبِطَ إِلَى الأَرْضِ، وَعَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الأَرْضِ، وَيَبِسَ الإِكْلِيلُ، تَحَاتَّ وَرَقُهُ فَنَبَتَ مِنْهُ أَنْوَاعُ الطِّيبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا جَعَلا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا يَبِسَ ذَلِكَ الْوَرَقُ الَّذِي خَصَفَاهُ عَلَيْهِمَا تَحَاتَّ فَنَبَتَ مِنْ ذَلِكَ الْوَرَقِ انواع الطيب والله اعلم
[ ١ / ١٢٥ ]
وقال آخرون: بل لَمَّا عَلِمَ آدَمُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ مُهْبِطُهُ إِلَى الأَرْضِ، جَعَلَ لا يَمُرُّ بِشَجَرَةٍ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَخَذَ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا، فَهَبَطَ إِلَى الأَرْضِ وَتِلْكَ الأَغْصَانُ مَعَهُ، فَلَمَّا يَبِسَ وَرَقُهَا تَحَاتَّ، فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلُ الطِّيبِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
٢٣٢- حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القت قَالَ: قَالَ لِي مُجَاهِدٌ: لَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ الله ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ آدَمَ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ كَانَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلا عَبَثَ بِهِ، فَقِيلَ لِلْمَلائِكَةِ: دَعُوهُ فَلْيَتَزَوَّدْ مِنْهَا مَا شَاءَ، فَنَزَلَ حِينَ نَزَلَ بِالْهِنْدِ، وَإِنَّ هَذَا الطِّيبَ الَّذِي يُجَاءُ بِهِ مِنَ الْهِنْدِ مِمَّا خَرَجَ بِهِ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ ذكر من قال: كان على راس آدم ع حين أهبط من الجنة إكليل من شجر الجنة:
حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: خرج آدم من الجنة، فخرج منها ومعه عصا من شجر الجنة، وعلى رأسه تاج أو إكليل من شجر الجنة، قال: فأهبط إلى الهند، ومنه كل طيب بالهند.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:
هبط آدم عليه- يعني على الجبل الذي هبط عليه- ومعه ورق من ورق الجنة، فبثه في ذلك الجبل، فمنه كان أصل الطيب كله، وكل فاكهة لا توجد إلا بأرض الهند
[ ١ / ١٢٦ ]
وقال آخرون: بل زوده الله من ثمار الجنة، فثمارنا هذه من تلك الثمار ذِكْرُ من قال ذلك:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قسامة بن زهير، عن الأشعري، قال:
إن الله ﵎ لما اخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال آخرون: إنما علق بأشجار الهند طيب ريح آدم ع.
ذكر من قال إنما صار الطيب بالهند لأن آدم حين أهبط إليها علق بأشجارها طيب ريحه:
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل آدم ع مَعَهُ رِيحُ الْجَنَّةِ، فَعَلِقَ بِشَجَرِهَا وَأَوْدِيَتِهَا وَامْتَلأَ ما هنالك طِيبًا، فَمِنْ ثَمَّ يُؤْتَى بِالطِّيبِ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ.
وَقَالُوا: أُنْزِلَ مَعَهُ مِنْ طِيبِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ: أُنْزِلَ مَعَهُ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَعَصَا مُوسَى، وَكَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، طُولُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ عَلَى طُولِ مُوسَى، ومر ولبان، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ العَلاةُ وَالمِطْرَقَةُ وَالْكَلْبَتَانِ، فَنَظَرَ آدَمُ
[ ١ / ١٢٧ ]
حِينَ أُهْبِطَ عَلَى الْجَبَلِ إِلَى قَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ نَابِتٍ عَلَى الْجَبَلِ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ هَذَا، فَجَعَلَ يَكْسِرُ أَشْجَارًا قَدْ عَتِقَتْ وَيَبِسَتْ بِالمِطْرَقَةِ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْغُصْنُ حَتَّى ذَابَ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ ضَرَبَهُ مُدْيَةً، فَكَانَ يَعْمَلُ بِهَا، ثُمَّ ضَرَبَ التَّنُّورَ، وَهُوَ الَّذِي وَرِثَهُ نُوحٌ، وَهُوَ الَّذِي فَارَ بِالْعَذَابِ بِالْهِنْدِ.
وَكَانَ آدَمُ حِينَ هَبَطَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ السَّمَاءُ، فَمِنْ ثَمَّ صَلِعَ، وَأَوْرَثَ وَلَدَهُ الصَّلَعَ وَنَفَرَتْ مِنْ طُولِهِ دَوَابُّ الْبَرِّ، فَصَارَتْ وَحْشًا مِنْ يومئذ، وكان آدم ع وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ قَائِمٌ يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلائِكَةِ، وَيَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، فَحُطَّ مِنْ طُولِهِ ذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَكَانَ ذَلِكَ طُولُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ وَلَمْ يُجْمَعْ حُسْنُ آدَمَ ع لأحد من ولده الا ليوسف ع.
وَقِيلَ: إِنَّ مِنَ الثِّمَارِ الَّتِي زَوَّدَ اللَّهُ ﷿ آدم ع حين اهبط إِلَى الأَرْضِ ثَلاثِينَ نَوْعًا، عَشَرَةً مِنْهَا فِي الْقُشُورِ وَعَشَرَةً لَهَا نَوَى، وَعَشَرَةً لا قُشُورَ لَهَا وَلا نَوَى فَأَمَّا الَّتِي فِي الْقُشُورِ مِنْهَا فَالْجَوْزُ، وَاللَّوْزُ، وَالْفُسْتُقُ، وَالْبُنْدُقُ، وَالْخَشْخَاشُ، وَالْبَلُّوطُ، والشاهبلوط، وَالرَّانِجُ، وَالرُّمَّانُ، وَالْمَوْزُ وَأَمَّا الَّتِي لَهَا نَوَى مِنْهَا فَالْخَوْخُ، وَالْمِشْمِشُ، وَالإِجَّاصُ، وَالرُّطَبُ، وَالْغُبَيْرَاءُ، وَالنَّبَقُ، وَالزُّعْرُورُ، وَالْعِنَّابُ، وَالْمُقْلُ، وَالشَّاهَلُوجُ وَأَمَّا الَّتِي لا قُشُورَ لَهَا وَلا نَوَى فَالتُّفَّاحُ، وَالسَّفَرْجَلُ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْعِنَبُ، وَالتُّوتُ، وَالتِّينُ، وَالأُتْرُجُّ، وَالْخُرْنُوبُ، وَالْخِيارُ، وَالْبِطِّيخُ.
وَقِيلَ: كَانَ مِمَّا أَخْرَجَ آدَمُ مَعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ صُرَّةٌ مِنْ حِنْطَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْحِنْطَةَ انما جاءه بها جبرئيل ع بَعْدَ أَنْ جَاعَ آدَمُ، وَاسْتَطْعَمَ رَبَّهُ، فَبَعَثَ الله اليه مع جبرئيل ع بِسَبْعِ حَبَّاتٍ مِنْ حِنْطَةٍ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ آدم ع، فقال آدم لجبرئيل: ما هذا؟ فقال له جبرئيل: هَذَا الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ وَزْنُ الحبه منها مائه الف درهم وثمانمائه دِرْهَمٍ، فَقَالَ آدَمُ:
مَا أَصْنَعُ بِهَذَا؟ قَالَ: انْثُرْهُ فِي الأَرْضِ فَفَعَلَ، فَأَنْبَتَهُ اللَّهُ ﷿ مِنْ سَاعَتِهِ، فَجَرَتْ سُنَّةٌ فِي وَلَدِهِ الْبَذْرُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَحَصَدَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَجَمَعَهُ وَفَرَكَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُذْرِيَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الآخر
[ ١ / ١٢٨ ]
فَطَحَنَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَعْجِنَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ ان يخبزه مله، وجمع له جبرئيل ع الْحَجَرَ وَالْحَدِيدَ فَقَدَحَهُ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ النَّارُ، فَهُوَ أول من خبز الملة.
وهذا القول الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ، خِلافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ سَلَفِ أُمَّةِ نبينا ص، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَنَّ إِسْحَاقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، وعن سعيد ابن جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الشَّجَرَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا آدَمَ وَزَوْجَتَهُ السُّنْبُلَةُ، فَلَمَّا أَكَلا مِنْهَا بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا، وَكَانَ الَّذِي وَارَى عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا أَظْفَارُهُمَا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَرَقِ التِّينِ يُلْصِقَانِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ آدَمُ مُوَلِّيًا فِي الْجَنَّةِ، فَأَخَذَتْ بِرَأْسِهِ شَجَرَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَنَادَاهُ: يَا آدَمُ، أَمِنِّي تَفِرُّ؟ قَالَ: لا، ولكنى استحيتك يَا رَبِّ، قَالَ: أَمَا كَانَ لَكَ فِيمَا مَنَحْتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَبَحْتُكَ مِنْهَا مَنْدُوحَةٌ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ! قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِكَ مَا حَسِبْتُ أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كَاذِبًا، قَالَ- وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ ﵎: «وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ» - قَالَ: فَبِعِزَّتِي لأُهْبِطَنَّكَ إِلَى الأَرْضِ، فَلا تَنَالُ الْعَيْشَ إِلا كَدًّا.
قَالَ: فَأُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَا يَأْكُلانِ فِيهَا رَغَدًا، فَأُهْبِطَ إِلَى غَيْرِ رَغَدٍ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، فَعُلِّمَ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ، وَأُمِرَ بِالْحَرْثِ فَحَرَثَ وَزَرَعَ ثُمَّ سَقَى، حَتَّى إِذَا بَلَغَ حَصَدَهُ، ثُمَّ دَاسَهُ، ثُمَّ ذَرَاهُ، ثُمَّ طَحَنَهُ، ثُمَّ عَجَنَهُ، ثُمَّ خَبَزَهُ، ثُمَّ اكله، فلم يبلغه حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يبلغ
[ ١ / ١٢٩ ]
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلى آدم ثور احمر، فكان يحدث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو الذي قال الله ﷿: «فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى»، فكان ذلك شقاؤه.
فهذا الذي قاله هؤلاء هو أولى بالصواب، وأشبه بما دل عليه كتاب ربنا ﷿، وذلك أن الله عز ذكره لما تقدم إلى آدم وزوجته حواء بالنهي عن طاعة عدوهما، قال لآدم: «يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى.
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى»، فكان معلوما أن الشقاء الذي أعلمه أنه يكون إن أطاع عدوه إبليس، هو مشقة الوصول إلى ما يزيل الجوع والعري عنه، وذلك هي الأسباب التي بها يصل أولاده إلى الغذاء، من حراثة وبذر وعلاج وسقي، وغير ذلك من الأسباب الشاقة المؤلمة ولو كان جبرئيل أتاه بالغذاء الذي يصل إليه ببذره دون سائر المؤن غيره، لم يكن هناك من الشقاء الذي توعده به ربه على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن كبير خطب، ولكن الأمر كان- والله أعلم- على ما روينا عن ابْنِ عَبَّاسٍ وغيره.
وقد قيل: إن آدم ع نزل معه السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.
ذِكْرُ من قال ذلك:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين، عَنْ عَلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ثَلاثَةُ أَشْيَاءٍ نَزَلَتْ مَعَ آدم ع: السِّنْدَانُ، وَالْكَلْبَتَانِ، وَالْمِيقَعَةُ، وَالْمِطْرَقَةُ
[ ١ / ١٣٠ ]
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ فِيمَا ذُكِرَ أَنْزَلَ آدَمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي أَهْبَطَهُ عَلَيْهِ إِلَى سَفْحِهِ، وَمَلَّكَهُ الأَرْضَ كُلَّهَا، وَجَمِيعَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ وَالْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وغير ذلك، وان آدم ع لَمَّا نَزَلَ مِنْ رَأْسِ ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَفَقَدَ كَلامَ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَغَابَتْ عَنْهُ أَصْوَاتُ الْمَلائِكَةِ، وَنَظَرَ إِلَى سِعَةِ الأَرْضِ وَبَسْطَتِهَا، وَلَمْ يَرَ فِيهَا أَحَدًا غَيْرَهُ، اسْتَوْحَشَ فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَمَا لأَرْضِكَ هَذِهِ عَامِرٌ يُسَبِّحُكَ غَيْرِي! فأجيب بما حَدَّثَنِي المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد ابن معقل، أنه سمع وهبا يقول: إن آدم لما أهبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره قال: يا رب، أما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدس لك غيري! قال الله: إني سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي ويقدسني، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري، ويسبح فيها خلقي، ويذكر فيها اسمي، وسأجعل من تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتي، وأوثره باسمي، وأسميه بيتي، أنطقه بعظمتي، وعليه وضعت جلالي ثم أنا مع ذلك في كل شيء ومع كل شيء، أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، ومن أخاف أهله فيه فقد أخفر ذمتي، وأباح حرمتي أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر، من كل فج عميق، يرجون بالتلبية رجيجا، ويثجون بالبكاء ثجيجا، ويعجون بالتكبير عجيجا، فمن اعتمده ولا يريد غيره فقد وفد إليَّ وزارني وضافني، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كلا بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن.
ثم أمر آدم ع- فيما ذكر- أن يأتي البيت الحرام الذي اهبط
[ ١ / ١٣١ ]
له إلى الأرض، فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله، وكان ذلك ياقوتة واحدة أو درة واحدة، كما حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبان، أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه، فبوأه الله ﷿ لإبراهيم فبناه، وقد ذكرت الأخبار الواردة بذلك فيما مضى قبل.
فذكر ان آدم ع بكى واشتد بكاؤه على خطيئته، وندم عليها، وسأل الله ﷿ قبول توبته، وغفران خطيئته، فقال في مسألته إياه: ما سأل من ذلك، كما حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ» قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟
قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ» .
حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله تعالى «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ» ذكر لنا أنه قال:
يا رب: أرأيت إن أنا تبت وأصلحت! قال: إذا أرجعك إلى الجنة، قال:
وقال الحسن: إنهما قالا: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» .
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حَدَّثَنَا سفيان وقيس، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله ﷿:
[ ١ / ١٣٢ ]
«فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ» قال: قوله: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» .
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَنْزَلَ آدَمُ مَعَهُ حِينَ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَبَكَى آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَى مَا فَاتَهُمَا- يَعْنِي مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ- مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَلَمْ يَأْكُلا وَلَمْ يَشْرَبَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَكَلا وَشَرِبَا، وَهُمَا يَوْمَئِذٍ عَلَى بُوذَ، الْجَبَلِ الَّذِي أُهْبِطَ عَلَيْهِ آدَمُ وَلَمْ يَقْرَبْ حَوَّاءَ مِائَةَ سَنَةٍ.
حَدَّثَنَا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القت، قال: قال لي مجاهد، ونحن جلوس في المسجد: هل ترى هذا؟ قلت: يا أبا الحجاج، الحجر؟ قال: كذلك تقول؟
قلت: او ليس حجرا! قال: فو الله لحدثني عبد الله بن عباس أنها ياقوتة بيضاء، خرج بها آدم من الجنة، كان يمسح بها دموعه، وأن آدم لم ترقأ دموعه منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها ألفي سنة، وما قدر منه إبليس على شيء، فقلت له: يا أبا الحجاج، فمن أي شيء اسود؟ قال: كان الْحُيَّضُ يلمسنه في الجاهلية فخرج آدم ع من الهند يؤم البيت الذي أمره الله ﷿ بالمصير إليه، حتى أتاه، فطاف به، ونسك المناسك، فذكر أنه التقى هو وحواء بعرفات، فتعارفا بها، ثم ازدلف إليها بالمزدلفة، ثم رجع إلى الهند مع حواء، فاتخذا مغارة يأويان إليها في ليلهما ونهارهما، وأرسل الله إليهما ملكا يعلمهما ما يلبسانه ويستتران به، فزعموا أن ذلك كان من جلود الضأن والأنعام والسباع وقال بعضهم: إنما كان ذلك لباس أولادهما، فأما آدم وحواء فإن لباسهما كان ما كانا خصفا على أنفسهما من ورق الجنة ثم إن الله عز ذكره مسح ظهر آدم ع بنعمان من عرفة، وأخرج
[ ١ / ١٣٣ ]
ذريته، فنثرهم بين يديه كالذر، فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم:
ألست بربكم؟ قالوا: بلى، كما قال ﷿: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى» .
وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، [عن النبي ص، قَالَ: أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ- يَعْنِي عَرَفَةَ- فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلا، وَقَالَ: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ» إِلَى قَوْلِهِ: «بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ]» .
حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا كُلْثُومُ بْنُ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى»، قَالَ: مَسَحَ رَبُّنَا ظَهْرَ آدَمَ، فَخَرَجَتْ كُلُّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هَذِهِ- وَأَشَارَ بِيَدِهِ- فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﷿:
«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى»، قَالَ: مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَخَرَجَ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِنَعْمَانَ، هَذَا الَّذِي وَرَاءَ عَرَفَةَ، وَأَخَذَ مِيثَاقَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا، وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ يَعْقُوبَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن عطاء،
[ ١ / ١٣٤ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ حِينَ أُهْبِطَ فَمَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، ثُمَّ تَلَى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»، فَجَفَّ الْقَلَمُ مِنْ يَوْمِئِذٍ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عيسى، عن الأعمش، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ ﷿ آدَمَ ع أَخَذَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ ظَهْرِهِ مِثْلَ الذَّرِّ، فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ، فَقَالَ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ، وَقَالَ لِلآخَرِينَ: ادْخُلُوا النَّارَ وَلا أُبَالِي.
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ، [أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآية:
«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»، فقال عمر: سمعت رسول الله ص قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الجنه فيدخله الْجَنَّةِ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ] .
وَقِيلَ: إِنَّهُ أخذ ذريه آدم ع من ظهره بدحنا
[ ١ / ١٣٥ ]
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ ﷿ آدَمَ مسح ظهره بدحنا فَأَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلَّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ:
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَيَرَوْنَ يَوْمَئِذٍ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ فِي السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُهْبِطَهُ إِلَى الأَرْضِ، وَبَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى»، قال: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء، ثم إنه مسح من آدم صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ادخلوا الجنه برحمتي، ومسح صفحه ظهره اليسرى، فأخرج منه كهيئة الذر سودا، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا بلى، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة على وجه التقية
[ ١ / ١٣٦ ]